مشروع قانون الأسرة للأقباط: النظام الملي مرة أخرى

شادي لويسالأربعاء 2026/05/20
كنيسة قبطية أقباط مصر (Getty)
توحيد قوانين الأسرة يبدو حلماً بعيد المنال (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ما تم الإعلان عنه بشأن مشروع قانون الأسرة للمصريين المسيحيين، يؤكد أن الجميع قد خرج رابحاً. والجميع هنا لا تعني الأقباط ولا عموم المصريين بالطبع، بل من شاركوا في وضع المسودة القانونية بعيداً عن أي نقاش مجتمعي. جلس ممثلو الكنائس المسيحية مع ممثلي الدولة في مفاوضات شبه سرية، وضمنت الكنيسة القبطية الأرثوذوكسية، وهي كنيسة أغلبية الأقباط، الإبقاء على مقاليد "سر الزيجة المقدس" في أيدي الكهنوت. أما الكنائس الأخرى فتلقت ضمانة بألا تبتلعها كنيسة الأكثرية واحتفظت بتنظيم الشؤون الشخصية لرعاياها بحسب قواعدها الخاصة. أما الدولة فمددت بتلك المقايضة طويلة الأمد بينها وبين الإكليروس على مواطنة الأقباط بوصفهم طائفة لا أفراداً كاملي الأهلية، بحيث تمثلهم الكنائس أمام الدولة مقابل أن تطلق يد رجال الدين في التحكم في أدق شؤونهم حيواتهم الشخصية.

 

ثمة جوانب إيجابية في القانون، وبالأخص في أبواب المواريث، لكن حتى هذه التعديلات التي تشرع المساواة بين الرجال والنساء الأقباط في حين يتعلق الأمر بالتركات، فإنها في الوقت نفسه ترسخ تمييزاً بين النساء الأقباط ومواطناتهن المسلمات اللاتي لا يتمتعن بمثل تلك المساواة. أما المعضلة الأكبر في حياة الأقباط الاجتماعية، أي علل الطلاق وتصاريح الزواج الثاني للمطلقين، فتبقى كما هي معلقة بلا حلول. بخلاف إدخال بعض الانضباط الاصطلاحي على النص التشريعي المقترح، يتشدد القانون مقارنة بسابقه في مسألة علل الطلاق. يعد القانون الساري تغيير الملة من بين علل الطلاق، وهو المظلة القانونية التي لطالما لجأ إليها الراغبون في الطلاق عبر مسارات سهلة وبلا تبعات اجتماعية فادحة، أما التشريع المقترح فيسد ذلك الباب أمام الجميع. التفريق بين الطلاق والانحلال المدني للزواج يظل بلا تبعات عملية، حيث تظل سلطة منح رخصة الزواج الثاني في يد الكنيسة، بلا آلية واضحة لمسألة تلك السلطة أمام المحاكم. وذلك ما يعيد الأقباط إلى صحراء قانونية تكون فيها الكنيسة الخصم والحكم في آن.

 

تشريعات الأسرة هي الساحة الأخيرة التي تحل فيها الدولة الحديثة محل المؤسسات الدينية. يحدث هذا عبر مسارين متوازيين يسيران في اتجاهين متعاكسين، فمن ناحية تعلمن فيها الدولة الحديثة القانون، ومن ناحية أخرى تتلبس فيها البيروقراطية العلمانية أدوار الإكليروس عندما ترث الدولة تركة الكهنوت. على هذا المنوال، سار التاريخ التشريعي المصري، فمنذ العهد العثماني بدأت عملية اعتماد القوانين الوضعية لتنظيم معظم أوجه الحياة، باستثناء الأحوال الشخصية التي ظلت حكراً على المحاكم الشرعية بالنسبة للمسلمين والمجالس الملية لغير المسلمين.

ورثت جمهورية يوليو هذا النظام الملي من عهد الملكية الدستورية. وبالرغم من إلغاء الازدواج القضائي في السنوات الأولى من عمر الجمهورية، بإلغاء المحاكم الشرعية وإخضاع الجميع للمحاكم المدنية، إلا أن تلك المساواة بقت صورية، في ظل خضوع المواطنين لقوانين مختلفة بحسب طوائفهم. أما المجالس الملية التي كانت هيئات في معظمها علمانية توازن سلطة الإكليروس وتسأل سلطاتهم، فقامت دولة يوليو بتفريغها من صلاحياتها أو وضعتها بالكامل تحت سلطة الكنيسة. وعليه، دفعت الجمهورية نحو ترسيخ النظام الملي على أكثر من مستوى، بالرغم من العمليات التجميلية من أعلى.

 

توحيد قوانين الأسرة يبدو حلماً بعيد المنال. أما عن السماح بالزواج المدني للراغبين من الأقباط، فهو حل عملي أقل إشكالية من الناحية القانونية، لكن يبقى غير قابل للتنفيذ في ظل تحبيذ الدولة والكنائس لبقاء خطوط الفصل الطائفي كما هي. ولا يقتصر الأمر على السلطات السياسية والروحية، فقطاعات واسعة من الأقباط تعارض قوانين الزواج المدني، حيث ترى في الخروج من عباءة الكنيسة تهديداً لصلابة الأسرة وانفراط جماعة الأقلية. وهكذا يعيد النظام الملي إنتاج نفسه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث