قمة بوتين شي جين بينغ: عالم بلشفي متعدد الأقطاب

بسام مقدادالسبت 2026/05/23
بوتين وتشي جيبينغ (Getty)
الترويج لنظام عامي جديد (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مشاهد استقبال بوتين في الصين أعادت إلى الذاكرة صور استقبالات كبار الزعماء الأجانب التي قيض لنا مشاهدتها في موسكو أثناء الدراسة في الإتحاد السوفياتي السابق، وأهمها زيارة ريتشارد نيكسون مطلع سبعينات القرن الماضي. روسيا بلشفية ما بعد السوفياتية تخلت عن مشاهد مثل هذه الاستقبالات. لكن، وكما أظهرت مشاهد الاستقبال، يحرص بلاشفة الصين على تفاصيلها التي تختلف وفقاً للعلاقة مع الزائر. ومن ثوابتها رصف الأطفال بلباس موحد مع الطلاب والتلامذة على طول طريق الضيف وهم يرددون شعار "عاشت الصداقة الصينية ..."، حظي به بوتين وليس ترامب، بالطبع. قناة التلفزة الإسرائيلية التاسعة الموجهة للشارع الروسي في إسرائيل ارتأت أن ترامب حظي باستقبال أكثر "بريقاً وبهرجة". 

 

مشاهد الاستقبال البصرية تولتها الصين، لكن بقية الخطوات التي كانت معتادة في الاستقبالات البلشفية السوفياتية حرص الطرفان على الالتزام بها بحذافيرها. وإذا أخذنا بالاعتبار سعي الطرفين لبناء عالم متعدد القطب، على أنقاض العالم الغربي الأميركي، يمكن التأكيد بأن ما أحاط بالاستقبال يتعدى المظاهر. فبعد زيارة ترامب إلى الصين، أصبحت بكين على ثقة أكبر بأن العالم متعدد القطب ليس بعيد المنال، ودعت بوتين، القطب الشريك، بعد أيام معدودة لزيارتها. والعالم الجديد المدعوم بخروج الصين إلى مرتبة التعادل اقتصادياً وعلمياً مع الولايات المتحدة، وهي النتيجة الأهم لزيارة ترامب، يجب أن يكون عالماً بلشفياً بمحتواه ومظهره. 

ما تحرزه الصين من مقومات ترسيخ دعائم العالم البلشفي متعدد القطب، لا تساهم فيه مادياً روسيا بلشفية ما بعد السوفياتية سوى بالقليل. لكن، في المقابل، ومهما تعاظمت قوة الصين العلمية المادية، قد لا تكون كافية لبناء عالم بلشفي صيني من دون البلشفية السوفياتية الأم التي تزدهر في روسيا بوتين الحالية. والأمر لا يتعلق بالحرص على تاريخية البلشفية ومنبعها فقط، بل لأن البلشفية دوغما واحدة لا تتجزأ، إما تعتمد كلياً أو تُرفض. وقوة الصين وازدهارها الهائل ينطوي على الكثير جداً من المكونات الغربية التي تدخل محاربتها في صلب البلشفية عينها. فالتقدم العلمي التكنولوجي الصيني الهائل، وحتى "المستقل" منه عن الغرب، يستحيل أن تنسجم آثاره الاجتماعية السياسية مع مسلمات البلشفية المعادية للحريات الشخصية والسياسية والأدبية. 

 

من "المستغرب" ألا ينتج حتى الآن التقدم الصيني العلمي التكنولوجي المدهش حقاً، ما يدهش من الفنون والآداب. والنتاجات الأدبية الفنية تتوجه بالضرورة إلى الإنسان الصيني حر الإرادة والمعتقد، وبغيابه لن يتم إنتاج ما لا يطلبه أحد. وما أنتجته البلشفية حتى الآن كاد يقتصر على ما تسميه هي "الآداب والفنون الملتزمة" . والالتزام الذي تشترطه البلشفية، ليس أقل إرهاباً من ذاك الذي تمارسه في كافة مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولم ينج منه عمالقة المثقفين الذين قيض لهم أن يعيشوا في ظلها. وطاول حتى أولئك الذين كانوا يعلنون الولاء لها، لكن، ولسوء حظهم، التفت إليهم الغرب وقدر موهبتهم، حتى بجائزة نوبل للاداب التي "رفضها" بوريس باسترناك وميخائيل شولوخوف قبله. 

زيارة ترامب أنعشت لدى الصينيين آمالاً واقعية بدفع مقولة "عالم متعدد القطب" إلى الأمام، وسارعوا إلى دعوة بوتين لمناقشة الفرصة الحقيقية "المتاحة". والزيارة بحد ذاتها كحدث لعبت دوراً مهماً في رفع مستوى ثقة الصينيين بأهمية دورهم في العالم اليوم. وعلى الرغم من أنها ليست الزيارة الأولى التي يقوم بها ترامب إلى الصين، إلا أنها أتت وأميركا عالقة في مستنقع الملالي، وتأمل في الحصول على مساعدة ما للخروج من المأزق. أميركا جاءت الصين محتاجة لها. وأجاد الصينيون الإمساك بهذه الورقة، وتركوها معلقة تلوح بين أصابعهم من دون أن تسقط في اتجاه محدد. وفي الوقت عينه اعتمدوا مقاربة "فلسفية" للزيارة وجدولها، مقارنة بمقاربة ترامب المسطحة الطاووسية، كما وصف الخبراء المقاربتين. كما أجاد الزعيم الصيني أيضاً استخدام هذا العامل، وذكر ترامب بالفارق بين الحضارة الصينية التي تمتد لآلاف السنين وحضارة أميركا وتاريخها الذي لا يتجاوز مئتين وخمسين سنة. 

 

القول بأن ترامب قد أدرك شخصياً ما يريده شي جين بينغ، فيه مبالغة تتجاهل مدى ثقافة الرجل وطبيعة اهتماماته التي لا تطال في الحدث أبعد مما يدور فيه آنياً. لكن أميركا بكل جبروتها وإمكانياتها، قد أدركت بالتأكيد ما يصبو إليه الزعيم الصيني، سيما أنه سارع إلى استقبال بوتين فور انتهاء زيارة ترامب ليؤكد لأميركا ما أدركته. كما أن أميركا تدرك أيضاً أن زيارة ترامب التي يقول الخبراء إنها كانت سيئة الإعداد لضآلة عدد المتخصصين بشؤون الصين في الإدارة الأميركية، كانت بمثابة هدية للصين لم تكلفها التعهد بما يفيد أميركا فعلاً، ورفعت من مستوى ثقتها بنفسها. وهي لم تدع بوتين لتعزيز قوتها وثقتها بقدرتها، إذ إن روسيا الغارقة في مستنقع الحرب الأوكرانية قليلاً ما تستطيع إضافته لمصلحة الصين. لكن روسيا تتمتع بنفوذ كبير في ما يسمى دول "جنوب العالم" التي تتوق، محقة أم لا، إلى التخلص من العالم الأميركي الغربي آحادي القطب، واستبداله بعالم متعدد القطب حتى لو كان بلشفياً. فهذه الدول عموماً لم تكن يوماً مناهضة للبلشفية، بل كانت تعتبرها نصيرة قضاياها في التحرر من الاستعمار الغربي وصيغه المتجددة. 

 

لم يبخل الصينيون والروس في ما نشروه حول القمة بالتصريحات الداعية إلى الإسراع في بلورة النظام العالمي الجديد، والذي حسب آلية البروباغندا التابعة لهما، سيساعد في تحرر دول الجنوب من الاستعمار الغربي الجديد. 

موقع الأعمال الروسي BFM نشر نصاً في 21 الجاري تحدث فيه عن نتائج قمة بكين، وحسم في عنوانه الأمر بالقول: "شكلت روسيا والصين نظاماً عالمياً جديداً". 

رأى الموقع أن يومي القمة الروسية الصينية 19 و20 أيار/مايو قد غيرا المشهد الجيوسياسي في العالم. واعتبر أن الوثيقة الرئيسية للزيارة هي إعلان العالم متعدد الأقطاب. وهي ليست مجرد مذكرة تفاهم، بل "منصة أيديولوجية مناهضة للنظام الليبرالي الغربي". وتوقف عند أهم ما تتضمنه "الوثيقة الرئيسية" هذه، فأشار إلى أنها تنص على أن الحقبة التي كانت فيها دولة واحدة تملي شروطها على العالم و"تحد من تنمية الآخرين" قد ولت. وتنتقد الوثيقة بشدة "العقوبات الأحادية الجانب" و"سياسة القوة" ومحاولات الحفاظ على الهيمنة من خلال إنشاء تكتلات عسكرية سياسية مغلقة. وتعلن روسيا والصين بأنه لا يوجد نموذج تنموي عالمي واحد، وتدينان محاولات فرض قيم غريبة على دول أخرى تحت ستار "الديمقراطية".

ونقل الموقع عن الممثل الخاص للرئيس الروسي بوريس تيتوف وصفه العلاقة التكافلية بين روسيا والصين بأنها تجعل كلا الطرفين "محصنين عملياً، قادرين على الصمود أمام أي تحدٍ".

 

موقع الخدمة الروسية في "الحرة" الأميركية أشار في عنوان النص الذي نشره في 20 الجاري إلى أن شي جين بينغ وبوتين "وقعا مذكرة بشأن إقامة عالم متعدد الأقطاب".

صحيفة novaia.eu الروسية المعارضة التي تصدر في البلطيق نقلت في 20 الجاري عن الوثيقة عينها قولها إن الوضع العالمي يزداد تعقيداً، كما "تتزايد النزعات الاستعمارية الجديدة السلبية مثل ممارسة النهج القسري الأحادي الجانب، والهيمنة، والمواجهة بين التكتلات. كما يتم انتهاك المعايير الأساسية المتعارف عليها للقانون الدولي والعلاقات الدولية بشكل منتظم".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث