صباح يوم الجمعة أعلنت وزارة الداخلية القبض على المجرم أمجد يوسف، وهو متهم رئيسي بارتكاب مجزرة التضامن بدمشق، والتي يُقدَّر عدد ضحاياها بقرابة 300 قتيل. وقد يزداد العدد مع إضافة مفقودين لا يُعرف مصيرهم حتى الآن، ويُظنّ أنهم من بين الضحايا. الخبر قوبل عموماً بالفرح، إذ ليس هناك مَن يتبرّع بالانحياز إلى مجرم من هذا القبيل. ذلك بخلاف ما حدث قبل ساعات، عندما نقلت وسائل الإعلام صور استقبال عصام بويضاني، قائد "جيش الإسلام" سابقاً، وتلك الصور التي تجمعه مع الرئيس الشرع ووزير دفاعه وقيادي آخر من جيش الإسلام.
لجيش الإسلام انتهاكات معروفة، بدءاً من الغوطة وصولاً إلى عفرين، ومن أشهرها اختطاف النشطاء الأربعة، رزان زيتونة وسميرة الخليل ووائل حمادة وناظم حمادي، وقد كانوا حينها قد غادروا دمشق التي يسيطر عليها الأسد إلى ريفها في دوما حيث يسيطر جيش الإسلام. بين جيش الإسلام وجبهة النصرة آنذاك جولات من القتال الدموي بغرض السيطرة ومكاسبها، بينما كانت قوات الأسد وحلفاؤه يتربصون بالطرفين ويحاصرون الغوطة بهدف التجويع والاستسلام.
تتالي الحدثين، الاحتفاء بعودة بويضاني الذي كان مسجوناً في دولة الإمارات ثم القبض على جزار التضامن، جعل المقارنة حاضرة. فثمة مَن هو في موضع اتهام بحكم موقعه السابق، إن لم يكن بشخصه، وهو طليق معزَّز مكرَّم، وثمة مجرم يذهب إلى مكانه الطبيعي ليُحاكَم. هذه المفارقة تجعل فرحة المتضررين من جيش الإسلام ناقصة بالقبض على أمجد يوسف، بما أن اعتقاله (الواجب والضروري) لا يأتي في سياق من العدالة، أو أنه يأتي ضمن عدالة انتقائية تطعن مفهوم العدالة نفسه.
ومن المعلوم أن الحديث عن العدالة الانتقالية في سوريا يقتصر رسمياً على جرائم نظام الأسد، أي أن انتهاكات الفصائل التي كانت قبل إسقاطه تسيطر على العديد من المناطق هي خارج المساءلة القانونية، بما فيها انتهاكات منسوبة إلى هيئة تحرير الشام الحاكمة. انتقاء جهة واحدة لمحاكمتها، ولو أن انتهاكاتها هي الأكبر على نحو فاحش، لا يفي بمبادئ العدالة بكل أنواعها. ولا يجب أن يكون مضمراً في ذلك عفوٌ عامٌ عن فئات معينة بالمعنى العصبوي. فالأصل في العفو العام (الجماعي) أن يكون عن فئة من الجرائم، سواء من حيث نوعيتها أو من حيث زمن وقوعها، والأصل في العفو الفردي أن يُمنح بشفافية، وبقرار واضح.
ولكي لا يبدو الحديث عن منسوب مقبول من العدالة مثالياً، يمكن الاستئناس بالعديد من التجارب المماثلة لحروب أهلية، والاستئناس بنماذج المصالحة فيها، والمقترنة بعفو عام عن نوعيات من الجرائم، لتعذّر المحاسبة للجميع. وفي الكثير من التجارب وصل إلى السلطة ما يُسمّى بأمراء الحرب المتورّطين في انتهاكات، لكن ذلك أتى مصحوباً بمصالحة وبالاعتراف والاعتذار. أما الصمت على فئات، وعدم الاعتراف والاعتذار فهذه جميعاً لا تؤسس لعدالة انتقالية حقيقية، وتُبقي على السوريين عالقين في المجزرة.
اليوم يمكن القول إن الغالبية الساحقة من السوريين لها مجازرها أو مجزرتها، إذ صار للعديد من الجماعات الأهلية مجازرها ومظلومياتها، بصرف النظر عن عدد المجازر وعدد الضحايا، لأن العبرة ليست في العدد بل في التأثير؛ في اتساعه ومدى استدامته، خصوصاً إذا لم تُتخذ خطوات في اتجاه المعالجة. الواقع السوري يقول إن المعالجة لا تحدث، والمجازر تُستخدم للاستثمار لا لأخذ العبرة منها وتجاوزها.
على سبيل المثال، ما أن تحتج فئة من السوريين ضد السلطة حتى يستل أنصارها ذاكرة المجازر التي ارتكبها الأسد، للتلويح بها أمام المحتجين كأنهم هم الذين ارتكبوها. وما أن يُحكى عن مجزرة قريبة العهد حتى تُسترجع المجازر الماضية للمقارنة، ولتسفيه معاناة الضحايا الجدد، وهذا ما يُبقي الأخيرين أيضاً عالقين في ذكرى مجزرتهم، بما أن الواقع لا يتجاوزها، ولا يتوقف عن تذكيرهم بها.
في المحصلة، يبدو السوريون بمعظمهم واقعين تحت ضغط الذاكرة، الحاضرة الساخنة، بلا أفق يتجاوز ضغط المجزرة. وعلى نحو شديد التأثير، يمكن القول إن المجازر باتت ترسم الحدود، أو تقيم الجدران الشاهقة، بين الجماعات السورية. فاليوم لا حاجة للنباهة لملاحظة انكفاء جماعات سورية عن الفضاء العام بسبب المجازر التي تعرّضت لها بعد إسقاط الأسد، الانكفاء المشابه لتهميش سابق بحسب ادّعاءات المتضررين من نظام الأسد، وهو بالتأكيد صاحب النصيب الأكبر من ارتكاب المجازر ومختلف أنواع الانتهاكات حتى الآن.
نعود إلى التذكير بأن المجازر تُقاس بتأثيرها، وفي كل الأحوال المفاضلة بينها يشوبها الكثير من انعدام الحساسية الأخلاقية والإنسانية. مثلاً، ليس من مفاضلة كمّية بين من قتلهم أمجد يوسف ورماهم في حفرة التضامن، وأولئك الشبان الذين أطلق عليهم الرصاص في السويداء، وهم يُجبرون على السقوط من الشرفة في تسجيل ذاع صيته حينها. وثمة قناعة تنتشر، مفادها أن المجازر الجديدة، والمقارنات المستجدة معها، متعمدة من أجل جعل مطلب العدالة الانتقالية متعذّراً، بما أن المحاكمة ستنال من الجميع.
السلطة من ناحيتها لم تُبدِ حماسة للعدالة الانتقالية، ويمكن تفهّم حساسيتها إزاء الموضوع. وفي السياق نفسه لا تبدو مكترثة بالجدران التي ترتفع بين السوريين بسبب غياب مشروع حقيقي للمصالحة والمحاسبة والعفو، فهذه الانقسامات لا تضيرها بشيء، ولا حافز لديها لتعمل على التقليل منها أو تجاوزها.
هكذا تبقى المشكلة في عهدة السوريين، خارج عصب السلطة، فمطلب العدالة يبدو ممراً إجبارياً من أجل اجتماعهم مجدداً. إلا أن المطلب نفسه لن يتحقق طالما بقيت ذاكرة المجازر تعزز الانقسام بينهم، وإن أرادوا حقاً الوصول إلى العدالة فمن المرجّح أنهم يحتاجون إلى إعادة ترتيب أولوياتهم. وإذا كان مطلب العدالة، وفق التصور الشائع، سابقٌ على الاجتماع السياسي، فالضرورة والواقعية تقتضيان العمل من أجل الاجتماع السياسي، ومن أجل بناء جبهة واسعة تتجاوز الحدود التي ترسمها المجازر؛ أي أن النجاح في السياسة هو المدخل إلى العدالة لا العكس.
وأيضاً، باستلهام تجارب معروفة لصراعات أهلية، لا يصعب الانتباه إلى أن الاستعصاء السياسي في البعض منها جعل العدالة غائبة، لا في محاكمة الماضي وحده، بل في مجمل ما يتعلق بالحاضر. لئلا تذهب سوريا في المسارات الأسوأ، ربما لا تزال الفرصة متاحة أمام السوريين لمنع تأبيد أثر المجازر.. ربما!




