قراءة في محاكمة عاطف نجيب وأداء المحكمة

ميشال شمّاسالأربعاء 2026/05/20
محكمة محاكمة عاطف نجيب (Getty)
التحقيقات الأولية لم تُبنَ على أساس متين (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد نشر وزارة العدل تسجيلاً مصوّراً لجلسة استجواب المتهم عاطف نجيب في الجلسة الثانية من محاكمته، بات من الممكن إجراء قراءة أكثر دقة لطبيعة هذه المحاكمة، وللإطار القانوني والإجرائي الذي تسير عليه، وللثغرات التي بدأت تظهر بوضوح في طريقة بناء الملف وفي أداء المحكمة. فما جرى في الجلسة كشف عن مشكلات بنيوية في التكييف القانوني، وفي منهجية الاستجواب، وفي فهم طبيعة الجرائم الدولية، وهذا ما يطرح أسئلة جدية حول مدى التزام هذه المحاكمة بالمعايير القانونية الواجبة، وقدرتها على إنصاف الضحايا وإعادة الثقة بالقضاء.

 

الإشكال الأول في هذه المحاكمة يكمن في الأساس القانوني الذي بُني عليه قرار الاتهام الصادر عن قاضي الإحالة، الذي استند بدوره إلى التحقيقات الأولية التي أجراها قاضي التحقيق. فالتوصيفات التي اعتمدها القاضيان في بناء الملف، ولا سيما اعتبار الوقائع المنسوبة إلى المتهم "جرائم حرب"، لا تنطبق إطلاقاً على أحداث مطلع العام 2011، لأن سوريا لم تُصنَّف كنزاع مسلح غير دولي إلا في تموز 2012 وفق اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وهذا الخلل في التكييف القانوني يشكل خطأ جوهرياً يهدد سلامة المحاكمة من أساسها، لأن توصيف الجريمة هو الذي يحدد طبيعتها وأركانها والمسؤولية الجنائية المترتبة عليها والمرجعية القانونية الواجبة التطبيق. وبناءً على ذلك، فإن التوصيف الصحيح للوقائع هو أنها جرائم ضد الإنسانية، لا جرائم حرب، وأن على المحكمة إعادة توصيف الملف وفق القانون الدولي العرفي، الذي يُعد المرجعية الأساسية في غياب نص وطني يعرّف الجرائم الدولية.

 

أما الإشكال الثاني فقد ظهر في أداء رئيس المحكمة الذي ركّز في أسئلته على قضية اعتقال أطفال درعا وتعذيبهم، وهي التهمة التي شكّلت محور الاتهام الموجه إلى عاطف نجيب، واستخدم توصيف "أطفال درعا" من دون تحديد الواقعة المقصودة، بالرغم من وجود أكثر من حادثة تتعلق بالأطفال في تلك الفترة، ما أدى إلى خلط بين وقائع مختلفة كان يجب التمييز بينها بدقة. علماً أن المتهم نفى مسؤوليته المباشرة واقعة اعتقال أطفال درعا المعروفة بقلع الأظافر وأهانة ذويهم، وأشار إلى أن الاعتقال والتحقيق جرى في فرع الأمن العسكري بقيادة لؤي العلي، وليس في فرع الأمن السياسي الذي كان يرأسه. هذا النفي لا يتعارض مع ما ورد في تصريحات الشيخ الصياصنة ولا مع شهادات بعض الأطفال، وزاد المتهم بأن قال إنه عُزل من منصبه في 22 آذار 2011، وإن صحّ هذا التاريخ، فهو يصبّ في مصلحته من زاوية أنه لم يكن جزءاً من القرار الأمني والأحداث التي شهدتها درعا بعد هذا التاريخ، وهذا يعني أن التحقيقات الأولية لم تُبنَ على أساس متين، وأن قاضي التحقيق وقاضي الإحالة لم يتحققا بما يكفي من الوقائع قبل توجيه الاتهام وإحالة الملف لمحكمة الجنايات.

 

في كثير من الأحيان بدا رئيس المحكمة كأنه يسعى إلى الحصول على إجابات محددة مسبقاً تتوافق مع ما لديه من قناعات، لا إلى استجلاء الحقيقة من خلال أسئلة محايدة. وقد ظهر ذلك بوضوح عندما اتهم المتهم بتغيير أقواله والتناقض بشأن مكان وجوده أثناء مجزرة الجامع العمري، بالرغم من أن أقوال المتهم، كما وردت في التسجيل، كانت متسقة من حيث التسلسل الزمني: وجوده في فرعه، ثم انتقاله إلى فرع الحزب، ثم وصوله إلى الجامع بعد وقوع المجزرة ليلاً. قد تكون هذه الأقوال غير صحيحة، وقد تكون محاولة منه للتنصل من المسؤولية، لكنها ليست متناقضة من الناحية المنطقية، والاتهام بالتناقض في هذه الحالة يعكس إما سوء فهم من القاضي أو انحيازاً غير مبرر، وكلاهما يمسّ نزاهة المحكمة.

كما أن تكرار استخدام عبارات مثل "قبل الثورة وبعد الثورة"، للحديث عن تاريخ حدوث فعل معين، فمثل هذا لا يجري في محاكمة جنائية، بل في حديث أوندوة سياسية، إذ يفترض بالقاضي أن يحدد الزمان بدقة، لأن الساعة والدقيقة قد تحددان المسؤولية الجنائية أو تنفيها. وإضافة إلى ذلك، أظهر التسجيل ضعفاً في فهم القاضي لمفهوم مسؤولية القيادة في القانون الدولي، إذ حاول تحميل المتهم مسؤولية فروع أمنية  أخرى، استناداً إلى قرابته من رأس النظام المخلوع أو إلى انطباعات عامة، بينما تقوم مسؤولية القيادة على عناصر محددة: السلطة الفعلية، والسيطرة المباشرة، والعلم بالجرائم، والقدرة على منعها أو معاقبة مرتكبيها. تجاهل هذه العناصر الأساسية يعكس قصوراً في فهم الإطار القانوني الذي يجب أن تُدار ضمنه محاكمة تتعلق بجرائم دولية خطيرة.

 

ولم يكن رئيس المحكمة موفقاً حين نبّه المتهم مسبقاً إلى أنه سيطرح عليه "مجموعة من الأسئلة، كل مجموعة تتعلق بجزء من عمله"، فالقاضي لا يشرح للمتهم منهجية الاستجواب، بل يطرح الأسئلة مباشرة وفق تسلسل يكشف الحقيقة. أما هذا التنبيه فيمنح المتهم فرصة لتكييف إجاباته مسبقاً، ويضعف القيمة الإثباتية للاستجواب، ويكشف نقصاً في الخبرة القضائية في إدارة هذا النوع من القضايا المعقدة. وفي السياق نفسه، لم يكن ممثل النيابة العامة موفقاً في مطالعته التي جاءت أقرب إلى خطاب سياسي منها إلى مطالعة قانونية تستند إلى عناصر الجريمة وأركانها ومتطلبات الإثبات.

ولتصحيح هذه الإشكالات، لا بد أولاً من إعادة ضبط الأساس القانوني للملف. إذ يجب استبعاد توصيف "جرائم الحرب" لعدم انطباقه على وقائع تعود إلى عام 2011، حين لم يكن النزاع قد صُنّف بعد كنزاع مسلح، واعتماد توصيف "الجرائم ضد الإنسانية" الوارد أصلاً في قرار الاتهام، من دون أن يُعد ذلك تعديلاً للوصف، بل تصحيحاً لتطبيق قانوني خاطئ بين توصيفين وردا في القرار نفسه.

 

أما بالنسبة لإضافة تهمتي الإخفاء القسري والاضطهاد السياسي، غير الواردتين في قرار الاتهام، وبما أن قانون أصول المحاكمات الجزائية لا يمنح محكمة الجنايات نصاً صريحاً يجيز لها تعديل الوصف الجرمي أو إضافة توصيفات جديدة، فإن اجتهاد محكمة النقض مستقر على أن أي تعديل جوهري في التكييف أو في مواد الاتهام يوجب إعادة الملف إلى قاضي الإحالة بوصفه الجهة المختصة قانوناً بتحديد الوصف الجرمي. وقد يؤدي ذلك إلى إطالة أمد التقاضي، لكنه يبقى أقل ضرراً من الاستمرار في محاكمة قائمة على تكييف خاطئ قد يؤدي لاحقاً إلى نقض الحكم وإعادة المحاكمة.

ولهذا يصبح من الضروري، مستقبلاً، أن يتيح المشرّع للمحكمة صلاحية تعديل الوصف أو إضافة تهمة جديدة متى كانت الوقائع ثابتة في الملف، تجنباً لتعطيل العدالة أو إطالة إجراءاتها.

وثانياً، لا بد من تدخل مؤسسي يقوم على  اصدار قانون للعدالة الانتقالية يتيح إنشاء محكمة خاصة بالعدالة الانتقالية يحدد بوضوح الإطار القانوني لها، ويضع قواعد واضحة للمساءلة، ويضمن استقلالها عن السلطة التنفيذية، وتزويدها بقضاة مختصين ومؤهلين لإدارة هذا النوع من المحاكمات المعقدة، ممن يمتلكون خبرة في القانون الدولي الإنساني، والجرائم ضد الإنسانية، وأساليب التحقيق في الانتهاكات الجسيمة.

 

وإلى جانب ذلك، لا بد من إدخال تعديلات جوهرية على قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية تسمح بدمج الجرائم المنصوص عليها في نظام روما الأساسي ضمن التشريع الوطني، بحيث تصبح قابلة للتطبيق أمام القضاء السوري دون الحاجة إلى اجتهادات أو تكييفات غير دقيقة.

لا عدالة بلا حقيقة، ولا حقيقة بلا إطار قانوني سليم. وما لم يُصحَّح هذا المسار، ستبقى المحاكمة خطوة ناقصة لا ترقى إلى مستوى تضحيات السوريين.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث