دخل لبنان جولة المفاوضات الثالثة مع إسرائيل تحت السقف الأميركي، وعلى رقبته سكينان: إسرئيلي يعيث قتلاً وتدميراً في جغرافيته، وإيراني يعيث تهشيماً وتمزيقاً في داخله السياسي والإجتماعي. وقد عكست رسالة شكوى الخارجية اللبنانية إلى مجلس الأمن الدولي ضد الإيرانيين والإسرائيليين التوجه العام لغالبية اللبنانيين في المساواة بين عدوانيتهما ومدى خطورة الطرفين على لبنان ودولته وشعبه. وتستر فصيل الحرس الثوري في لبنان، حزب الله، بالطائفة الشيعية اللبنانية وادعائه الدفاع عن لبنان بإسمها ضد الإسرائيليين، لا يجعل الإيرانيين أقل عدائية من الإسرائيليين بقناعة اللبنانيين.
يتصرف الإسرائيلي حيال لبنان على أن أرضه محتلة من قبل عدوه الإيراني بواسطة فصائله من شيعة المنطقة اللبنانيين وسواهم، ويعتبر أن كل أرض لبنانية يحتلها هو ويدمر بناءها ويهجر سكانها، إنما ينتزعها من الإيراني ويطرد حاضنة فصائله منها. والمعادلة التي يعتمدها في التفاوض مع لبنان: نفاوض كأن لا وجود للحرب، ونحارب كأن لا وجود للمفاوضات. تريد القول إن المفاوضات الجدية مع لبنان لن تكون إلا بعد رحيل الإيراني. كما تريد القول أيضاً إن إسرائيل، وبضغط أميركي، تخلت عن أخذ لبنان بجريرة حزب الله وتدمير بنيته التحتية وإعادته إلى العصر الحجري، إذا لم يتخلص من سلاح حزب الله. وهذا الاعتراف بالمعضلة اللبنانية مع سلاح إيران واحتلالها، جعل إسرائيل، وليس من دون الضغط الأميركي أيضاً، تعد في اليوم الأول من انطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات باقتراح خطة متعددة المراحل لإنتزاع سلاح حزب الله.
في المقابل يتصرف الإيراني في لبنان على أنه لم يحتل الأرض، بل اكتسبها بمقاومة فصائله للإسرائيلي، ويرفض أن تشاركه الدولة اللبنانية حق تقرير مصيرها، وليس فقط عبر المفاوضات مع إسرائيل. وفي سبيل مواصلة الاحتفاظ "بالإحتلال عبر المقاومة"، يعلن بشتى السبل أن لبنان ككل مع شعبه وما أبقى له هو من دولته، لا يعني له أكثر من موطئ قدم للدفاع عن نظام الملالي.
في ظل هذا الاستشراس الإسرائيلي الإيراني المتبادل الذي تجلى على الأرض اللبنانية بسكينين تلغان قتلاً وتدميراً بجسد لبنان، من المدهش أن اللبنانيين، دولة وشعباً، ما زالوا يقيمون على وهم وجود متسع من الوقت للتردد في التصرف بما تمليه عليهم ضرورة تحرير وطنهم من الإحتلالين. ذهبوا إلى المفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي، وعينهم على رد فعل الاحتلال الإيراني. يهددون بتأجيل الجولة الثالثة بعد إذاعة نعيم قاسم كلمة عشية انطلاقها، قرر خلالها أن سلاح "المقاومة" ليس جزءاً من المفاوضات، وأن لا علاقة به لأحد خارج لبنان. قائد أحد الاحتلالين يملي على الدولة اللبنانية جدول مفاوضاتها مع الاحتلال الآخر، ولبنان يهدد بتأجيل المفاوضات لتفادي شرور الأول.
ومن المدهش أكثر أن وسائل التواصل الاجتماعي اللبنانية منهمكة في الرد على كل كلمة تصدر عن المتحدثين بإسم الاحتلال الإيراني، مهما بلغت من إسفاف وخواء معنى. صحيح أن الإسفاف هنا هو رصاص حي يطلق على صدور اللبنانييين ودولتهم وسيادتهم، لكن الرد عليه، ومهما بدا مبرراً للوهلة الأولى، ينطوي على إعتراف بلبنانية الاحتلال الإيراني ولبنانية المحتلين. ومقارنة هؤلاء المحتلين بأزلام حكومة فيشي "الفرنسية"، تستبطن مغالطة فاقعة. ومع أن الخيانة لا تبرير لها، لكن أزلام حكومة فيشي كان النعل النازي على رقابهم، بينما أزلام الاحتلال الإيراني تطوعوا بأنفسهم وبملء إرادتهم لاحتلال لبنان لصالح نظام الملالي، بل وجعله نسخة مطابقة لجمهورية الملالي.
لا يستقيم الانحدار إلى مستوى تعداد المطلوب من اللبنانيين شعباً ودولة والسكينان على رقبة بلدهم، إذ سيبدو ذلك استخفافاً بعمق الكارثة التي نحن بها. الكل يعرف أن المطلوب هو كل ما من شأنه التخفيف من وقع الكارثة وليس وقفها الآن، لعدم توفر إمكانية ذلك لدى لبنان الذي جوّفه الاحتلال الإيراني تقريباً من أي إمكانية للتحرر منه. والوحدة الوطنية، العمود الفقري للتحرر من الاحتلال، يعمل حزب الله على تمزيقها وتهديدنا بضربها من الداخل، إذ يعتبر نفسه أحد مكوناتها التي تستطيع تفجيرها. ودعنا من نقاش مدى إمكانيته على ذلك ومن التحقق من صحة التقارير التي تتحدث عن خطط أعدها الحزب لمحاصرة السراي الحكومية واحتلالها، فالحصار سبق أن تحقق بعد حربه العسكرية التي شنها العام 2006 على إسرائيل للإطباق نهائياً على لبنان ودولته. وتحقق له ذلك وحتى من دون احتلال مباشر لمقر الحكومة اللبنانية. ودعنا أيضاً من النقاش حول مدى استيعاب حزب الله لما أصابه من ضعف بفعل التطورات الزلزالية التي عصفت بالمنطقة إثر حروب "إسناده"، فالمتبقي لديه من سلاح وعقيدة موت والتزام بولاية الفقيه الإيراني، يتجاوز قدرة اللبنانيين على مجابهة عدمية الموت هذه، إن لم يحسموا أمرهم ويسقطون صفة الإنتماء للبنان عن محتلي لبنان الإيرانيين.
أوهام؟
حزب الله يستخدم كل ترسانته الدينية وأدواتها الإعلامية والسياسية العلنية لتحويل الواقع الذي رمانا في مستنقعه، ليس إلى أوهام فقط، بل إلى مجموعة استعصاءات يكاد يستحيل تجاوزها. يستجلب الاحتلال الإسرائيلي إلى أرضنا، ويخوننا لعدم محاربته على طريقته هو "المقاومة" بل بالمفاوضات في ظل الأميركي. يبني أنفاقه وترساناته تحت بيوتنا، ويخون حزننا عليها، يتسبب يمقتل مدنيينا، ويأخذ علينا بكاءهم ونعيهم بغير "الشهيد السعيد"، يلومنا على كل بصيص فرح في زمن "مقاومته" لرديفه الاحتلال الإسرائيلي ... يعيب علينا الموت على غير عقيدته...
اتفاق إطاري
بعض هوامش عن ما كتبه الإعلام الناطق بالروسسية عن الجولة الثالثة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية المباشرة وتحت سقف البيت الابيض.
وكالة الأنباء اليبلوروسية belta نشرت في 13 الجاري نصاً عنونته بالقول "يدرس لبنان تأجيل المفاوضات مع إسرائيل في واشنطن بسبب انتهاكات وقف إطلاق النار". وإذ لم تحدد الوكالة الطرف الذي ينتهك وقف إطلاق النار، نقلت عن وكالة تاس قولها أن سيمون كرم أبلغ الأميركيين بذلك.
وكالة الأنباء الإسرائيلية الناطقة بالروسية أيضاً cursor قالت في 14 الجاري إن إسرائيل، وخلال الجولة الثالثة من المفاوضات في واشنطن قدمت للبنان مشروع اتفاق إطاري يقترح نزع سلاح حزب الله على مراحل. ونقلت عن السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة تصريحه لموقع Walla الإسرائيلي أن الاجتماع سيستند في أساسه إلى اتفاق إطاري يهدف إلى القضاء تدريجياً على القدرات العسكرية لحزب الله، ومن ثم تعزيز العلاقات السياسية بين البلدين.
موقع oxu الأذري نقل عن الموقع الصحافي المستقل Al-Monitor في 12 الجاري قوله أن "إسرائيل تريد إضعاف حزب الله قبل التوصل إلى تسوية بشأن إيران". ونقل Al-Monitor عن أحد مصادره الإسرائيلية قوله بأنه "نظراً لعدم اطلاعنا على آخر المستجدات، لا نعلم كم من الوقت لدينا قبل أن يطلب البيت الأبيض من إسرائيل إرساء وقف إطلاق نار طويل الأمد في لبنان. ولذلك، تحاول إسرائيل الآن ممارسة أقصى قدر من الضغط على حزب الله وإضعافه للتوصل إلى اتفاق أكثر ملاءمة مع الحكومة اللبنانية". وتخشى إسرائيل من أن يؤدي اتفاق محتمل بين الولايات المتحدة وإيران إلى تخفيض قدرة الدولة اليهودية على الضغط على حزب الله بشكل كبير.




