في تسجيل فيديو منشور قبل يومين يظهر عاطف نجيب في قفص المحكمة، حيث يستجوبه القاضي في القضية الأشهر التي يراها كثر بمثابة الشرارة التي أشعلت الثورة السورية؛ قضية أطفال درعا. فالشائع أن عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في درعا آنذاك، اعتقل الأطفال واقتلع أظافرهم، وعندما ذهب الأهالي للمطالبة بأبنائهم قال لهم: لقد ماتوا، هاتوا لي نساءكم لأجعلهن يحملن بدلاً منهم.
يظهر عاطف نجيب هادئاً واثقاً بينما يؤكد في أقواله على أنَّ الأطفال اعتُقلوا في فرع "الأمن العسكري"، وعلى أنه استقبل في مكتبه الشيخ "المعروف بوقوفه مع الثورة" أحمد الصياصنة الذي توسط لديه من أجل إطلاق سراحهم، فاتصل برئيس فرع الأمن العسكري، وأسمعه جواب الأخير الذي قال إنه حوّل الأطفال إلى "فرع فلسطين" في دمشق. وفي تسجيل سابق له يؤكّد الصياصنة إفادة عاطف نجيب الذي قال له إنه ما كان ليقبل بإبقاء الأولاد معتقلين، وكان سيأتي بآبائهم ويأخذ منهم تعهّداً بعدم تكرار فعلتهم ويطلق سراحهم. ثم يؤكد الشيخ الصياصنة بتسجيل لاحق على إفادة نجيب في المحكمة أن العبارة الشهيرة المنسوبة إلى الثاني هي في الواقع لسهيل رمضان رئيس فرع الأمن العسكري الذي طلب من الأهالي نسيان أولادهم المعتقلين لديه وإنجاب غيرهم، أو الإتيان بنسائهم كي يحملوا من عناصره.
الرواية الشائعة تنص على أن "الأطفال" كتبوا على حائط مدرستهم مع انطلاق الربيع العربي: أجاك الدور يا دكتور. وعلى أن عاطف نجيب اعتقلهم، والأهم هنا أنه ابن خالة بشار الأسد، والأخير رفض محاسبته قائلاً ما معناه إنه لا يريد أن "تزعل" خالته.
مَن كان قريباً من أوساط الثورة حينها يعرف أن تلك الرواية ساهمت بشكل كبير في تأجيج النقمة على الأسد، ووفرت على النشطاء جهود استمالة شرائح أوسع إلى التظاهرات والاعتصامات التي كانت في بداياتها، واقتصرت إلى حد كبير على المثقفين. في تلك الأيام أُنشئت صفحة ساخرة على فيسبوك، باسم عاطف نجيب باعتباره صاحب الفضل على الثورة، لأنه تسبب بها.
على نحو مباشر، كان نموذجياً اجتماعُ تعذيب الأطفال مع المسّ بالشرف (بصورته المرتبطة بأجساد النساء)، مع كون المتهم قريباً من الأسد. لذا انتشرت هذه الرواية بسرعة شديدة بين السوريين، وخارج سوريا، لما فيها من عناصر تكفل انتشارها أكثر من روايات القمع الأسدي المعروفة، التي لا تُحصى. ولمناسبة المحاكمة الحالية فقط، انتشر على نطاق واسع تفنيد ما نُقِل عن لسان عاطف نجيب فيما يخص النساء، وتوضيح أعمار الأولاد الذين كانوا في سن المراهقة، وهذا بالتأكيد لا يخفّف من هول التعذيب الذي تعرّضوا له في "فرع فلسطين" حسب أقوال عاطف نجيب والشيخ أحمد الصياصنة.
السؤال الذي قد يتبادر إلى الأذهان: لماذا إذن لم يُحاكِم بشار الأسد قريبه، بما أنه بريء من الاتهامات؟ وبما أن رواية الثورة فيها شيء من التلفيق ومن المبالغة؟
من معرفتنا بسلوك الأسد، يمكن الجزم بأن محاكمة أحد رجالاته، بسبب ارتكابات وانتهاكات، أمرٌ مرفوض من حيث المبدأ، إذ لم يحدث من قبل (أيام الأب والابن) أن قُدِّم مسؤول للمحاكمة. بل حدث العكس، أن تم ترفيع مسؤولين إلى مناصب أعلى، بعدما اشتُهروا بالوحشية والدموية. وفي شباط وآذار 2011 كان الأسد يتحسّب من وصول موجة الربيع العربي إلى سوريا، ويريد من رجالاته أقصى درجات القمع والوحشية، لذا لم يكن إطلاقاً في وارد محاكمة أحد منهم فيفهمها الباقون تغييراً في نهجه. والسؤال المنطقي المقابل: لو حاكم بشار الأسد ابن خالته، كما كان مطلوباً ظاهرياً، فهل سيقتنع السوريون آنذاك بأن عاطف نجيب ليس مذنباً في هذه الجريمة وعلى هذا النحو تحديداً، فيتخلّون عن الثورة، مع معرفتنا جميعاً أن مَن يشغل منصبه يكون عادةً على أتمّ الاستعداد لارتكاب الفظائع، إن لم يكن قد عُيِّن فيه على خلفية ارتكابه لها؟
لا نستبعد في سياق الإجابة على السؤال الأخير أن يكون الجهاز المخابراتي للأسد قد أُصيب بالصدمة حقاً جراء الثورة السلمية التي اندلعت، والتي تختلف عما ألِفه من عمل سياسي سري استطاع قمعه خلال العقود الفائتة. والمثال الآخر الفاقع جداً على التعامل المخابراتي غير المفهوم هو مثال القاشوش؛ "المغنّي" الذي أشيع أن المخابرات قتلتْه، ورمت جثته في نهر العاصي بعد انتزاع حنجرته انتقاماً من أغانيه في المظاهرات العارمة التي شهدتها مدينة حماة.
فيما بعد ظهر شخص ليعترف بأنه كان مشاركاً في الغناء، وبأنه لا وجود لشخص اسمه القاشوش. نؤكّد هنا على أن القاشوش لم يكن اسماً مستعاراً لمغنٍّ، فالظاهرة التي وراء الاسم مكوّنة من أكثر من شخص. إلا أن ظهور مَن يعترف بذلك لم يلقَ صدى لدى أغلبية الذين كانوا مقتنعين بمقتل القاشوش بموجب الرواية المذكورة. أما في حماة نفسها فالرواية الأخرى، التي كانت متداولة بين النشطاء، فمفادها أن القتيل هو "عوايني" (مُخبِر)، وأن جماعة الثورة هم الذين قتلوه واخترعوا القصة على النحو الدرامي الشهير. والمستغرب منطقياً أن نظام الأسد لم يفنّد حينها قصة القاشوش، مستعيناً بالجثة التي هي دليل مادي، والمستغرب (منطقياً أيضاً) أن الكشف عن حقيقة عدم وجود القاشوش لم يدفع جماعة الثورة للسؤال عمّن يكون صاحب الجثة التي استُغلِت لترويج الحكاية!
ثمة الكثير من القصص غير الصحيحة، وقليلة الأهمية بالمقارنة مع مثالَيْ درعا والقاشوش. هناك مثلاً أخبار عن استشهاد إعلاميين، تبيّن لاحقاً أنهم أحياء وأن نشر الخبر كان للتغطية على هروبهم من سوريا. هناك أخبار مماثلة عن قتل المخابرات أشخاصاً من الكادر الطبي، على خلفية تقديمهم العلاج للمتظاهرين المستَهدفين برصاص المخابرات، قبل استشهاد أشخاص من الكادر الطبي فعلاً. وهناك الكثير من صفحات التضامن التي اُنشئت على فيسبوك من أجل معتقلين، بينما كانوا متوارين، وكانت التبرير هو أن الإعلان عن اعتقالهم يجعل الأجهزة تكفّ بحثها عنهم مصدِّقةً الإعلان لكثرة الأجهزة وعدم التنسيق بينها.
نستطيع أن نسرد الكثير الكثير من الأكاذيب أو المبالغات مما يدل على استسهالها، بما في ذلك استسهال ذكر أرقام للمقتلة السورية، وكأن التضخيم الزائد مطلوب للدلالة على وحشية الأسد. وأول درس تقدّمه محاكمة عاطف نجيب هو وجوب التمييز بين إلقاء الكلام جُزافاً، أو بقصد التحشيد أو التحريض على السوشيال ميديا، وبين تقديم الوقائع المثبتة حقاً أمام المحاكم. والتمييز المطلوب من عموم السوريين مطلوبٌ أولاً من الجهات التي يُفترض أن تكون بعيدة عن المؤثّرات الإعلامية لصالح الكشف عن الحقيقة.
إن محاكمة عاطف نجيب بناء على رواية ناجعة إعلامياً هي مثال على الخلط بين الاستعراض ومقتضيات المحاكمة، والجانب الأول ظهر جلياً بحضور "المؤثّرين" الذين كان همّهم التقاط الصور إلى جانب المتهم! فالكفّة في هذه المحاكمة راجحة لجهة شخص المتهم، وما يمثّله في المخيال العام، بينما في الواقع هناك آلاف الجرائم والمجازر التي يمكن إثباتها على أشخاص ليس لهم وزن و"جاذبية" عاطف نجيب ضمن القصص التي صارت مؤسِّسة لقصة الثورة ككل.
والحقّ أن البحث عن أسباب مباشرة للثورة، والتركيز عليها، فيه استسهال وسطحية على حساب فهْم الدوافع العميقة والمركّبة لاندلاع الثورة، وربما إلى حد ما حتمية اندلاعها. وهو ما يُستحسن فهمه من أصحاب المبالغات والفبركات، وأيضاً من الذين يجدونها اليوم فرصة للانقضاض على أحقية الثورة ككل، أو على أحقيّتها بالمطلق. لكن الأهم أن التشبّث بالمبالغات والفبركات، على حساب الوقائع الثابتة، لن يبقى من سمات عهدٍ انقضى، بل هو تشجيعٌ مستمر على صناعة الرواية والصورة التي يُراد ترويجها، بصرف النظر عن الواقع، أو رغماً عنه. بهذا المعنى، تكون الحقيقة مطلباً لا لمعرفة ما حدث فقط، وإنما أيضاً لمنع تكراره، وليس المقصود فقط الجرائم وحدها، بل يكون مطلب الحقيقة من أجل منع تكرار تزييفها من السلطة أولاً، أو الحاجة إلى تزييفها من قبَل معارضيها مجدداً، ولا حاجة في السياق لاسترجاع الأكاذيب التي حاول بها الأسد إغراق الثورة.
من المرجّح أن تكون محاكمة عاطف نجيب مستحقة بتهم مختلفة عن قضية أولاد درعا، أما اختيار هذه القضية كاستهلال لمحاكمته فلا ينمّ عن معرفة بوقائع الثورة نفسها، وعن القدرة على التمييز بين الوقائع و"الأساطير". وإذا كان الاختيار صنيعة مَن لا يعرفون تلك الوقائع، ولم يكونوا ضمن الثورة حقاً، فهو يكشف أيضاً عن أنهم لا يريدون معرفة الثورة. لذا يكسب عاطف نجيب الجولة الأولى من المحاكمة، بالرغم من أنه خسر في الجولة الأولى للثورة.




