بعد إعلان ترامب ليل السبت الأحد قرب جهوزية مذكرة "التفاهم المتبادل" مع إيران للتوقيع عليها، يتسقط العالم أنباء أي حركة أو تصريح أو إشارة تصدر عنه. ولم يفصح عن ما توافق عليه مع الإيرانيين لإنهاء الحرب، وترك "التفاصيل" لتسريبات كبريات المواقع الإعلامية التي أخذت بدورها تتلاعب بأعصاب المنتظرين.
على خلفية حبس الأنفاس هذه، يبدو الإيرانيون وحدهم من يتنفس بهدوء وبثقة متزايدة بالنفس. يردون على اقتراحات ترامب بمزيد من التعنت والإصرار على شروطهم التي يتوافق الخبراء على أنها شروط منتصر، وليس مهزوم. فقد أصبحوا متأكدين، كما العالم أجمع، أن تهديدات ترامب بالعودة إلى الحرب، هي تهديدات لعقد المزيد من جولات المفاوضات التي يمليها الحل السياسي للمعضلة، وليس العسكري. كما أنها تهديدات يحاصرها الكونغرس والداخل الأميركي، بعد أن شهد كيف انزلقت إدارة ترامب إلى المستنقع الإيراني، كما أصبح متداولاً في الإعلام وصف الحرب الأميركية الإسرائيلية عل نظام الملالي.
ما تسرب عن النقاط الرئيسية التي تم التوافق عليها في المذكرة، وكذلك المؤجلة للتفاوض بعد التوقيع عليها، لا يترك مجالاً للشك بأن زمام المبادرة كان بيد الإيرانيين، وليس الأميركيين. فقد سبق أن رفض ترامب مراراً الاقتراحات الإيرانية، واعتبرها غير صالحة لإطلاق عملية التفاوض وأرفقها بالمزيد من التهديد باستئناف الحرب. لكن ما تظهره بنود المذكرة، التي ليس مؤكداً القبول الإيراني بها، يشير إلى أن إيران نجحت في تأجيل المسألة النووية للتفاوض عليها في هدنة الستين يوماً مع مسألة العقوبات والإفراج الجزئي عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. وبغض النظر عن الموقف الأميركي واللبناني، أصر الإيرانيون على ربط وقف الحرب في إيران بوقفها أيضاً في لبنان وغزة.
رد فعل الإسرائيليين على أنباء الصفقة، لا يمكن وصفه إلا بالصدمة. ومن بين النصوص العديدة التي تعبر عن ذلك، ما نقلته في 24 الجاري وكالة الأنباء الإسرائيلية الناطقة بالروسية cursor عن صحيفة معاريف، حيث أشار العنوان إلى أن "إسرائيل تدق ناقوس الخطر بشأن مسودة الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة وإيران".
تقول الصحيفة الإسرائيلية أن القيادة الإسرائيلية تمتنع حتى الآن عن الإدلاء بالتصريحات العلنية. وتشير حركة نتنياهو التي تلت الكشف عن مشروع المذكرة الأميركية الإيرانية إلى ارتباكه حيال الوضع المستجد. فتقول الصحيفة أنه أطلع الائتلاف الحاكم على الوضع، وتحدث هاتفياً مع ترامب خلال الليل، ومن المتوقع أن يعقد اجتماعاً لمجلس الوزراء مساء الأحد. ولم يتلق أعضاء الكابينت أي موجز عن الوضع، ويتلقون معلومتهم من وسائل الإعلام. ونقلت عن أحد الوزراء قوله في حديث مغلق "إذا كان هذا صحيحاً، فهو أمر سيء للغاية".
وتشير الصحيفة إلى أن الشاغل الرئيسي لإسرائيل هو منطق الاتفاق المقترح: أولاً وقف إطلاق النار، وفتح مضيق هرمز، وتقديم تنازلات اقتصادية لإيران، وبعد ذلك فقط العودة إلى المناقشات حول البرنامج النووي. ويدعو مشروع المذكرة إلى تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً، وفتح مضيق هرمز، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، وتحرير الأصول الإيرانية، ووقف إطلاق النار في لبنان. ومن المقرر استئناف المحادثات النووية في المرحلة الثانية فقط "من حيث توقفت".
في إسرائيل يعتبرون هذا الأمر خطيراً، حيث يمكن لإيران أن تحصل على مزايا اقتصادية واستراتيجية قبل تقديم أي التزامات بشأن البرنامج النووي. وما يثير قلق إسرائيل بشكل خاص الصياغة المتعلقة باستئناف المفاوضات من حيث انتهت، ويمكن لهذا أن يمدد عملية التفاوض من دون تفكيك حقيقي للقدرات النووية.
وتقول الصحيفة إن الأجندة اللبنانية ليست أقل إثارةً للقلق. فبحسب التسريبات تتضمن مسودة الاتفاق إنهاء الحرب بين إسرائيل وحزب الله، ودعم الحوار بين لبنان وإسرائيل. وتخشى إسرائيل أن يسمح ذلك لحزب الله بالاحتفاظ بقدراته العسكرية ونفوذه السياسي. وخلال حديثه مع ترامب، أعرب نتنياهو عن قلقه بشأن البند اللبناني، حيث صرّح ترامب قائلاً: "إذا أحسن حزب الله التصرف، فستحسن إسرائيل التصرف أيضاً".
تشير الصحيفة إلى أن انتقاد مشروع المذكرة يشهده الجمهوريون أنفسهم، ولا يقتصر على الديموقراطيين فقط. وتنقل عن السيناتور الجمهوري تيد كروز قوله إنه إذا سمح الاتفاق لإيران بتلقي مليارات الدولارات والاحتفاظ بتخصيب اليورانيوم والسيطرة الفعلية على مضيق هرمز، "فسيكون ذلك خطأً كارثياً".
ووفق التقييمات الإسرائيلية، يسعى دونالد ترامب إلى التوصل إلى اتفاق سريع لتحقيق استقرار أسواق الطاقة والحد من مخاطر التصعيد الإقليمي. إلا أن الجانب الإسرائيلي يخشى أن يؤدي هذا الاتفاق إلى تهميش الملف النووي.
موقع نوفوستي المتخصص بترجمة نصوص الصحافة العالمية INOSMI، نقل في 22 الجاري عن مطبوعة The Atlantic الأميركية نصاً عنونه بالقول "مصير ترامب: الاستسلام".
في تعليقه على مشروع المذكرة الذي كانت معالمه قد تسربت قبل ليل السبت الأحد، رأى كاتب النص روبرت كاغان Robert Kagan أنه يبدو أن ترامب يأمل في الانسحاب من دون أن يشعر الأميركيون بالحجم الحقيقي لهذه الهزيمة. وبدأت ترتسم ملامح نهاية ترامب في الحرب مع إيران. وفي اتصال هاتفي مع نتياهو أعلن ترامب أن واشنطن تناقش مع طهران "اتفاقية نوايا" لوضع نهاية رسمية للحرب والبدء بمرحلة مفاوضات لمدة 30 يوماً حول البرنامج النووي الإيراني واستئناف العمل في مضيق هرمز.
ويرى كاغان أن هدف الاتفاقية ونتائجها لا تدع مجالاً للشك: الولايات المتحدة تخرج من الأزمة. وقد يقوم ترامب بضربة أخيرة متواضعة لإنقاذ ماء الوجه وتهدئة المتشددين، لكنها ستكون مجرد حركة استعراضية. وكلمة "الخاتمة" في هذه الحالة ليست سوى تغطية لـِ "الاستسلام".
يعتبر الكاتب أن تهديدات ترامب المتكررة باستئناف عمليات القصف تبين أنها مجرد خداع. ومنذ شهرين، تفترض القيادة في طهران أن ترامب لن يجرؤ على بدء جولة أخرى من العمل العسكري، ولهذا السبب بالذات، لم تقدم أي تنازلات. وعلى العكس من ذلك، كانت شروط السلام التي قدموها هي شروط المنتصر: فقد طالبوا بدفع التعويضات، ورفع جميع القيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم، والاعتراف بالسيطرة على المضيق، والرفع الكامل للعقوبات.
موقع zahav الإسرائيلي الناطق بالروسية نقل في 24 الجاري عن الموقع الإسرائيلي walla نصاً عنونه بالقول "لقد فشلت محاولة نتنياهو المحفوفة بالمخاطر، والحساب آتٍ لا محالة". والمحاولة التي يتحدث عنها النص، محاولة نتنياهو إسقاط النظام الإيراني عبر عمليات القصف التي بدأها مع ترامب أواخر شباط/ فبراير المنصرم. يتذكر كاتب النص الجلسة التي عقدها نتنياهو مع ترامب في البيت الأبيض عشية بدء عمليات القصف على إيران، وكيف جهد في محاولة إقناع ترامب بنجاح العملية وسرعتها في إسقاط النظام الإيراني خلال أيام أو أسابيع، وبمساعدة انتفاضة الإيرانيين.
لم ينتظر الكاتب حتى نهاية النص ليفصح عن استنتاجاته الرئيسية، إذ يقول في العنوان الثانوي للنص "لقد صمدت إيران، وتم استبعاد إسرائيل من المفاوضات، وانتهت الحرب التي كانت تُعتبر فرصة سياسية، والانتخابات باتت وشيكة".




