ما لم يُناقش حول "اعتصام 17 نيسان" في سوريا

إياد الجعفري الأحد 2026/04/19
Image-1776586386
هل تتحمل سوريا التبني السريع لآليات السوق (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

حرفت نخب وشخصيات محسوبة على السلطة في دمشق، بنجاح، النقاش الذي كان من المفترض أن يدور حول شعارات "اعتصام 17 نيسان"، بعيداً عن مضمونها. فتحول النقاش إلى حيز: هل كان هذا "الاعتصام" مطيّة لـ"الفلول"، أم لا؟، وذلك بدلاً من أن يذهب النقاش إلى حيز: هل يستطيع السوريون تحمّل الكلفة الاقتصادية- الاجتماعية للتحوّل السريع نحو "اقتصاد السوق الحرّ"؟

 

في نقاش مع صديق، دافع عن نموذج التحول وكلفته، وضرب مثلاً، التجربة البولندية، بوصفها "معجزة"، في هذا السياق، قال في معرض دفاعه هذا، إن الكلفة كانت أن "يأكل بعض البولنديين من الزبالة". بوصفها كلفة مؤقتة، أدت لاحقاً –بعد أكثر من عقد- إلى تحقيق واحد من أنجح نماذج التحوّل من الاقتصاد الاشتراكي المخطط إلى اقتصاد السوق الحرّ. وهنا السؤال: هل يستطيع السوريون اليوم تحمّل الكلفة التي دفعت بلداً أوروبياً، لم يكن مدمراً، ولم يكن 90% من شعبه يرزح تحت خط الفقر، يوم قرر الانتقال إلى "السوق الحرّ"، ورغم ذلك، اضطر بعض من شعبه إلى "الأكل من الزبالة"؟ المقارنة مع التجربة البولندية، في الحالة السورية الراهنة، غير موفقة. 

 

ونحن هنا، لا نناقش من زاوية "يسارية" رافضة لفكر التحوّل نحو الاقتصاد الحرّ. لكن نناقش قدرة السوريين على التحمّل، من دون أن تؤدي الكلفة الباهظة إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية قد لا تنجو منها البلاد. فـ "الخلطة" المعتمدة عادةً، في تجارب التحوّل الجذري والسريع نحو "اقتصاد السوق الحرّ"، تُطبق في سوريا، الآن. تحرير للأسعار، خصخصة، خفض للدعم الحكومي، وتحرير للتجارة. والأهم، تشديد للسياسات النقدية. وفي كل التجارب التي طبّقت هذه "الخلطة"، كانت السمات الرئيسة لسنوات التحوّل الأولى، ارتفاع حاد في البطالة ومعدلات الفقر، مرفقة باضطرابات اجتماعية. وفي جميع تلك التجارب، لم يبدأ التحوّل من لحظة كان فيها الفقر بتلك المعدلات الموجودة في سوريا. ورغم ذلك، كثير من تلك التجارب فرملت سرعتها في التحوّل خشية خروج الواقع الاجتماعي، عن السيطرة.

 

لذا، تبدو الحاجة ملحة اليوم، لنقاش هادئ، وتخصصي، حول التكتيك الأمثل لتحقيق التحوّل الاقتصادي بسوريا، بأقل كلفة ممكنة، بصورة تسمح بعدم خروج المشهد الشعبي عن السيطرة، جراء التدهور المعيشي المتسارع. نقاش تخصصي، بعيداً عن وسائل التواصل، ومؤثرييها الشعبويين، عشّاق "اللايك"، أياً كان الثمن.

وبدلاً من الانشغال بـ"جنس" الداعين لـ"اعتصام 17 نيسان"، هل هم "شياطين" أم "ملائكة"؟ لنفكر مثلاً بطاولة مستديرة من الخبراء المحليين المشهود لهم، من مختلف المشارب، يُدعوَن برعاية رسمية، للنقاش حول كلفة التحوّل الاقتصادي، وسبله المثلى، في الحالة السورية، وصولاً إلى الخروج بتوصيات تخصصية قابلة للتنفيذ. ولتكن الأسئلة المطروحة للحوار من قبيل: هل تتحمّل سوريا التبني السريع لآليات السوق، بهدف تعزيز التنافسية لجذب الاستثمارات الخارجية؟ وإن كان ذلك: ما الأدوات التي يمكن اعتمادها للحد من الآثار الاجتماعية لهذا "التبني"؟

 

وبدلاً من من نموذج "الصدمة" السريع، المُعتمد الآن، وصولاً إلى "جس نبض" الشارع، باحتمال "خصخصة" الصحة والتعليم، أليس من الأَوْلى نقاش نماذج أخرى للتحوّل، أقل كلفة من الناحية الاجتماعية؟ ولدينا في ذلك، نموذج التحوّل الصيني، مثلاً. انتقال بطيء، مسيطر عليه، وتدريجي، لا يتسبب بخضّات كبرى في معيشة الناس. ويركّز على الإنتاج –بدأ في الحالة الصينية من قطاع الزراعة-، بدل القطاعات ذات الربحية الأسرع للمستثمرين –الخدمات والتجارة والعقارات-، والتي تحقق أرقام نمو لا تنعكس تنمية متوازنة. ولنا في تجربة حكم الأسد الابن، في العشرية الأولى من القرن الحالي، أكبر درس على هذا الصعيد. من المفترض أننا لم ننسى نتائجه بعد!

والأهم من كل ما سبق، هل ينجح تحوّل اقتصادي سريع، وصادم، بأداء سلطوي، يخلو من الشفافية، وتكتنفه الكثير من مؤشرات المحسوبية والبعد العائلي للتوظيف الحكومي، مرفقاً بإنفاق جلّي على كماليات المسؤولين، من سيارات فخمة ومكاتب فارهة؟!

 

وإن كانت قضية تسعيرة الكهرباء، الدافع الرئيس لكل هذا التدهور المتسارع بشعبية السلطة الراهنة، ألم يحن بعد أوان مراجعة هذا القرار والاستراتيجية التي تكتنفه؟ لنطرح مثلاً السؤال التالي: هل السوريّ ذو الدخل المحدود يفضّل كهرباء حكومية لـ24 ساعة في اليوم، إن كان عاجزاً عن دفع فاتورتها، على كهرباء مقننة بشكل معقول، يستطيع دفع فاتورتها؟! هل تسعير سلع وخدمات أساسية بصورة جاذبة للمستثمر الخارجي، مناسبة في الحالة السورية الراهنة، مع قدرة شرائية منهارة لأغلب السوريين؟!

أسئلة كثيرة كان من المفترض أن يقود "اعتصام 17 نيسان" إلى طرحها للنقاش، والدفع نحو حوار تخصصي – وطني، جامع، عن سبل الانتقال المثلى، بدلاً من تجييش نخب ومؤثري سوشال ميديا، لتعميق الاستقطابات المتجذرة أساساً في المجتمع، كي ينحرف النقاش بعيداً عن هذا السبب الجوهري، الذي يقف وراء خشية السلطة من حشد كبير كان محتملاً في "اعتصام 17 نيسان". فهي تعلم جيداً أن سياسة التحوّل السريع المعتمدة الآن، هي غير شعبية. لكنها تريد الذهاب أبعد، بسياسة "التجريب". وصولاً ربما إلى حافة الهاوية!

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث