بدأت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران شهرها الثالث، وهي في مرحلة هدنة مجهولة النهاية. وتراجع ميدان عملياتها القتالية من الجو والبر إلى البحر، ويتركز الآن في مضيق هرمز وحصار الموانئ الإيرانية. ومع تبدل الميدان واقتصاره المؤقت (؟) على البحر، تحول العالم من شبه متفرج إلى مشارك محتمل في الحرب، بعد أن أصبح جزء وازن من مصادر الطاقة محاصراً في عنق زجاجة هرمز.
الهدنة المفتوحة التي أعلنها ترامب تطبق على أنفاس العالم أجمع وهو ينتظر مآل المفاوضات الأميركية الإيرانية التي تشكل الهدنة جزءاً منها. فقد أعلنها ترامب لمنح نظام الملالي فرصة لحسم موقفه من العودة إلى المفاوضات بموقف قابل للبحث بمسألتي النووي ومضيق هرمز.
نظام الملالي الذي أصبح نظام الحرس الثوري في مرحلته الراهنة، يعتبر هدنة ترامب تحايلاً على نظام وقف إطلاق النار، طالما أن ترامب نفسه يعتبر أنها لا تحول دون استمرار حصار الموانئ الإيرانية. ويرد النظام على ذلك عبر مواصلة فصيله اللبناني، حزب الله، إطلاق الصواريخ على إسرائيل، وكذلك عبر مواصلة القصف على إقليم كردستان في العراق.
لم يعد بوسع العالم أن ينتظر جلاء التعقيدات بين واشنطن وطهران، والتي ليس من الواضح كم ستطول، وقرر أن يبادر إلى ما يضمن حرية الملاحة في هرمز. فالتحالف الذي تبذل أوروبا جهودها لتشكيله ويضم عشرات الدول حتى الآن، يعلن بوضوح أن العالم ليس مستعداً لأن يكون رهينة مصاعب ترامب في حربه مع نظام الملالي- الحرس الثوري.
لكن بعض المنطقة، مثل لبنان، الذي استبشر خيراً بقرب نهاية نظام الملالي عبر حرب ترامب نتنياهو عليه، أو عبر الشيطان (لا فرق)، يحبس أنفاسه الآن وهو يتابع مرحلة الجمود الحالية. فأشد ما يخشاه هذا "البعض"، هو أن ينتهي الجمود المسيطر بخروج نظام الحرس الثوري "منتصراً" مع أذرعه المزروعة في أنحاء المنطقة. فالعراق يخشى على بصيص الأمل الذي لاح مع تكليف علي الزيدي (على الأقل ليس نوري المالكي) لتشكيل الحكومة الجديدة، ولبنان يخشى على بصيص الأمل الذي لاح مع المفاوضات مع الوحش الإسرائيلي بإشراف سيده ترامب للحد من توحشه المتمادي.
وإذا كان العراق بمنأى نسبي عن الوحش الإسرائيلي، ويعاني "فقط" من نظام الملالي وأذرعه المتحكمة به، فلبنان يجد نفسه عالقاً بين هذا الوحش وبين حزب الله الذي هزمه الوحش، ويرتد بأذيال هزيمته إلى اللبنانيين ودولتهم التي يجهدون لانتزاعها من قبضته الخانقة.
إنزلاق الأمور من يد ترامب وتعثر حربه ومفاوضاته مع نظام الحرس الثوري، يرتد وبالاً على المنطقة التي تخشى أن تتحمل معه وزر نزقه وقصر نظر مخططاته. وتتكاثر الآن النصوص التي تشير عبرها المؤسسات والخبراء إلى الأخطاء التي ارتكبها ترامب، سواء بتسرعه أو لغياب المقاربة الإستراتيجية في حربه على نظام الملالي. ويحاول هؤلاء تعيين الدروس التي على إدارة ترامب والقيادات العسكرية الأميركية استخلاصها من الحرب الراهنة.
موقع المجموعة الإعلامية الروسية الكبيرة RBC نقل في 25 المنصرم نصاً نشرته نيويورك تايمز للمدير السابق لوكالة المخابرات الأميركية CIA ويليام بيرنز. عدّد الكاتب في نصه ثلاثة دروس من الحرب مع إيران، قد تساعد الرئيس دونالد ترامب في "إنقاذ مصالح أميركا".
الدرس الأول، ويعتبره بيرنز استنتاجاً يستخلصه من تعجل ترامب الدائم وقلة صبره، ويقول بأن الحل الناجع لمشاكل السياسية الخارجية الصعبة يتطلب الوقت والصبر. وهذا الدرس لا يتعلق بالاستسلام للقدر أو تجنب القرارات الصعبة. بل يتعلق بما يمكن تحقيقه بتكلفة مقبولة، من دون التأثير على الأولويات الأخرى، سواء الخارجية أو الداخلية. فقد يبدو قطع رأس قيادة نظام ما بمثابة طريق مختصر ومغرٍ. لكن، وكما اكتشفت هذه الإدارة بسرعة، أنه في إيران قد يكون ذلك مجرد وهم. وقال إن الكمال نادر في مجال الدبلوماسية، "خصوصاً في ظل نظام متشدد ومتأصل أيديولوجياً".
الدرس الثاني، يقول إنه في الدبلوماسية لا يمكن تحقيق تقدم كبير من دون الدعم العسكري والاقتصادي. لكن القوة وحدها -من دون دبلوماسية صبورة ودقيقة مدعومة بمعلومات استخباراتية عالية الجودة يأخذها السياسيون على محمل الجد- نادراً ما تنجح.
الدرس الثالث من دروس الصراع، وهو الأهم بحسب بيرنز، يقول إن "جز العشب" -أي استخدام القوة الغاشمة لمواجهة التهديدات المباشرة من دون خطة طويلة للنجاح- "لا يؤدي إلا إلى زرع مشاكل أوسع نطاقًا في الحديقة".
موقع نوفوستي المولج بترجمة نصوص الإعلام الأجنبي INOSMI، نقل في 30 المنصرم عن مطبوعة معهد كوينسي الأميركي Responsible Statecraft نصاً بعنوان " بددت إيران كل الأوهام المتعلقة بالتفوق العسكري الأميركي على الصين".
استهلت كاتبة النص الباحثة جينيفر كافانا (Jennifer Kavanagh) مقالتها بالإشارة إلى أن موضوع مخزون الصواريخ الأميركية يشغل الجميع في واشنطن هذه الأيام. وهذا الموضوع الذي كان ذا أهمية في السابق، بات الآن يتصدر الصفحات الأولى للصحف الكبرى، ويُناقش يومياً في البرامج التلفزيونية والإذاعية. وسبب هذا الإنشغال ترده الباحثة إلى أن استنزاف الحرب الإيرانية مستودعات الصواريخ الأميركية وأنظمة الدفاع الجوي، يطرح سؤالاً ملحاً: هل الجيش الأميركي قادر على مواصلة الدفاع عن المصالح الوطنية، خصوصاً على المدى القريب؟
وتقول إنه رغم تحقيق الجيش الأميركي بعض النجاحات التكتيكية في إيران، إلا أن الصراع ونتائجه قد قوّضا بشكلٍ كبير المبادئ الأساسية للاستراتيجية العسكرية الأميركية. وقد كشفت الأحداث على جبهة الشرق الأوسط عن شكوكٍ حول جدوى خطط واشنطن الاحتياطية، لا سيما فيما يتعلق باحتمالية نشوب حرب في آسيا. وفي المستقبل القريب، سيتعين على أميركا إعادة تقييم أولوياتها بناءً على واقع الحروب الحديثة وعجزها العسكري المتزايد.
تشير الباحثة إلى أن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة الآن ضد إيران هي ذات طبيعة هجومية، بينما الحرب المحتملة في آسيا (مع الصين بشأن تايوان) ستكون حرباً ذات طبيعة دفاعية. وتسترسل الباحثة المتخصصة بشؤون الدفاع في الحديث عن الفروقات بين الحربين، وعن المشكلات التي تعترض الإستراتيجية الدفاعية الأميركية في الحالتين.
تقول الباحثة إنه لعلّ أهمّ درسٍ مستفاد من حرب إيران هو التشكيك في جدوى ومبررات وجود القواعد العسكرية الأميركية المتقدمة في حال نشوب صراعٍ كبير. فمنذ الهجوم على طهران في 28 شباط/فبراير، تحوّلت جميع القواعد الأميركية في المنطقة من مصدر قوة إلى عبء وهدف سهل.
ومن النتائج الأخرى للحملة العسكرية الحالية التي ينبغي أن تُثير قلق قادة البنتاغون، قدرة الجيش الإيراني على تحديد مواقع رادارات الدفاع الجوي الأميركية وتدميرها. ويُعدّ هذا نجاحًا واضحًا لطهران، إذ يُعرّض القواعد الأميركية للخطر.
ومن الدروس الأخرى التي تستخلصها قيادة البنتاغون من الحرب على إيران، تقول الباحثة إن هذه الحرب قد أعادت تسليط الضوء على خطط واشنطن للانتقال إلى الأنظمة المسيّرة عن بعد. كان الهدف من إدخال هذه الأنظمة ضرب السفن الصينية والأهداف العسكرية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وقد برزت هذه الاستراتيجية كرد فعل على قدرات بكين في منع الوصول إلى المجال الجوي وإغلاقه. وفي ظل مثل هذا التطور للأحداث، يمكن تقييد أي عمل عسكري بالقرب من البر الرئيسي، كما أظهر بوضوح الوضع في مضيق هرمز.




