تغيير النظام في إيران كان هدف الحرب الرئيسي لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل. وكان واضحاً للجميع أن ما يسمى خطر صنع سلاح نووي، ليس سوى ذريعة أمام الراي العام للهجوم، تماماً مثل أنبوب اختبار كولن باول ذاك بين يدي الأمين العام للأمم المتحدة في العام 2003. وللمزيد من الصدقية، قال من على المنبر وهو يهز ذلك الأنبوب بمحتواه غير المعروف: "لدينا أدلة قاطعة على أن صدام حسين صنع أسلحة دمار شامل".
خطابات نتنياهو المحفوظة منذ عشرين عاماً على الأقل، كانت تحمل المضمون نفسه تقريباً، وتنتهي طوال هذه المدة بالعبارة ذاتها: "في غضون أسبوع أو أسبوعين، ستطور إيران أسلحة نووية وتدمر إسرائيل". يا له من ثبات!
كان لدى جميع أعضاء التحالف المناهض لإيران، الذي تمكنت إسرائيل وترامب من تشكيله، الأهداف عينها. وكانت إيران ووكلاؤها يمارسون منذ سنوات الترهيب ضد الدول المجاورة. لذلك، وعلى أمل الحصول على فرصة تاريخية -كما قدمها إنتنياهو، مشيراً بإصبعه إلى ترامب- تقرر تغيير النظام في إيران واستخدام كل الوسائل لتحقيق هذا الهدف. وما التصفيات الدموية اللامتناهية والقصف الدموي وتدمير البنية التحتية المدنية وليس العسكرية فقط، سوى البرهان على ذلك.
وفي نيسان/أبريل، أعلن ترامب للعالم أجمع، وبكل ثقة، أن النظام في إيران قد جرى تغييره.
تغيير النظام Regim change، هي العبارة الثابتة التي يتلاعب بها ترامب كما لاعب خفة اليد، ويسوقها لدى أي ذكر لإيران. "لقد غيرنا النظام"، "القادة الإيرانيون الجدد أكثر جاذبية من سابقيهم"، "لدينا الآن قادة يمكننا التفاوض معهم"، وهكذا.
لكن في الوقت عينه، وأمس بالذات صرح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، بأنه لا توجد أيّة احتمالات لتغيير النظام في إيران، وأن السلطة في أيدي القوى المحافظة والعسكرية، وأن الوضع يبدو مستقراً.
أي منهما على صواب؟ الإثنان.
أولاً، لقد تغير النظام بالفعل. حتى 28 شباط/فبراير 2026، كانت دولة دينية، حيث كان كبير الفقهاء وعلماء الدين (الولي الفقيه) هو الملك فعلياً، والحَكَم الأعلى بين مختلف مكونات السلطة الإيرانية. فقد كان يحرص على التوازن بين الحرس الثوري، والصقور الدينيين في قم ومشهد، والإصلاحيين والمعتدلين، الذين كانوا يميلون نحو الغرب ويطالبون بأن يعقد الوسيط صفقة مع الولايات المتحدة.
لقد تمكن هؤلاء الأخيرون من القيام بالكثير في العام ونصف العام الماضيين، كارثة تحطم المروحية لم تقض على الرئيس الملا رئيسي فحسب، بل قضت أيضاً على وزير الخارجية الآتي من فيلق قدس قاسم سليماني، وعلى الدعم الديني لرئيسي في مجلس الخبراء، الذي يختار القائد الجديد. الإصلاحيون أقنعوا علي خامنئي بتعيين طبيب غير معروف، "رجل الشعب"، رئيساً، وكان من المفترض أن يوقع على الاتفاق النووي ويستسلم بهدوء. واحتجاجات كانون الثاني/ يناير تلك، التي أسفرت عن عملية تصفية دموية لآلاف المتظاهرين، وحظيت بدعم بيزشكيان في البداية، كانت جزءًا من خطة للانقلاب الناعم تلك.
تلك هي النسخة الإيرانية من ميخائيل غورباتشوف.
لكن ترامب قلب كل السيناريوهات رأسًا على عقب. فالحرب، التي انطلقت بصواريخ توماهوك في آخر يوم من شباط/فبراير، أوصلت العسكريين إلى السلطة. وكلما ازدادت وحشية الحرب، تضاءلت فرص الإصلاحيين. وماذا كان بوسع "غورباتشوف الإيراني" أن يفعل إذا كان الحرس الثوري يقوده إلى ملجأ تحت الأرض تحت حراسة مشددة على مدار الساعة؟
في منتصف نيسان/ أبريل، وصل وفد من المفاوضين الإيرانيين -وزير الخارجية ورئيس البرلمان ومفاوضون ذوو خبرة في الشؤون العامة- إلى إسلام آباد على متن طائرتين. ولكن في وقت متأخر من الليل، وصل على وجه السرعة من طهران وفد إضافي من جنرالات الحرس الثوري، معظمهم غير معروف. وبعد عدة ساعات من المفاوضات مع الأميركيين، رفضوا العرض وأفلوا عائدين.
بعد أسبوع، توجه قائد الجيش الباكستاني إلى طهران لمدة يومين، وزار خلالها مقر قيادة خاتم الأنبياء، "الهولدنغ" العسكرية والاقتصادية التابعة للحرس الثوري الإيراني، والتي تولت زمام قيادة الحرب. وأمر ترامب بإشراك قيادة الحرس الثوري في عملية التفاوض. وهذا أمر منطقي، فمع من يجب إجراء المفاوضات بشأن الحرب والسلام غير أولئك الذين يقودون الحرب؟
خلال الشهرين الماضيين، خفتت أصوات الإصلاحيين بشكل ملحوظ. حتى تلك السلطة التي اكتسبوها من خلال رئيسهم وجهازهم التنفيذي بأكمله، تلاشت فعلياً خلال الحرب. ويبقى السؤال الأهم: هل سيستعيدون قوتهم السابقة؟
حتى لو بقي بيزيشكيان رئيساً حتى نهاية ولايته (وهو ما أشك فيه)، فقد أصبح بالفعل شخصية ضعيفة، يفعل ويقول ما يمليه عليه فيلق الحرس. فقد أُلغيت التعيينات التي قام بها في مناصب أمنية رفيعة وحساسة (وزير الاستخبارات ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي). وبات خطابه برمته يكرر خطاب الفيلق.
تلك هي مفارقة ترامب تحديداً. ففي ولايته الأولى، شنّ حرباً شرسة ضد "النظام" الإيراني، وإن كانت حرباً اقتصادية آنذاك. فقد دمّر الاتفاق النووي مع أوباما في العام 2015، والذي كان بالغ الأهمية بالنسبة للإصلاحيين، وقطع بذلك جميع الاستثمارات الأجنبية وعرقل الانتعاش الاقتصادي.
حينذاك، في كانون الثاني/يناير العام 2018، بإلغائه الصفقة النووية، وجّه ترامب ضربةً قويةً للإصلاحيين والحمائم، ومنح الضوء الأخضر للفصيل المتشدد والحرس الثوري. وقد أتاح سقوط روحاني وفريق الإصلاحيين بأكمله الفرصة للوصول إلى السلطة لإبراهيم رئيسي ومجموعة من المحافظين، المؤيدين لتخصيب اليورانيوم المستخدم في الأسلحة النووية، وفيلق القدس الذي كان يراقب الرئيسي عن كثب.
كانت هذه المجموعة بالذات هي التي فاقمت العداء مع إسرائيل بكل الطرق الممكنة، ممهدةً الطريق أمام الحرب المقبلة. وعندما تمت إزاحتها، واستعاد الإصلاحيون مواقعهم بصعوبة، عاد ترامب مجدداً، وهاجمهم بكامل القوة العسكرية للولايات المتحدة وإسرائيل، ومهد الطريق أمام الحرس الثوري مرة أخرى، وكما حدث في عام 2018. لكن هذه المرة، لم يكن الأمر على غرار المناورات البيروقراطية، أو التلاعب بالأوراق، أو العقوبات الاقتصادية. لكن في الواقع، بالوسائل العسكرية.
في كل مرة، حين يلوح في الأفق احتمال التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، يهددً إسرائيل كالكابوس، لا يساورني أدنى شك في أن نتنياهو سيفعل كل شيء لتدميره.
لا أدري إن كانت إسرائيل جادة في "بيع" وريث بهلوي لترامب، أم أنها كانت لعبة دقيقة من الموساد لتدمير أي تقارب محتمل بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك بتقويض تلك القوى الإيرانية القادرة على التوصل إلى حلول وسط.
هل كان صعود الحرس الثوري الإيراني إلى السلطة خطة ترامب؟ أم كان فشلاً للخطة؟ ولكن لماذا، كما في ولايته الأولى، خدم مجدداً الصقور بالذات؟
هل المرشد الأعلى الجديد على قيد الحياة، وهل سيصبح في نهاية المطاف شخصية قوية يستمع إليها الحرس الثوري؟ هل ستنجح الحرب في إعادة التوازن إلى نظام السلطة الإيراني المعقد والمتعدد المستويات، أم ستبقى إيران دولة عسكرية تكنوقراطية لسنوات مديدة؟ أم أن إيران العسكرية مرحلة انتقالية نحو نمط جديد من الدولة؟
من هذه الناحية، نعم، ترامب محق. لقد تغير النظام. تغير ولم يتبدل. لقد خطا خطوة كبيرة نحو العلمانية، فأصبح الملالي الآن يطيعون أوامر جنرالات الحرس الثوري، لا العكس. هل سيسمح الحرس الثوري للملالي باستعادة سلطتهم الكاملة؟ أشك في ذلك بشدة. من يملك القوة، يمسك بالسلطة.
على الرغم من مقاطع الفيديو الدعائية المفبركة من شوارع طهران والتي تظهر نساء الباسيج وهن يسيرن مرتديات الحجاب الأسود بجانب نماذج صواريخ باليستية وردية اللون على عربات، إلا أن النساء في بقية شوارع طهران نادراً ما يرتدين الحجاب أو أغطية الرأس.
لقد تغيرت إيران بالفعل. فلنرَ ما سيحدث لاحقاً.




