بين التعزية والتهنئة: إعادة صياغة قيمة الدم

سالي عليالجمعة 2026/05/01
Image-1777574487
واقع سياسي يفرض على لبنان أن يتحدث بلغتين في آن (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في لحظة واحدة، يمكن لخبرين أن يتجاورا من دون أن يلتقيا؛ نجاة تهزّ العالم، واغتيال يُسجَّل ثم يمضي و كأنّ المسافة بينهما ليست في الحدث بل في ما يُمنح له من معنى.

 

في الحروب التي لم تعد تحتاج إلى إعلان رسمي، ولا إلى خطوط جبهة واضحة، يتغيّر معنى الحدث نفسه، فلا يعود ما يجري على الأرض كافياً ليحدد وزنه، بل الطريقة التي يُستقبل بها، واللغة التي يُصاغ فيها، والسقف الذي يُسمح له أن يبلغه في الوعي العام. في زمن كهذا، لا تتساوى الوقائع حتى حين تتشابه في قسوتها، ولا تُقاس الخسارة بحدّتها بل بمدى قابليتها لأن تتحول إلى قضية تُروى وتُتداول.

بدا المشهد في الأيام الأخيرة، وكأنهُ اختبار مكثّف لهذه المعادلة. محاولة اغتيال تستهدف شخصية بحجم دونالد ترامب تتحول فوراً إلى حدث كوني، تتقاطع عنده المواقف الدولية، وتُفتح له المنصات، وتُنسج حوله روايات تتجاوز الفعل نفسه إلى ما يمثّله من دلالات سياسية. في المقابل، اغتيال صحافية في جنوب لبنان، أمال خليل، يدخل في سجل الخسارات القاسية، يُدان، يُرثى، لكنّه لا يخرج من إطاره المحلي بالقدر نفسه، ولا يفرض نفسه على الأجندة العالمية بالزخم ذاته، كأنّ هناك سقفاً غير مرئي يحدّد إلى أين يمكن أن تصل الحكاية!

 

هنا ليست المفارقة في غياب الموقف، بل في شكله وحدوده. فقد اجتمع في خطاب واحد تقريباً موقفان متوازيان لدى الرئيس اللبناني جوزف عون؛ تعزية بصحافية قُتلت أثناء عملها في تغطية لما يجري في الجنوب، وتهنئة لزعيم عالمي قد نجا من محاولة اغتيال. في الشكل، يبدو التوازن قائماً، والدولة تؤدي واجبها في الاتجاهين، لكن في الصدى، في الامتداد، وفي كيفية تلقّي الحدثين تظهر فجوة يصعب تجاهلها، لا تعود إلى الكلمات بحدّ ذاتها إنّما إلى العالم الذي يستقبلُ هذه الكلمات ويعيد توزيعها وفق أولوياته.

ليست المشكلة إذاً في أنّ التعزية غابت، بل في أنها حضرت بصوتٍ منخفض في فضاء يرفع صوته فقط حين تتقاطع الحكاية مع موازين القوة. هنا تحديداً، يصبح الحدث نفسه أقل أهمية من السياق الذي يُوضع فيه، ومن الشبكة التي تحمله أو تتركه يسقط. نجاة شخصية سياسية كبرى تتحول إلى مرآة لاهتمامات العالم، فيما يتحول مقتل صحافية إلى خبر مؤلم لكنهُ محكوم بإطار جغرافي وسياسي ضيق، مهما كانت دلالته أوسع.

 

لكن هذه الفجوة في القيمة لا تتشكل خارج السياسة، بل داخلها تماماً. في الحالة اللبنانية، لا يمكن فصل طريقة تلقّي الأحداث عن موقع الدولة نفسها في معادلة القوة. دولة تجد نفسها على تماسٍ مباشر مع صراع مفتوح، لكنها لا تملك السيطرة الكاملة على قراره، ولا على إيقاعه، مما يجعل خطابها موزعاً بين محاولة احتضان خسارتها الداخلية، والحاجة إلى البقاء ضمن شبكة علاقات دولية تفرضُ لغتها الخاصة. في هذا التوزع، لا يكون الخطاب مجرد تعبير عن موقف، بل عن حدود هذا الموقف. وبهذا المعنى تحديداً يصبح الجمع بينَ التعزية والتهنئة أقل مفارقة مما يبدو، وأكثرُ تعبيراً عن واقع سياسي يفرض على لبنان أن يتحدث بلغتين في آن، واحدة موجهة إلى الداخل المثقل بالخسارات، وأخرى إلى الخارج الذي يحدد، إلى حد بعيد، شروط الاستقرار وحدود التصعيد. ليست هذه ازدواجية أخلاقية بقدر ما هي نتيجة مباشرة لاختلال ميزان القوة، حيث لا تستطيع الدولة أن تتجاهل أيًّا من المسارين، حتى وإن بدا الجمع بينهما متناقضاً.

 

وعند هذه النقطة لا يمكن النظر إلى اغتيال أمال خليل بوصفه حادثة فردية، بل كجزء من نمط أوسع يطال من يملكون القدرة على نقل ما يحدث. في الحروب المعاصرة، لم يعد الصراع محصوراً بمن يسيطر على الأرض، بل امتد إلى من يسيطر على السرد، على الصورة و على الكلمة. استهداف الصحافيين لا يأتي فقط لإسكات صوتٍ بعينه، بل لإعادة رسم حدود ما يمكن أن يُقال، ولتقليص المساحة التي يمكن أن تتحول فيها الوقائع إلى روايات قابلة للتداول خارج الإطار المحلي. وإذا كان هذا الاستهداف يطرح سؤالًا عن حرية العمل الصحافي، فإنهُ يطرح أيضاً سؤالاً أعمقُ عن مستقبل الرواية اللبنانية نفسها. ماذا يعني أن تصبح التغطية مخاطرة دائمة؟ ومن سيبقى ليحكي، إذا تحولت الكاميرا إلى هدف؟ في بلد يعيش أصلاً تشرذماً حاداً في مقاربة ما يجري في الجنوب، لا يكون غياب الرواية أو تقييدها مجرد خسارة إعلامية، بل خسارة سياسية، لأنه يترك المجال مفتوحًا أمام رواية واحدة لتفرض نفسها، أو أمام فراغ يُملأ من الخارج.

 

هنا، يلتقي هذا المسار مع ما يحدث في الجنوب السوري، حيث لا تزال الضربات الإسرائيلية تتكرر ضمن نمط متقطع، في سياق استهداف أوسع يتجاوز حدود دولة بعينها. الفاعل واحد، والمنطق الاستراتيجي متشابه، لكنّ الفارق يكمن في كيفية تمثيل ما يحدث، وفي حجم الاهتمام الذي يحظى به. في الحالتين، نحنُ أمام سياسة لا تسعى إلى الحسم بقدر ما تسعى إلى إدارة التصعيد، وضبطه، وإبقائه ضمن حدود لا تنفجر بالكامل، لكنها لا تهدأ فعلياً. و ضمن هذا المشهد، لا يعود السؤال فقط عن سبب هذا الاختلال في الاهتمام، بل عن نتائجه. حين تُدفع بعض الأحداث إلى الهامش، لا تختفي، بل تصبح أكثر قابلية للتكرار، وأقل عرضة للمساءلة. وحين يُستهدف من يروون، تضيق المساحة التي يمكن أن تتحول فيها الوقائع إلى قضايا عامة. بهذا المعنى، لا يكون الصمت مجرد غياب للصوت، بل جزءاً من آلية عمل الصراع نفسه.

 

لذا، قد لا تكون المشكلة في أن العالم يهتم بمحاولة اغتيال شخصية سياسية بارزة، بل في أنه لا يمنح الوزن ذاته لاغتيال من يحاولون نقل الحقيقة من أماكن أقل حضورًا على الخريطة السياسية. بين الحدثين، مسافة لا تُقاس بالكيلومترات ولا بعدد الضحايا، بل بقدرة كل منهما على اختراق الجدران التي تفصل بين المحلي والعالمي. لكن في بلد كلبنان، حيث تتقاطع الجغرافيا مع السياسة ضمن توازنات دقيقة، لا يبقى هذا الاختلال مسألة خارجية، بل يتسرّب إلى الداخل، إلى طريقة فهم ما يجري وإلى القدرة على بناء موقف جامع حياله. ومع استمرار هذا النمط، لا يكمن الخطر في الحدث بحد ذاته، بل في أثره المتراكم: واقع تُدار فيه الحروب وتُدار معه الروايات، فيما يبقى السؤال معلّقًا حول من يملك حق تحويل الدم إلى قضية؛ ومن يملك القدرة على محوه كأنه لم يكن.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث