سوريا من الممانعة إلى الحياد: ما الذي تغير؟

عمر قدورالثلاثاء 2026/04/21
Image-1776713056
سوريا أضعف من أن يكون لها مشروع جاد للحياد (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في جلسة حوارية، ضمن منتدى أنطاليا الدبلوماسي في تركيا، قال الشرع إن الاعتراف بأحقية إسرائيل بالجولان يخالف حقوق الشعب السوري. وفي الوقت نفسه أشار الرئيس الانتقالي إلى أن سوريا تسعى إلى التوصل لاتفاق أمني جديد بما يضمن انسحاب إسرائيل إلى خطوط العام 1974، في إطار مقاربة تعتمد على الحوار والدبلوماسية والابتعاد عن الصراعات والنزاعات. وبالتزامن مع تصريح الشرع، ضمن المنتدى نفسه، نوّه المبعوث الأميركي توم باراك بعدم انخراط دمشق في الصراع الدائر في المنطقة، وأشار إلى أن الجبهة السورية لم تشهد إطلاق أي صاروخ باتجاه إسرائيل منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023. وأكد باراك أن الوقت قد حان لاستئناف المحادثات بين سوريا وإسرائيل، وتوقّع إمكانية الوصول إلى تطبيع بين الطرفين يسبق الاتفاق بين إسرائيل ولبنان.

 

لا يُستبعد أن تكون تصريحات المبعوث باراك متفائلة بخصوص التطبيع بين سوريا وإسرائيل، لكن التفاؤل الزائد يستند إلى تصريحات للسلطة الجديدة منذ استلامها، تنص على رغبتها في السلام، وتطالب فيها باتفاق أمني تنسحب بموجبه القوات الإسرائيلية إلى خط الهدنة للعام 1974. الجولان مؤجَّل، حسب التصريحات ذاتها، إذ لا حديث عن مصيره النهائي، وإشارة الشرع الأخيرة إلى حق السوريين به من الإشارات النادرة التي لا يُعرَف ما إذا كانت ستُترجم سياسياً وكيف.

من المؤكد أن سوريا غادرت حلف الممانعة، ومن المؤكد أن نسبة ساحقة من السوريين كانت تتوق إلى مغادرته. الحديث عن نسبة أكبر من أنصار السلطة الحالية، لأن شعارات الممانعة التي تاجر بها الحكم البائد دفعت نسبة ساحقة إلى الكفر بالقضية وبشعارات يدرك كثر أنها زائفة. ذلك لا يعني تلقائياً الانتقال إلى الطرف المقابل، أي إلى فصم العلاقة الثقافية والوجدانية مع الأراضي السورية المحتلة، ومع القضية الفلسطينية أيضاً.

 

فقط الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية تجعل الكابوس الإسرائيلي ماثلاً، ولولاها لم تكن ثمة مناسبة للحديث عن جبهة باردة في الأصل منذ ما يزيد عن نصف قرن. مع ذلك، لم تؤدِّ الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة إلى إعادة التفكير في هذا الكابوس، وبقي مطلب السلطة وكثير من السوريين هو العودة إلى ما كان عليه الحال قبل نصف قرن. وقد لا يجافي الصواب القول إنه مطلب فيه استسهال ذهني أولاً، لعدم تجشّم التفكير في اقتراح جديد مبني على معطيات جديدة، وفيه ادّعاء لواقعية يبدو أن زمنها انقضى؛ أي أنها لم تعد واقعية حقاً.

تحت المعلَن، وقد اعتاد السوريون على طبقات من القول، تكمن النظرة التبسيطية التالية: يبقى الجولان مؤجّلاً إلى أمد غير مسمّى، وتُعقد اتفاقية أمنية جديدة، مطوَّرة عن اتفاقية الهدنة للعام 1974، بحيث تكون فعلياً أكبر من اتفاق أمني وأقل من اتفاق سلام شامل. الأرض شأن ثانوي في المقايضة، والطرف الذي يتوسّل السلام حقاً هو الطرف السوري الضعيف إلى حد لا يملك فيه أية ورقة من أوراق التفاوض التي تحضر عادةً على الطاولة بين جانبين. نشير باختصار إلى أن تل أبيب تخلّت منذ حوالى ثلاثة عقود عن مبدأ الأرض مقابل السلام، لتعتمد مبدأ السلام مقابل السلام، وأغلب الظن أنها انقلبت على الثاني منهما بعدما اختبرت فائض القوة العسكرية والتكنولوجية.

 

من المعلوم أن علاقة السلطة الجديدة بالفصائل الفلسطينية قد انتهت، بعد أن كان الحكم السابق يستغل وجودها كرسالة لتل أبيب. وما يتكرر طرحه يشير إلى اعتماد الحياد بدلاً من الممانعة، والمأمول وفق هذا الطرح أن يكون الاتفاق مع إسرائيل تكريساً لتحييد سوريا عن المسارين الآخرين، اللبناني والفلسطيني، على الضد تماماً من السياسة السابقة حيث كان الأسد يتشبّث بوحدة المسارات، لأنها ورقة القوة الوحيدة في التفاوض مع تل أبيب.

ما يعوَّل عليه اليوم هو أن تلقى فكرة الحياد حماسة لدى الأميركيين وباقي القوى الفاعلة دولياً وإقليمياً، كي تضغط هذه القوى مجتمعة على تل أبيب لتوقيع اتفاق توافق فيه على الحياد السوري، وتتعهد بعدم المساس به. ذلك يقتضي أن ترى القوى الفاعلة في الحياد السوري مصلحة لها، وقد تعزز هذا الطموح مع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران ولبنان، خصوصاً ما يتعلق بإغلاق مضيق هرمز وأزمة إمدادات النفط إلى الأسواق العالمية، والسيناريوهات السورية المتفائلة بشأن الاستفادة منها.

 

ثمة سيناريوهات تُطرح لتصدير النفط من الخليج عبر الأراضي السورية، وصولاً إلى الساحل السوري والتركي، ومن المستغرب أن تغيب الموانئ الأخرى على المتوسط، وألا تشترط إسرائيل الحصول على حصة من شبكة التصدير المأمولة. يظهر الانتقال من مضيق هرمز إلى البديل المطروح سهلاً جداً، حسب السيناريوهات المطروحة ومنها ما يتبرّع به توم باراك. لكن تكاليف البنية التحتية الخاصة بالأنابيب والموانئ ليست بالقليلة إطلاقاً، والمدة اللازمة لبناء هذه الشبكة إجمالاً تُحسب بالسنوات.

ونفترض أن يعلم الراغبون في إنشاء الشبكة والقادرون على تمويلها بالمخططات الأوروبية، حيث هناك تفاهم بين دول الاتحاد الأوروبي على تقليص شديد لاستهلاك النفط والغاز، يقارب الصفر في بعض البلدان، بحلول العام 2035. والاتجاه إلى الاستغناء عن النفط اشتد مع الأزمة الحالية، حيث أعلنت الحكومة الفرنسية عن نيتها تسريع العملية، ليتم الاستغناء الكلي عن العديد من الاستخدامات بحلول العام 2030.

الإشارة إلى سيناريوهات متفائلة ليس بقصد مواجهتها بأخرى متشائمة، فالأهم هي الوقائع التي لا تسند التفاؤل، وصدور تصريحات عن مسؤول أميركي من مرتبة باراك، أو حتى عن ترامب نفسه، لا يُكسبها صدقية ما لم توضع في التنفيذ. أي أن العودة إلى الواقع تعيد طرح السؤال عن أوراق القوة التي ستفاوض بها السلطة إسرائيل، مع الأخذ بالحسبان وجود نتنياهو غير المتحمّس لإبرام أي اتفاق مع دمشق، ويرى التدخل الإسرائيلي في سوريا إلى حد كبير من منظور التنافس الإقليمي مع أنقرة، وتقليم الأظافر الإيرانية في المنطقة قد يشعل التنافس بينهما لوراثتها.

 

لقد تغيرت السلطة في دمشق، وتغيّر التموضع؛ من حلف الممانعة إلى الحياد ومغازلة دول الاتفاقيات الإبراهيمية. لكن في التغيرات أيضاً أن الضعف السوري لم يكن مكشوفاً إلى هذه الدرجة من قبل، ولم تكن آفاق ترميمه عسكرياً مغلقة كما هي الآن. ولا يمكن، على سبيل المثال، ادّعاء أن قوة سوريا في ضعفها، على النحو الذي كان يُقال في لبنان، إذا لم نأخذ في الحسبان فشل المقولة لبنانياً. سوريا أضعف من أن يكون لها مشروع جاد للحياد، ومن أن تستطيع إقناع الآخرين به، وقد تعمّدنا في الاستهلال الإشارةَ إلى المرحلة الانتقالية لأنها تؤخذ في حسبان العديد من القوى، ولو أن لتوم باراك رأي سلبي فيما يتعلق باستحقاق شعوب المنطقة للديموقراطية! 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث