لبنان الذي توقّعه مهدي عامل وشرحه كمال الصليبي

سالي عليالجمعة 2026/05/15
البيال وسط بيروت نازحون خيم نازحين (Getty)
هل ما زال هناك اتفاق فعلي على معنى لبنان نفسه (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في بيروت اليوم، لا يبدو الانهيار حدثاً طارئاً بل يبدو كأنّ البلد وصل أخيراً إلى اللحظة التي كان يؤجلها منذ عقود. الجنوب يتحول إلى مساحة تفاوض أمني مفتوح، الحدود مع سوريا تُعاد صياغتها تحت عنوان "الضبط"، المصارف هياكل فارغة، والخطاب السياسي اللبناني يتحدث فجأة عن "الدولة" كأنها اكتشاف جديد. كل شيء يوحي بأنّ لبنان لا يعيش أزمة حكومة أو مرحلة انتقالية عابرة، بل يعيش أزمة معنى. أزمة الدور الذي قام عليه منذ تأسيسه.

 

وأنا أراقب المشهد الحالي، لا أستطيع إلاّ أن أفكر باثنين من أكثر اللبنانيين قدرة على تشريح هذا البلد: مهدي عامل وكمال الصليبي. ليس لأنهما تنبآ بما يحدث حرفياً، بل لأن قراءة أفكارهما اليوم تبدو مخيفة، كأنّهما  كانا يكتبان عن لبنان 2026 لا عن لبنان الحرب الأهلية وما بعدها. كمال الصليبي قال مرة إن لبنان "بيت بمنازل كثيرة". عبارة تحولت إلى وصف كامل للكيان اللبناني. لم يكن يرى لبنان دولة متماسكة بقدر ما كان يراه تسوية دائمة بين جماعات تحمل روايات مختلفة عن نفسها وعن تاريخها وعن معنى البلد نفسه. أما مهدي عامل، فذهب لما أبعد. لم ينظر إلى الطائفية كأزمة ثقافية أو تخلف اجتماعي، بل كنظام مصالح متكامل، كطريقة حكم، وكآلية لتنظيم علاقة لبنان بالخارج.

برأيي، ما نراه اليوم هو لحظة انهيار التوازن الذي جمع بين الفكرتين معاً. "المنازل الكثيرة" لم تعد قادرة على التعايش كما في السابق، و"الوظيفة" التي أعطت النظام اللبناني قدرة على الاستمرار فقدت معناها الإقليمي. لبنان عاش طويلاً لأنه كان مطلوباً من الخارج بشكل ما. مرة كمصرف للمنطقة، مرة كمنصة نفوذ سوري، مرة كساحة اشتباك إيراني إسرائيلي، مرة كواجهة اقتصادية خليجية، ومرة كوسيط بين الجميع. حتى الحروب كانت جزءاً من وظيفة لبنان. البلد لم يكن مستقراً، لكنه كان مفيداً.

 

اليوم تغيّر كل شيء. سوريا نفسها، الخارجة من حرب طويلة وتحولات قاسية، بدأت تتحدث بلغة الحدود والدولة والمؤسسات. هذا وحدهُ كافٍ لفهم حجم التحول. لسنوات طويلة كانت الحدود السورية اللبنانية مساحة رمادية مقصودة، اقتصاداً قائماً بذاته، معابر نفوذ أكثر منها خطوطاً بين دولتين. الآن، فجأة، يتحدث الجميع عن ضبطِ الحدود والتهريب والتنسيق الأمني كأنهم يستيقظون من زمن آخر.

لكن المفارقة التي أراها بوضوح أن سوريا تبدو أحياناً أكثر اقتناعاً بفكرة الدولة من لبنان نفسه. في لبنان، ما زال جزء كبير من الطبقة السياسية يتصرف بعقل الثمانينيات، بينما المنطقة كلها تغيّرت. الإيراني يفاوض، الخليج عاد لكن بشروطٍ مختلفة، الأميركي يريد هدوءاً أمنياً لا أكثر، وإسرائيل تدفع باتجاه جنوب منزوع التهديد. حتى حزب الله نفسه لم يعد يتحرك ضمنَ فائض القوة الذي امتلكه قبل سنوات. هناك تبدل واضح في اللغة، في الأولويات، وفي سقف الحركة. ومع ذلك، يتصرف النظام اللبناني كأن بإمكانه النجاة بالأدوات القديمة نفسها؛ الطائفية، التسويات المؤقتة، تأجيل الانفجار، واستثمار الانقسام. و هنا تحديداً يعود مهدي عامل بقوة. الرجل كان يرى أن الأزمة ليست حادثاً داخل النظام اللبناني، بل جزء من تركيبته نفسها. أي أنّ الطائفية ليست عطلاً في الدولة، بل هي الطريقة التي اشتغلت بها الدولة أساساً. لهذا يبدو الحديث الحالي عن بناء دولة مضحكاً أحياناً، لأنّ الدولة اللبنانية لم تُترك أصلاً لتتشكل بشكل طبيعي. كانت دائماً محكومة بتوازنات الطوائف والخارج والاقتصاد الريعي وشبكات النفوذ.

 

الانهيار المالي كشف ذلك بعنف. حين سقطت المصارف، لم يسقط قطاع اقتصادي فقط، بل سقط النموذج الذي عاش عليه لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية. اقتصاد الخدمات، الوساطة، الرساميل الخليجية، الدولارات السياسية، والعيش فوق حجم البلد الحقيقي. فجأة اكتشف اللبنانيون أن جمهوريتهم كانت قائمة على فكرة مؤقتة أكثر مما كانت قائمة على بنية فعلية. لذا الحديث عن الإصلاح في لبنان يبقى سطحياً إذا لم يبدأ بسؤال أكثر قسوة: هل ما زال هناك اتفاق فعلي على معنى لبنان نفسه؟

لا أعتقد حقيقةً أنّ المشكلة اليوم فقط في نزع سلاح حزب الله، بالرغم من مركزية هذا الملف. المشكلة الأعمق أنّ كل جماعة لبنانية ما زالت تنظر إلى البلد من زاوية مختلفة تماماً. هناك من يرى لبنان جزءاً من صراع إقليمي كبير، وهناك من يراه مشروع حياد، وهناك من يراه مساحة اقتصادية مرتبطة بالخليج، وهناك من يراه مجرد مكان للنجاة الفردية والهجرة. كأن اللبنانيين يعيشون فوق الأرض نفسها لكن داخل أزمنة سياسية مختلفة.

وهذا بالضبط ما قصده كمال الصليبي حين تحدث عن "البيت ذي المنازل الكثيرة". المشكلة أن هذا البيت كان يحتاج دائماً إلى "مدير خارجي" يضبط توازناته: سوريا سابقاً، التسويات الإقليمية، المال الخليجي، أو حتى الخوف من الحرب. الآن، كل هذه العناصر تتغير دفعة واحدة.

 

للمرة الأولى ربما منذ تأسيس لبنان الكبير، يبدو البلد كأنه متروك أمام نفسه. وهذا أخطر ما في المرحلة الحالية، لأن اللبنانيين اعتادوا انتظار الحل من الخارج أكثر من إنتاجه داخلياً. حتى اليوم، لا يوجد نقاش حقيقي حول شكل الدولة المقبلة. كل ما يجري هو محاولة إدارة الانهيار بأقل خسائر ممكنة بانتظار التسوية الإقليمية التالية. الجميع ينتظر شيئاً: اتفاقاً إيرانياً- أميركياً، ضغطاً سعودياً، تسوية جنوبية، دعماً دولياً، أو إعادة إعمار محتملة. كأن لبنان فقد القدرة على تخيل نفسه خارج دور "الساحة".

أحياناً أشعر أن الدولة اللبنانية اليوم تشبه مبنى قديماً تُرمم واجهته بينما أساساته تتآكل ببطء تحت الأرض. هناك لغة رسمية جديدة عن السيادة والدولة والإصلاح، لكن تحت هذه اللغة ما زالت البنية القديمة نفسها حاضرة: الزعامات، الطوائف، الاقتصاد الموازي، والخوف المتبادل بين الجماعات. لهذا لا أرى أن لبنان يتجه نحو انفجار شامل قريب، كما يحب البعض أن يتخيل، لكنه أيضاً لا يتجه نحو استقرار فعلي. نحنُ أمام مرحلة طويلة من إعادة تعريف البلد نفسه. مرحلة سيحاول فيها الجميع اكتشاف شكل لبنان الممكن بعد سقوط النموذج القديم. والسؤال الحقيقي ليس من سيربح سياسياً، ولا من سيهزم من؟ السؤال: هل يستطيع لبنان أن يتحول أخيراً إلى دولة طبيعية بعدما أمضى قرناً كاملاً يعيش كوظيفة إقليمية؟

لا أعرف إن كان ذلك ممكناً فعلاً. لكنني أعرف أنّ مهدي عامل وكمال الصليبي، لو كانا يراقبان بيروت اليوم، لما فوجئا كثيراً. ربما كانا سيعتبران أن ما يحدث الآن ليس انهياراً استثنائياً، بل اللحظة التي قرر فيها التاريخ اللبناني أخيراً أن يكشف كل تناقضاته دفعة واحدة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث