مع الموت المفاجئ للطبيب المصري ضياء العوضي، تركز الجدل مرة أخرى على نظام "الطيبات" الغذائي الذي روج له على المنصات الرقمية وفي عيادته الخاصة. اعتمدت حمية العوضي على نظام بسيط يستبعد لائحة من الأغذية بوصفها من الخبائث وتسبب الالتهابات، ومن بينها الفراخ البيضاء والقمح والخميرة، ومعها الحليب الذي وصفه بالسم للبالغين، علاوة على تناول الفاكهة بعد الأكل حيث أنها بحسبه تتخمر في المعدة وتسبب أمراض الكبد. وفي المقابل، كان هناك لائحة من الطيبات، من بينها الدهون، حيث أدعى أن السمن البلدي ينظف الشرايين، بالإضافة إلى حديثه عن فوائد النيكوتين، وهو ما قاده إلى الاستنتاج أن التدخين أقل ضرراً من الزيوت النباتية المهدرجة. أخطر ما روج له الطبيب الراحل هو أن مرض السكر ليس سوى خدعة نشرتها شركات الأدوية، ولذا دعا متابعيه للتوقف عن أستخدام الأنسولين، والاكتفاء بالصيام وحمية غذائية لخفض مستويات السكر في الدم. وثمة روايات غير مؤكدة تم تداولها عن حالات تدهورت أوضاعهم الصحية بسبب اتباع أصحابها نصائحه المخالفة للقواعد الطبية المعتمدة، وانتهت بعضها إلى الوفاة. ثمة تخمينات أن وفاة العوضي نفسه قد تكون من تبعات النظام الغذائي التي روج له.
هناك بعد محلي في ظاهرة العوضي، لكن هناك أيضاً بعداً معولماً. بلا شك، استخدم الطبيب الراحل مفردات لغوية أقرب إلى الديني والتراثي منها إلى العلمي والطبي، وبالأخص في ثنائية الطيب/الخبيث. وبينما يعد الصوم المتقطع واحدة من الحميات المعترف بفوائدها طبياً بحسب قواعد بعينها، إلا أن الصوم يحمل في الثقافة المحلية دلالات روحية أبعد، لها أسانيدها الشرعية بالإضافة إلى أدبيات "الإعجاز العلمي" التلفزيوني. وضع الفراخ البيضاء (السلالات المستوردة) والألبان والفواكه في قائمة الخبائث، يعكس قلقاً له تاريخ طويل بين جمهور المستهلكين تجاه الطرق غير الصحية لتربية الدواجن والماشية في المزارع الكثيفة، وتجاه الإفراط في استخدام المدخلات الكيميائية في الزراعة والإنتاج الغذائي بالعموم. لا يختلق العوضي تلك المخاوف بل يكثف قلق شعبي تحفزه طبقات من الغش التجاري والفساد وغياب الرقابة الحكومية والتحديث غير المنضبط، وبصفته طبيباً يضفي على هذا كله هالة مهنية وعلمية.
لن يكون من باب المبالغة وصف حمية العوضي بالراديكالية، فهي تتبع وصفة ضد مؤسساتية، سواء ضد القواعد المهنية والمعارف الطبية المعتمدة أو ضد الصناعات الدوائية الكبرى المدعومة برؤوس أموال عابرة للقارات. أطلق وباء الكوفيد موجة عالمية ذات ميل يميني تتشكك في المؤسسات الصحية والعلاجات الدوائية، ووجدت تلك الموجة صدى محلياً أوسع وأكثر عمقاً، وساهمت الشبكات الاجتماعية في تمددها. بشكل عام، يتعاظم شعور المصريين بالإحباط من الخدمات الصحية الحكومية ذات الكفاءة المتردية، وكذلك يشعرون بالغبن تجاه القطاع الطبي الخاص وكلفته الباهظة، وما يرون فيه استغلالاً لأوجاعهم لتحقيق الربح. الانسياق وراء نظريات المؤامرة ليس بالضرورة نتاج للجهل وحده، بل نوع من نقمة تجاه الدولة وتجاه تسليع الخدمة الصحية في بورصة اقتصاد السوق. وفي هذا السياق يمنحهم نظام "الطيبات" أملاً في حلول إعجازية لأمراض مزمنة ومكلفة مثل مرض السكري.
النظام السياسي الذي افتتح وصوله إلى الحكم بفضيحة "جهاز الكفتة" لا ينتظر منه التصدي لظاهرة مثل العوضي. تحركت نقابة الأطباء متأخرة جداً بشطبه من قوائم ممارسة المهنة، أما الأجهزة الأمنية التي تراقب العالم الرقمي عن قرب وتمارس مستويات من الرقابة الدقيقة يمتد من القمع السياسي إلى الضبط الجندري، لم تتحرك ضد نظام "الطيبات". بالنسبة لأنصار العوضي، يمثل الرجل رمزاً للمقاومة (الموجهة في المكان الخطأ بالتأكيد)، وبالنسبة لمريديه الأكثر إخلاصاً سقط الرجل شهيداً في معركة ضد مافيا صناعة الأدوية. وفي هذا كله، تبدو حمية العوضي وكأنها نوع من أنواع اضطرابات التغذية، عرض نفسي لعجز جماعي يتم تعويضه بتوجيه الأذى للجسد.




