يزور الرئيس الأميركي دونالد ترامب الصين، بين 13 و15 من شهر أيار الحالي، بدعوة من الرئيس الصيني شي جين بينغ. وهي الزيارة الأولى لرئيس أميركي منذ حوالى عقد من الزمن، حين زار ترامب الصين في العام 2017.
في قراءة الزيارات الرئاسية الأميركية إلى الصين، لا ينبغي أن يكون الحدث بحدّ ذاته هو نقطة التحليل، بل السياق البنيوي الذي يستدعيه ويمنحه المعنى. فمنذ زيارة ريتشارد نيكسون في العام 1972، شكّلت الزيارات الرئاسية الأميركية إلى الصين مؤشراً متقدّماً على تحوّل أعمق في بنية النظام الدولي، وعلى مراجعة أميركية لموقعها داخله. غير أن الزيارة بحد ذاتها لم تكن سبباً للتحوّل في النظام العالمي، بل هي تعبير عن حصوله، أو محاولة متأخّرة لإدارته.
المفارقة أن كل زيارة رئاسية أميركية للصين جاءت متلازمة مع تحوّل في ميزان القوى الدولي. واقعياً، لا تحصل الزيارات إلا عندما يتغيّر موقع الصين في ميزان القوة العالمي، أو عندما يتآكل التفوق الأميركي بالقدر الذي يفرض إعادة تعريف العلاقة، أو حين يظهر خطر استراتيجي لا يمكن احتواؤه من دون تفاهم مباشر على أعلى مستوى.
زيارة نيكسون 1972
حصلت زيارة نيكسون الشهيرة خلال عالم ثنائي القطبية، وفي خضم ذروة المواجهة الأميركية مع الاتحاد السوفياتي. في تلك اللحظة، كانت الصين تريد الخروج من العزلة وتبحث عن دور دولي، فيما كانت واشنطن تواجه تحوّلاً في ميزان الردع لمصلحة موسكو. ولذا، لم تكن زيارة نيكسون انفتاحاً بالمعنى الليبرالي الشائع، بل عملية نقل للصين من خانة "العدو الإيديولوجي" إلى خانة "الموازن الاستراتيجي" ضد الاتحاد السوفياتي.
واقعياً، شكّلت الزيارة وما تلاها من تطورات عالمية وفي مجلس الأمن، إعادة هندسة للصراع العالمي، وبدّلت توزيع خطوط التماس داخل النظام الدولي نفسه.
زيارة بيل كلينتون 1998
حصلت زيارة الرئيس بيل كلينتون في لحظة مختلفة في الشكل، ولكن مشابهة في الوظيفة لزيارة نيكسون. كانت الولايات المتحدة في ذروة الأحادية القطبية، بينما تحوّلت الصين إلى "مصنع العالم" في ظل العولمة الليبرالية.
بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، حصلت الزيارة ضمن الاعتقاد الأميركي بأن الاندماج الاقتصادي سيقود، عاجلاً أم آجلاً، إلى تحوّل سياسي صيني يتماشى مع النظام الليبرالي القائم. وبالفعل رسخت الزيارة إدماج الصين في النظام الاقتصادي الجديد، ولاحقاً في منظمة التجارة العالمية. غير أن هذا الإدماج ساهم تدريجياً في وضع الأسس المادية والهيكلية لصعود منافس طويل الأمد.
زيارة باراك أوباما 2016
لاحقاً، أتت زيارة الرئيس باراك أوباما لتشكّل محطة ختامية لمسار مختلف. في تلك اللحظة، كان وهم "الصين الشريك" قد بدأ بالانهيار، مع صعود الصين البحري والتكنولوجي، واتساع الفجوة في الرؤى حول النظام الدولي. كانت الزيارة آخر محاولة لضبط الانتقال من منطق "التعاون" إلى منطق "إدارة التنافس"، قبل التحوّل إلى صدام أكثر صراحة.
فترات الانقطاع
إلى جانب الزيارات الرئاسية، تكتسب فترات الانقطاع الطويلة بين الزيارات دلالة مهمة أيضاً.
الانقطاع الأول حصل بين عامي 1972 و1975 وجاء في سياق محاولة استيعاب عالم جديد لم تتضح معالمه بعد. لم تكن الولايات المتحدة قد حسمت طبيعة الدور الصيني بالنسبة لها: هل هو شريك، أم ورقة ظرفية، أم تهديد مؤجل.
الانقطاع الثاني كان طويلاً نسبياً، امتد من عام 2017 إلى 2026، واتخذ طابعاً أكثر خطورة وحصلت بعض الإجراءات الاستفزازية ضد الصين. في تلك المرحلة، أصبحت الصين قوة عسكرية وتكنولوجية ومالية كبرى، فيما فقدت الولايات المتحدة القدرة على الاحتواء، وعلى القطيعة، وعلى الحسم في آن واحد.
وبالرغم من لقاءات جو بايدن مع نظيره الصيني شي جين بينغ خارج الصين، لكن هذا الانقطاع عكس انهيار الصيغة القديمة للعلاقة، وعدم تبلور صيغة بديلة بعد للعلاقة بين البلدين.
زيارة دونالد ترامب 2026
تأتي زيارة دونالد ترامب المرتقبة إلى الصين في توقيت حرج، وهي مرحلة لم يعد فيها ميزان القوة العالمي في طور التشكل، بل في طور الترسّخ النسبي.
التوقيت هنا يتقاطع مع عدة عناصر ضاغطة على القرار الأميركي:
- إخفاق إدارة ترامب في تحقيق أهدافها القصوى في ملفات إقليمية كبرى، وعلى رأسها حرب إيران.
- تحوّل الصين من منافس اقتصادي إلى منافس نظامي يقدم بدائل مؤسسية وسياسية وأمنية.
- تراجع القدرة الأميركية على فرض قواعد اللعبة منفردة، في ظل انتشار وتوزّع مراكز القوة.
من هنا، يمكن مقارنة زيارة ترامب المرتقبة بزيارتي نيكسون وأوباما من حيث التوقيت لا المضمون. كما في الحالتين السابقتين، تأتي الزيارة في لحظة إدراك أميركي بأن أدوات القوة التقليدية لم تعد كافية، وأن العلاقة مع الصين لا يمكن إدارتها من موقع الإملاء. مع العلم أن المضمون يختلف جذرياً بين زيارة ترامب والزيارتين السابقتين: زيارة نيكسون فتحت باباً، بينما حاول أوباما فرملة الصراع الذي بدا شبه حتمي حينها، إذ إن النظام الذي بُني ليستوعب الصين، بدأ يتغيّر بسببها.
وعليه، زيارة ترامب المرتقبة هي محاولة ضبط الفوضى لا حلّ التنافس، والسعي إلى منع تحوّل الصراع إلى صدام مباشر. هذه الزيارة لا تؤسس لنظام جديد، بقدر ما تعكس اعترافاً أميركياً بأن النظام الذي قادته واشنطن لعقود لم يعد قابلاً للإدارة بالأدوات نفسها.




