عملية "التراجع الملحمي"

يوليا يوزيكالجمعة 2026/05/08
Image-1778146554
لم تستسلم إيران ولم تتراجع عن مواقفها (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يبدو أنَّ عملية "الغضب الملحمي" قد فشلت في مياه هرمز في الشهر الثالث من انطلاقها. سببان رئيسيان وراء ذلك:

الأول، على الرغم من شهر ونصف الشهر من التفجيرات والاغتيالات غير المسبوقة التي استهدفت القادة العسكريين والسياسيين، لم تستسلم إيران ولم تتراجع عن مواقفها ومطالبها.

الثاني، الصين. ثمة العديد من القضايا المثيرة للجدل فيما يتعلق بالصين: ما إذا كانت بكين قد دعمت طهران بالفعل، وما إذا كانت تعتمد بالفعل على النفط الإيراني، وما إذا كان لها ذلك المستوى من التأثير على القيادة الإيرانية الذي يُنسب إليها عادةً.

الأحداث الأخيرة في شهر أيار/ مايو تُظهر أن الصين على وزن في هذه الحرب ونفوذ. 

 

في التفاصيل، قبل انطلاق المفاوضات في إسلام آباد، توجه قائد الجيش الباكستاني (الرجل الأول في باكستان حاليًا) إلى بكين لمناقشة القضية الإيرانية. ومباشرةً بعد انتهاء الجولة، غادر مجدداً فريق من المفاوضين من إسلام آباد إلى بكين. وبالتزامن تقريباً مع وصول ثلاث طائرات نقل عسكرية من طراز Boeing C-17A Globemaster III التابعة لسلاح الجو الأميركي إلى بكين استعداداً للزيارة الرسمية التي سيقوم بها ترامب إلى الصين، وصل أيضاً وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. أي أن الممثل الرسمي الرئيسي لإيران على الساحة الدولية وصل إلى هناك قبل أسبوع من زيارة ترامب. وفي الوقت عينه، أعرب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو علنًا عن أمله في أن تتمكن بكين من عقلنة إيران وإقناعها بتوقيع اتفاق مع الولايات المتحدة، والتأثير على حل الأزمة.وهذا اعتراف علني بأن ترامب قد فشل في القيام بذلك، والكلمة الأخيرة تبقى للإمبراطور الشيوعي الصيني شي جين بينغ، الذي تدعوه واشنطن نفسها ليصبح الحكم الأعلى في هذا النزاع العسكري.

سنرى قريباً ما إن كانت بكين تتمتع بهذا النفوذ على طهران. من جهة أخرى، ربما لا ترغب بكين نفسها في إنهاء هذه الحرب، وتفضل أن يستمر ترامب في هجماته المحمومة والعاجزة، لكي تتلاشى فرصه السياسية بشكل نهائي بحلول انتخابات الكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر.

 

في الوقت الراهن، لا نرى سوى صراع معلق مؤقتاً.

وهذا ما يقوله الرسميون الأميركيون قبل أسبوع بالضبط من الزيارة المتوقعة (كان قد تم تحديد 14-15 أيار/ مايو): أعلن ترامب اليوم تعليق مهمة "مشروع الحرية" لمساعدة السفن التي تحاول عبور مضيق هرمز، والتي لم تستمر سوى بضعة أيام. رسميًا، جاء ذلك بناءً على طلب باكستان. ويساعد عاصم منير ترامب في حفظ ماء وجهه؛

قبل ذلك بيوم، أكد روبيو تغريدة ترامب التي جاء فيها أن "عملية الغضب الملحمي قد انتهت وأن الرئيس قد أبلغ الكونغرس بذلك"؛

وكان ترامب قد صرح بأن اليورانيوم الذي طالبوا به سابقاً "كان في الحقيقة غباراً لم يعد يشكل خطراً، وسيكون من الصعب جداً عليهم (الإيرانيين) استخراجه من الأنقاض التي خلفتها عمليات القصف المدمرة التي قمنا بها".

 

نقلت أكسيوس Axiosعن مصادر أميركية قولها، إن إيران والولايات المتحدة قد توقعان قريباً مذكرة تفاهم لإنهاء النزاع. وقدّمت إيران مسودة وثيقة من 14 بنداً، وتتوقع رداً خلال 48 ساعة. وتنص المذكرة على إعلان نهاية النزاع وبدء مفاوضات لمدة 30 يوماً، ستُعقد في إسلام آباد أو جنيف. ومن بين البنود المطروحة للنقاش: البرنامج النووي الإيراني، ورفع العقوبات الأميركية، وفتح مضيق هرمز، وتجميد تخصيب اليورانيوم لمدة 12 عاماً على الأقل، وتعزيز الرقابة الدولية (في إشارة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي اتهمت طهران رئيسها، رافائيل غروسي، مراراً وتكراراً بأنه عميل للموساد)، والإفراج التدريجي عن الأصول الإيرانية المجمدة.

عظيم، لكن ما هي التنازلات التي يرغب كلا الجانبين في تقديمها فعلاً؟ خصوصاً مع الأخذ في الاعتبار أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يتابع المفاوضات بشكل شبه يومي.

هل يُعقل أن يسمح المتشددون الإيرانيون لمفتشين أجانب، بمن فيهم غروسي الذي يكرهونه بشدة، بتفتيش المنشآت النووية الإيرانية؟ لا أستطيع تخيل ذلك إلا في حالة واحدة: إذا كان الفرس، حتى برتبة جنرال في الحرس الثوري، مستعدين لأداء مسرحياتهم الفارسية البارعة بالسماح للمفتشين بالبحث في أنقاض القصف الأميركي، حيث لم يُعثر على شيء منذ زمن، مقدمين ذلك على أنه "تسوية". لكن هذا -على أبعد تقدير- ممكن فقط إذا نسي ترامب أمر الـ 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب. وترامب في الواقع قطع شوطًا كبيرًا نحو ذلك، واصفًا ذلك اليورانيوم بـِ "غبار لا قيمة له".

 

لن تفتح إيران مضيق هرمز إلا بموجب قانون جديد بشأن تحصيل رسوم العبور و"ضمان تدابير أمن الملاحة"، وهذا ما يعني سيطرة الحرس الثوري الإيراني على المضيق. أتَساءل كيف سيُقدّم ترامب هذا للعالم؟ هل سيُصوّره على أنه إدراك مفاجئ منه واعتراف بأن هرمز مياه إقليمية لإيران وعُمان؟

ليس من المستبعد أن تكون رغبة ترامب في الخروج من الفخ الإيراني كبيرة، لدرجة أنه على استعداد للإقدام ليس على هذا فقط. لكن لا يمكن أيضاً استبعاد محاولة ترامب تجميد الصراع خلال جولته التاريخية في الصين. ومن الواضح أن ترامب يريد الذهاب إلى بكين وهو يملك أوراقه في يده، سواءً من الناحية الجغرافية أو من ناحية أوراق اللعب. حتى مجرد عملية إعداد اتفاقية سلام أفضل من لا شيء.

أعتقد أن نتيجة الحرب تعتمد إلى حد كبير على نجاح هذه الزيارة بالنسبة لترامب. فإذا لم تكن ناجحة، فلا يمكن استبعاد العودة إلى الأعمال الحربية. ولطالما كانت إسرائيل متحفزة لذلك منذ  زمن بعيد، وهي مستعدة لقصف وتدمير البنية التحتية الإيرانية بقوة متجددة، إذا ما أعطى ترامب الضوء الأخضر. لكن يبقى سؤال كبير ما إن كانت سماء إيران مغطاة بأنظمة دفاع جوي جديدة، وما إن كانت الصين أو روسيا قد نشرت هذه الأنظمة خلال فترة وقف إطلاق النار بكمية ونوعية كافيتين لحماية إيران؟ 

 

لكن، وإذا ما نظرنا إلى حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة والصين، فسنجد أنه ارتفع  في آذار/ مارس من هذا العام  بنسبة 18.8% ليصل إلى 31.96 مليار دولار. إضافة  إلى أن هذه الديناميكيات ترضي ترامب، إذ زادت واردات السلع من الصين بنسبة 10% فقط وبلغت 20.86 مليار دولار. وارتفع حجم صادرات الولايات المتحدة إلى الصين بنسبة 39.7% في آذار/ مارس ليصل إلى 11.1 مليار دولار. ورغم أن قيمة الصادرات الأميركية إلى الصين أقل مرتين من حيث القيمة المالية، إلا أنها بدأت بالنمو كنسبة مئوية.

تدرك إيران تماماً تردد ترامب في الانخراط في بحر من إراقة الدماء قبل زيارته للصين ورغبته في التحول بسرعة إلى ما هو أكثر سهولة وأقرب للحصول عليه، على سبيل المثال، مسقط رأس ماركو روبيو: كوبا، وأميركا اللاتينية بشكل عام.

لكن، وكما من قبل، لا ينبغي لنا مع ذلك الاستهانة بدور إسرائيل الصغيرة في هذه اللعبة الكبرى. فنتنياهو على المحك في الانتخابات البرلمانية، وضعف موقفه وعدم حسمه بشأن الملف الإيراني يهددان مستقبله السياسي. وسيبذل قصارى جهده لإقناع ترامب بـِ "إتمام المهمة".

لذا فإن التراجع الملحمي يستبطن العديد من السيناريوهات المستقبلية، بدءًا من الاتفاق الملحمي، الذي يجمّد الصراع كاعتراف ضمني بانتصار إيران، وصولاً إلى جولة جديدة من الحرب وتفاقم الأزمة الاقتصادية العالمية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث