حرب إيران بعد قمة بكين

بسام مقدادالثلاثاء 2026/05/19
الرئيس الصيني تشي جيبينغ الرئيس الأميركي دونالد ترامب (Getty)
"لا نريد أن يمتلك الإيرانيون أسلحة نووية" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كالصخر يطبق نظام الملالي على الأنفاس في المنطقة والعالم. انتظر النظام والعالم قمة بكين بين ترامب وشي جينغ بين، لكن الانتظار بعدها بدا أثقل وطأة. ولم ينشغل العالم قبل انعقادها بأكثر مما ينشغل الآن في تلمس ما انتهت إليه بشأن الحرب على إيران وحربها على الجميع تقريباً.

ومع تحفظ الكثيرين على الجموح الإسرائيلي وارتباك القرار الأميركي بشأن استئناف عمليات القصف لمواقع النظام "بقوة أشد"، لا يخفي الجميع رغبته، ليس في استئناف الحرب فقط، بل وفي رؤية الشعب الإيراني الضحية يعود للانتفاض ضده وإسقاطه إن تيسر. 

 

قد يكون من التبسيط المقارنة بين الثمن الباهظ الذي يدفعه الشعب الإيراني مقابل قبض نظام الملالي على مصيره، وبين الثمن المثيل الذي دفعته ولا تزال دول الجوار التي تمدد إليها احتلال نظام الملالي، وجعل مؤسساتها هياكل فارغة إلا من رموز تشير إلى استمرار وجودها في جغرافيا المنطقة. وكان الإيرانيون وكل هذه الشعوب تنتظر أن يعود ترامب من بكين وفي يده مستند ملموس على التوافقات العامة مع الزعيم الصيني: لا لإيران النووية، لا لهيمنة الملالي على مضيق هرمز، احتمال المقايضة بين ملف االحرب الإيرانية وملف تايوان.

يبدو أن ملف أذرع الملالي في المنطقة لم يحظ بكبير اهتمام من الجانب الصيني. وحسب ما كُشف عن مجريات الزيارة، كان ترامب أعجز من أن يفرض التطرق إلى ملف يثير حساسية الملالي تجاه بكين. فقد حرص الصينيون على ألا تتجاوز التوافقات مع الأميركيين البديهيات العامة التي يتقبلها الملالي من روسيا والصين. وكان من غير المتوقع أن ينتظر الملالي أكثر من ذلك من الصينيين، وسارعوا إلى تكليف رئيس برلمانهم محمد قاليباف بتولي ملف العلاقات مع الصين. وفي ظل التهديدات الأميركية باستئناف الحرب التي عاد بها ترامب من بكين، استغل الملالي هذا "القليل" الصيني في توجههم لكسب الوقت وإبعاد الحرب ما أمكن عنهم. وتقدموا من  الأميركيين بمجموعة اقتراحات لاستئناف المفاوضات، يتغير عددها ومضمونها مع كل ساعة تمر، لكنها لا تبارح الموقف المتصلب. ويبدو أنهم على قناعة بأن اقتراحاتهم لن تلعب دوراً يذكر في تعزيز ميل ترامب للحل السياسي عبر المفاوضات، والذي ينتهي إلى ما يمكن أن ينتهي إليه قرار استئناف الحرب عليهم. 

 

بديهي أن الصينيين لم يشعروا بأي إحراج حيال نظام الملالي على "القليل" الذي وفروه لهم من اللقاء، سيما أن وزير الخارجية الإيراني سبق أن أعلن في نهاية زيارته للصين في الأسبوع السابق على زيارة ترامب بالقول "نحن نثق بالصين". ورد عليه وزير الخارجية الصيني باعتبار الحرب الأميركية الإسرائيلية على الملالي "ليست قانونية". واعتبر أن المنطقة تعيش منعطفاً وجودياً، والتنسيق بين طهران وبكين "قد يلعب دوراً حاسماً"، حسب موقع الأعمال الروسي mondiara.com في 13 الجاري. 

ومع ذلك، وفي حال افتراض اللامعقول وشعر الصينيين بشبهة "إحراج"، بوسعهم محو "الشبهة" بالإستناد إلى مقاربة ترامب "المسطحة " لكافة ملفات القمة، ومن بينها ملف الحرب الإيرانية. "تسطح" مقاربة ترامب لم يكشفه فقط الفارق بين مقاربتي الزعيميين للعلاقات بين البلدين، التي أثبتت القمة أنهما يقفان متساويان على قمة العالم، وهي النتيجة الأهم والأبرز للقاء. فقد أتى الرئيس الصيني إلى القمة بما تختزنه الإمبراطورية السماوية من تراث ثقافي فلسفي يمتد لأكثر من خمسة آلاف سنة، بينما أتى ترامب "بما هو عليه" وما استطاع استيعابه من تراث حضاري أميركي يمتد لمئتين وخمسين سنة، يحتفلون بها في مطلع تموز/يوليو المقبل. 

 

ما إن بدأ ترامب من على متن طائرة العودة إلى واشنطن تهديداته باستئناف الحرب على الملالي، حتى سارع هؤلاء، متسلحين بـ"القليل" الصيني، إلى قصف محطة توليد الكهرباء النووية في الإمارات، وكادوا يلحقون الضرر بالمفاعل النووي للمحطة. ولم يكتفوا بذلك، بل طال قصفهم بلداناً خليجية أخرى، وأتبعوا صواريخهم بالإعلان أن لا عداوات تكنها إيران لدول المنطقة. كان يمكن الإنزلاق إلى نقاش هذا اللامنطق، لكن نظام الملالي تحصن منذ زمن بعيد ضد أي منطق وحوار، إلا للمناورة وكسب الوقت. وهو يثبت مرة أخرى في الطريق إلى نهايته المشتهى قربها من الإيرانيين والجميع تقريباً، أنه نظام يرسخ موقعه خارج القانون والأعراف الدولية التي نشأ على تقويضها. 

نُشرت ولا تزال نصوص كثيرة حول قمة بكين وأثرها على العلاقات الأميركية الصينية وعلى الحرب الإيرانية. 

مركز Carnegie موسكو الذي يصدر في برلين بعد انطلاق الغزو الروسي لأوكرانيا، نشر في 16 الجاري نصاً تحدث فيه عن العلاقات الصينية الأميركية بعد زيارة ترامب. 

من جملة ما جاء في النص الإشارة إلى أن ترامب حمل معه من الصين انطباعاً بأن الزعيم الصيني ينظر إلى القضية الإيرانية بنظرة واشنطن نفسها. فالصين أيضاً لا ترغب في حصول طهران على أسلحة نووية، وتدعو إلى فتح مضيق هرمز سريعاً. وليس في هذا جديد، لكن يبقى غير واضح ما إذا كانت بكين مستعدة لبذل أي جهد لإقناع الحكومة الإيرانية بتقديم تنازلات، حتى بالنسبة للرئيس الأميركي نفسه على ما يبدو.

أشار الموقع إلى دعوة الزعيم الصيني الرئيس ترامب إلى زيارة المجمع الذي يقيم فيه أعضاء المكتب السياسي الصيني ويعملون. وأثناء التجول في الحدائق، أطلع الرئيس الصيني الرئيس الأميركي على شجرة يبلغ عمرها 400 عام؛ أي أقدم من الولايات المتحدة نفسها. لكن، وحسب الفيديوهات التي نشرها الجانب الصيني، بدا ترامب أكثر اهتماماً بعدد القادة الآخرين الذين دعاهم شي جين بينغ إلى هذه الحديقة. فأجاب شي: "قليلون جداً. نحن ندعو قادةً نادرين هنا. على سبيل المثال، بوتين".

 

وكان موقع الأعمال الروسي المذكور mondiara.com قد أشار إلى أن الرئيس الصيني سبق أن وجه الدعوة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لزيارة الصين يومي 19 و20 من الجاري. وقد تم اختيار توقيت زيارة بوتين ليتزامن مع الذكرى السنوية الخامسة والعشرين لتوقيع معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون، والتي تعتبر أساسية للعلاقات بين الدول.

موقع الخدمة الروسية في دويتشه فيله الألماني DW نشر في 15 الجاري نصاً تحدث فيه عن نتائج قمة بكين، وتساءل ما إن كانت إيران ستستبدل بتايوان. 

أشار الموقع إلى تصريح ترامب خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع الزعيم الصيني، حيث قال: "نريد إنهاء هذا الوضع. لا نريد أن يمتلك الإيرانيون أسلحة نووية. نريد أن تبقى المضائق مفتوحة". وقال الموقع بأن كلمات ترامب جاءت لتؤكد تصريحاته السابقة حول عرض شي جين بينغ المزعوم بشأن مساعدة واشنطن في التوصل إلى اتفاق مع طهران وإنهاء حصار مضيق هرمز.

مقابل ذلك، أكد الموقع أن الزعيم الصيني لم يأت على ذكر إيران في حديثه مع الصحافيين. بل استغل الفرصة للتحذير من احتمال نشوب صراع بين الصين والولايات المتحدة في حال عدم تعاون البلدين. وفي هذا الصدد، ركز على النزاعات المتعلقة بتايوان، الجزيرة ذات الحكم الذاتي التي تعتبرها بكين مقاطعة تابعة لها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث