هدنة ترامب و"مقاومة" حزب الله

بسام مقدادالثلاثاء 2026/04/21
Image-1776715770
أثمان "الانتصارات" أصبحت أكثر فداحة ودموية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مشهد أرتال السيارات العائئدة من الجنوب بعد إعلان هدنة ترامب، كان أشبه بالمواكب العائدة من مراسم الدفن. تعجل الجنوبيون مغادرة أرصفة نزوحهم وأماكن إلإيواء في اللحظات التالية لحلول موعد وقف إطلاق النار. لم تكن صواريخ حزب الله قد أمهلتهم في ذلك الليل الرمضاني حتى أن يعدوا منازلهم لفراق يجهلون كم سيطول، أو إذا كان سيتيسر اللقاء مرة أخرى. 

 

حفلت منصات التواصل الاجتماعي في الأيام الأخيرة بنعوات المنازل الشهيدة. وجهد البعض، خصوصاً ميسوري الحال، في تعداد مزايا الراحل، وكم جمع من التحف واللوحات الفنية للفنانين اللبنانيين والغربيين ليزين بها منزله الفقيد. 

الهدنة يسرت اللقاء ليس لكل من غادر، كثيرون وجدوا جثث منازل، وكثيرون حرموا من إلقاء النظرة الأخيرة على المنزل الفقيد والبلدة معه. وإذا كانت المغادرة الأولى في ليل رمضان كانت تستبطن بصيص أمل باللقاء ثانية، عاد الجنوبيون في الأيام التي تلت إنطلاق موعد الهدنة، وقد تركوا الأمل يترنح على "انتصار" حزب الله الذي يتوعدهم بالمزيد من جثث البيوت والقرى والشهداء. 

انتصارات تجار الصراع العربي الإسرائيلي تتوالى منذ العام 1948، ولم يتوقف التجار مرة واحدة عند أثمان انتصاراتهم، كما يفعل "العدو الغاشم". وهي تشبه انتصار تلك المدينة الإغريقية القديمة على الرومان، والتي تكبدت فيها من الخسائر ما جعل قيصر المدينة بيروس (Pyrrhus) يقول جملته الشهيرة: "انتصار آخر كهذا وننتهي". وبعد "انتصار" حافظ الأسد على إسرائيل في العام 1973 الذي أسفر عن استكمال احتلال الجولان، شاعت نكتة لا تزال متداولة حتى الآن. وتقول إن مسؤولاً بعثياً وقف في اجتماع حزبي يشرح أهمية الانتصار التاريخي فبادره "رفيق" بسؤاله عن ضياع الجولان، فرد المسؤول البعثي  بالقول: "وهل تريد انتصارات بلا ثمن يا رفيق؟". 

أثمان "الانتصارات" أصبحت أكثر فداحة ودموية. وفي السعي لتحقيق المزيد منها، أصبح التجار يستجلبون احتلال ما تم تحريره بالفعل، لا ليعيدون تحريره الذي اغتصبوه من محرريه الفعليين، بل ليحققوا انتصاراً على دولة أصحاب الأرض وجيشها. 

 

ومع أن "العدو الغاشم" (مصدر غاشم ــ غشيم، "أحمق"؟)، وباعترافنا نحن، حقق ما يكفي من الانتصارات الفعلية على كافة الجبهات التي خاض عليها الحروب في السنوات الأخيرة، لكنه مع ذلك يناقش انتصاراته وما إن كان الثمن يبررها. 

موقع صحيفة يديعوت أحرونوت الناطق بالروسية vesty نشر في 20 الجاري نصاً للمعلق السياسي البارز في الصحيفة ناحوم برنيا (Nachum Barnea) عنونه بالقول: "النتائج الأولى للحرب مع إيران: هل يبرر النصر الثمن الذي دفعته إسرائيل مقابل ذلك؟".

استهل المعلق نصه بالإشارة إلى تصريح لنتنياهو يقول فيه إن ما قامت به إسرائيل في الحرب الحالية، لم يكن أي بلد آخر ليحلم أن يقوم به. وقال إنه لدى القراءة الأولى للتصريح وافق بأن الحرب كانت فعلاً حرباً قاسية ومرهقة، ومن الطبيعي أن يقوم كل من شارك فيها من كلا الجانبين، بإلقاء خطاب النصر العبثي في ​​نهايتها، إذا كانت الحرب قد انتهت بالفعل. ونتنياهو يستمع إلى ثرثرة ترامب المتباهية ويقول لنفسه: إذا كان بوسع صديقي دونالد فعل ذلك، فلماذا لا يسعني أنا فعله؟ 

لكن لدى القراءة الثانية لتصريح نتنياهو، أدرك المعلق بأنه يطرح السؤال الخطأ. وليس مهماً المكان التي تحتله حرب إسرائيل بين حروب الدول الأخرى، إذ ليس بين الحروب مسابقات على غرار مسابقة الأغنية الأوروبية "Eurovision". لكن المهم هو ما إذا كانت نتائج الحرب تبرر الثمن الباهظ الذي "دفعناه خلالها وما زلنا ندفعه"؛ أي "الكلفة مقابل النتيجة".

 

الثمن بالنسبة للمعلق هو ما سيشغل بال معظم الإسرائيليين اليوم وغداً، الذكرى السنوية للعسكريين الإسرائيليين الذين قضوا في سبيل إسرائيل. ويقول إنه سيتجول بين قبور أصدقائه ويتساءل: هل كان الأمر يستحق؟ ويجيب بالتأكيد "بالطبع"، لكنه يستدرك ويتوقف عند ملاحظة رآها ضرورية في هذا السياق. 

يسترسل المعلق في الحديث عن ملاحظته التي تبين أنها كبيرة الأهمية بالفعل، وليس للإسرائيليين فقط. يقول إن الوزراء والناطقين بإسمهم يرددون أن وضع إسرائيل الإستراتيجي لم يكن يوماً أفضل مما هو عليه الآن. ويشير إلى أن هذا التأكيد تسرب إلى الجيش وقيادته التي تردد: "وضعنا ممتاز". 

في محاولته لإثبات خطأ هذا التأكيد ومن يقولون به، يرى المعلق أن سيطرة إسرائيل المؤقتة على الأراضي في لبنان وقطاع غزة، بخطها الأصفر وتحصيناتها الأمامية، هي تكتيك وليست استراتيجية. ويؤكد أن إضعاف العدو سيتحول إلى مجرد محاولة يائسة للبقاء في "مكاننا"، وهذه المحاولة ستتحول إلى غرق في مستنقع. وفي الوقت نفسه "نخسر الدعم الغربي".

يضيف المعلق بالقول إن إسرائيل دخلت الحرب مع إيران بشراكة متكافئة مع الولايات المتحدة. ويقر بأن الفضل في ذلك يعود لنتنياهو، والذي لم يكن أي رئيس وزراء آخر سواه ليتمكن من جر الولايات المتحدة إلى مثل "هذه المغامرة" حتى في ظل مثل هذا الرئيس "غير الاعتيادي" مثل ترامب. لكن التعاون المتكافئ كان في سماء إيران فقط برأيه. فقد دخلت إسرائيل والولايات المتحدة الحرب بأهداف مختلفة: إدارة ترامب كانت تريد تدمير البرنامج النووي، في حين أن إسرائيل كانت تريد الإطاحة بنظام الملالي. لم يكن اختلاف الأهداف مشكلة ما دام الهجوم يتقدم وفق الخطة المرسومة. لكن حين تبين أن النظام ثابت في السلطة، بل وتمكن من جعل الاقتصاد العالمي يهتز مع مستوى دعم ترامب في الولايات المتحدة، انهار وهم الشراكة. وتبين أن لأردوغان نفوذ على ترامب أكثر مما لنتنياهو. 

 

أحد أكبر المواقع الإسرائيلية المستقلة الناطقة بالروسية zahav نشر في 19 الجاري نصاً للمدونة الإسرائيلية أولغا كرومر (Olga Kromer) بحثت فيه سبب عدم إستسلام إيران حتى الآن. ورأت أن السبب يكمن في مفهوم "المقاومة" الذي جعله الخميني جزءاً من السياسة الخارجية القائمة على تصدير الثورة عبر "مقاومة الاضطهاد". 

تسترسل المدونة في شرح مفهوم المقاومة بالنسبة لنظام الملالي، والذي يبررون به تحمل أفدح الخسائر البشرية والمادية. وترى أن الإيرانيين لا يتعجلون في إبرام السلام بشروط ترامب، ليس لأنهم يملكون الموارد الكافية للقتال، بل لأنهم، من وجهة نظرهم المناهضة للغرب، يرون أن تدمير البلاد بالكامل وحرق الجميع في أتون الحرب أفضل من التخلي عما يعتبرونه نضالاً من أجل العدالة. وقد أدت 47 سنة من حكم آيات الله إلى حقيقة أنه لم يعد أحد يسأل عن نوع العدالة التي يرجى بلوغها، وأولئك الذين يسألون قد تم طردهم أو إبادتهم.

إن مصير الإمام الحسين، الذي عاش قبل ألف وخمسمئة عام، يقلق السلطات الإيرانية والحرس الثوري أكثر من مصير أبنائهم وأحفادهم.

ترى المدونة أن أي تعصب سيتلاشى من  الداخل  عاجلاً أم آجلاً. وتشير إلى أن بعض النخب السياسية الإيرانية أخذوا يخرجون حقائب المال من البلاد، ويستعدون لحياة المنفى، وبعض السياسيين من المستوى المتوسط ​​مترددون. أما بعض مقاتلي الحرس الثوري فقد أخذوا يخلعون زيهم العسكري. وتعتقد أن ثمة أملاً بسقوط النظام، وليس نتيجة هزيمة عسكرية، إذ أن أي هزيمة يعتبرها المتطرفون الإسلاميون نصراً إن بقوا على قيد الحياة. بل الأمل يعقد على سقوط "نظام الشيعة الحمر" من الداخل بسبب التعب والفساد الذي يتآكله. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث