حين يعود الدين إلى قلب اليمين المتطرف الإسباني

سلام الكواكبيالاثنين 2026/05/18
حزب فوكس الإسباني (Getty)
يتبنى حزب فوكس سياسات صارمة تجاه الهجرة غير النظامية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

شهدت إسبانيا خلال السنوات الأخيرة تحوّلًا سياسيًا لافتًا تمثّل في صعود حزب Vox اليميني المتطرف، الذي كسر ما كان يُعرف بـ"الاستثناء الإيبيري"، حيث ظلت كل من إسبانيا والبرتغال لفترة طويلة خارج موجة صعود اليمين المتطرف في أوروبا. هذا التحول لم يكن مجرد حدث انتخابي عابر، بل شكّل إعادة تشكيل للخريطة السياسية، وأدخل قضايا جديدة إلى النقاش العام، من أبرزها توظيف الدين، خصوصاً المسيحية الكاثوليكية، في الخطاب السياسي.

 

ظهر حزب فوكس بقوة لأول مرة في انتخابات إقليم الأندلس عام 2018، حيث تمكن من دخول البرلمان الإقليمي، وهو حدث غير مسبوق منذ نهاية المرحلة الانتقالية الديمقراطية في سبعينيات القرن العشرين. ومنذ ذلك الحين، واصل الحزب تحقيق حضور متزايد، سواء عبر نتائجه الانتخابية أو من خلال دوره كشريك داعم لحكومات يمينية يقودها الحزب الشعبي. ورغم أنه لم يتمكن من الوصول إلى السلطة على المستوى الوطني، إلا أنه أصبح فاعلًا مؤثرًا في توجيه السياسات والنقاشات العامة.

ما يميز خطاب فوكس هو اعتماده الواضح على المرجعية الدينية، ليس بوصفها عقيدة روحية فحسب، بل كأداة سياسية ورمزية. فالكاثوليكية تُقدَّم في خطابه باعتبارها جوهر الهوية الوطنية الإسبانية، بل وأحد أعمدة "الحضارة الأوروبية". هذا التصور لا ينفصل عن تاريخ إسبانيا، حيث لعب الدين دورًا محوريًا في تشكيل الدولة والمجتمع، خصوصاً خلال فترة "الاسترداد" (Reconquista) التي تُستحضر في خطاب الحزب كرمز للصراع بين "نحن" و"الآخر".

 

في هذا السياق، يستخدم فوكس الدين لتحديد هوية جماعية متخيَّلة تقوم على الانتماء المسيحي، في مقابل تصوير الإسلام والمهاجرين القادمين من دول ذات أغلبية مسلمة كتهديد ثقافي وحضاري. هذه الثنائية لا تقتصر على البعد الرمزي، بل تنعكس في مواقف الحزب من قضايا الهجرة والسياسة الخارجية، حيث يدعو إلى سياسات صارمة تجاه الهجرة غير النظامية، ويميز بين المهاجرين بناءً على خلفياتهم الثقافية والدينية، مفضلًا أولئك القادمين من أمريكا اللاتينية لاعتبارات لغوية ودينية.

لكن توظيف الدين في خطاب فوكس لا يقتصر على مسألة الهوية، بل يمتد إلى ما يُعرف بـ"السياسات الأخلاقية"، مثل قضايا الإجهاض وحقوق المثليين. في هذا المجال، يستلهم الحزب مواقفه من القيم الكاثوليكية المحافظة، لكنه يعيد صياغتها بلغة تبدو علمانية، مثل الدفاع عن "الأسرة" و"الحس السليم" و"التقاليد". هذا الأسلوب يسمح له بتوسيع قاعدة دعمه، عبر تقديم مواقف ذات جذور دينية في قالب سياسي قابل للتداول في فضاء عام علماني.

 

تاريخيًا، يرتبط نشوء فوكس بانشقاق داخل الحزب الشعبي، حيث شعر بعض أعضائه، خصوصاً المرتبطين بالحركات الكاثوليكية المحافظة، بأن الحزب تخلى عن الدفاع الصارم عن القيم التقليدية، خصوصًا بعد عدم تراجعه عن قوانين مثل زواج المثليين أو تشريعات الإجهاض التي أُقرت خلال حكم جوزيه زاباتيرو (2004 ـ 2011).ولذا، يمكن فهم فوكس كامتداد سياسي لحركات اجتماعية محافظة كانت قد نشطت سابقًا ضد هذه الإصلاحات.

ومن اللافت أن الحزب لا يدعو إلى إعادة هيمنة الدين بشكل مباشر على الدولة، بل يكتفي بالدفاع عن الامتيازات القائمة للكنيسة الكاثوليكية، مثل التمويل العام والتعليم الديني، مع الإبقاء على الاتفاقيات القائمة مع الفاتيكان. هذا يعكس طبيعة المجتمع الإسباني المعاصر، الذي يشهد تراجعًا في الممارسة الدينية، لكنه يحتفظ بالدين كجزء من الذاكرة الثقافية أو الهوية الرمزية.

 

على المستوى الأوروبي، يتقاطع خطاب فوكس مع أحزاب يمينية متطرفة أخرى، خصوصاً في تأكيده على "الجذور المسيحية" لأوروبا ومعارضته لانضمام دول ذات أغلبية مسلمة إلى الاتحاد الأوروبي. كما يدافع عن "الأقليات المسيحية" في العالم، في إطار خطاب يربط بين الدين والسياسة الدولية، ويعكس رؤية حضارية للصراع العالمي.

وفي هذا الإطار، ينسجم فوكس مع قطاعات واسعة من اليمين المتطرف الأوروبي في دعمه الواضح لليمين الإسرائيلي المتطرف، إذ يرى فيه حليفًا أيديولوجيًا في قضايا الهوية القومية والتشدد الأمني ومواجهة الهجرة والإسلام السياسي. ويعكس هذا التقارب تحوّلًا ملحوظًا لدى العديد من الحركات القومية الأوروبية التي باتت تنظر إلى إسرائيل اليمينية بوصفها نموذجًا لـ"الدولة القومية الحصينة" المدافعة عن الحدود والهوية الثقافية. غير أن هذا التوجه يصطدم بالموقف الرسمي للحكومة الاشتراكية الإسبانية الحالية، التي تبنت خلال السنوات الأخيرة خطابًا شديد الانتقاد للسياسات الإسرائيلية، خصوصاً في ما يتعلق بالحرب على غزة والاستيطان، كما سعت إلى إظهار قدر من الاستقلالية عن التوجهات الأميركية التقليدية في الشرق الأوسط، الأمر الذي خلق توترات دبلوماسية مع كل من تل أبيب وواشنطن، وأبرز الانقسام الداخلي الإسباني بشأن قضايا السياسة الدولية والهوية السياسية المعاصرة.

 

مع ذلك، يظل توظيف الدين لدى فوكس ذا طابع براغماتي، إذ لا يعتمد على تعبئة دينية مباشرة، بل على استخدام الرموز والمعاني الثقافية المرتبطة بالدين. وهذا ما يفسر المفارقة بين الخطاب الديني للحزب ومستوى التدين الفعلي لدى ناخبيه، الذين لا يختلفون كثيرًا عن بقية المجتمع الإسباني من حيث الممارسة الدينية.

في المحصلة، يمكن القول إن حزب فوكس يعيد توظيف الدين في السياسة بطريقة تعكس تحولات أعمق في المجتمعات الأوروبية. فالدين لم يعد مجرد إطار عقائدي، بل أصبح موردًا رمزيًا يُستخدم لتعريف الهوية، ورسم الحدود بين "نحن" و"الآخر"، وتبرير مواقف سياسية في قضايا حساسة. هذا الاستخدام يعكس أيضًا أزمة في الديمقراطية التمثيلية، حيث تبحث بعض القوى السياسية عن مصادر بديلة للشرعية، تجدها في استدعاء التاريخ والثقافة والدين.

إن صعود فوكس لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الأوروبي الأوسع، حيث تتزايد قوة الحركات الشعبوية والقومية. لكنه في الوقت ذاته يحمل خصوصية إسبانية، ترتبط بتاريخ البلاد وعلاقتها المعقدة بالدين. ومن هنا، فإن دراسة هذا الحزب تقدم نافذة لفهم كيفية تكيّف اليمين المتطرف مع السياقات الوطنية، واستخدامه لموارد ثقافية ودينية لإعادة تشكيل الخطاب السياسي في زمن تتداخل فيه الهويات وتتصاعد فيه التوترات.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث