اعتصام في دمشق وتمرين على: معارضة وشبيحة مجدداً

عمر قدورالسبت 2026/04/18
Image-1776460027
لا يجوز تحت أي اعتبار تأثيم المتظاهرين (السوشيال ميديا)
حجم الخط
مشاركة عبر

تأخر الأمن العام حتى أتى للفصل بين المتظاهرين ومسيرة موالية، وكانت الكاميرات قبل قدومه قد نقلت مشاهد كثيرة، منها ما يُذكّر بمظاهرات الثورة الأولى، عندما كان شبيحة الأسد يهاجمون المتظاهرين، فيردّون بهتاف: واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد. ومن سخرية القدر أن يردده متظاهرو اليوم وهم يتعرّضون للاعتداءات، ومنها أيضاً أن تُقابل هتافاتهم ومطالبهم بهتاف: قائدنا إلى الأبد.. سيدنا محمد. وأن يُستخدم الهتاف الأخير على نحو مسفّ يذكّر بهتاف مماثل للشبيحة القدامى الذين كانوا يهتفون للأبد الأسدي. أيضاً، في أحد التسجيلات الواردة من ساحة يوسف العظمة، يهاجم أحد الموالين رافعي اللافتات من المتظاهرين بلهجة يقلّد فيها لهجة أهل الساحل، على سبيل السخرية، وإلى جانبه شخص يقول عن المتظاهرين إنهم بلا كرامة.

 

بعد مجيء الأمن العام للفصل بين الطرفين حاول رافعو أعلام هيئة تحرير الشام الحاكمة الاعتداء جسدياً على المتظاهرين، وقبله حصل على الأقل اعتداءان جسديان موثّقان بالكاميرات، واحد منهما تعرضت له صحفية كانت تبثّ مباشرة من الساحة، وانقطع البث مع سماع صوت شخص يتطاول عليها لفظياً، وظهور صورة أخيرة اعتباطية توحي بفقدانها التحكم بالكاميرا. ولئن قام عناصر الأمن بواجبهم بعد مجيئهم، فالمسؤولية تقع على قيادتهم في التأخر، إذ كان موعد التظاهرة مُعلناً منذ نحو أسبوعين، وكان يُفترض بوزارة الداخلية التواجد قبل موعد التجمع بساعة على الأقل، لا بعده بساعة. أما الحديث عن شارع مقابل شارع فلا يستقيم ضمن المعنى المقبول، لأن قيام مجموعة مضادة باحتلال المكان المعلن للتظاهرة والاعتداء على المتظاهرين لهما تسمية مختلفة.

ما حدث في ساحة يوسف العظمة لا يمتّ للعفوية بأدنى صلة، فالدعوة إلى الاعتصام معروفة، والمطالب التي سيرفعها المتظاهرون معلنة أيضاً على صفحة فيسبوك باسم الاعتصام، وهي بمجملها مطالب غير سياسية، يختصرها شعار "بدنا نعيش" بدلالاته المباشرة. لكن ذلك لم يمنع التحريض المسبق على التظاهرة، وقد تصاعد على نحو ملفت "لا يمتّ للعفوية بأدنى صلة أيضاً" في الأيام الثلاثة الأخيرة.

 

المحرِّضون ادّعوا أن التظاهرة هي لفلول الأسد، بالرغم من أن تطبيق العدالة الانتقالية واحدٌ من المطالب العشرين المذكورة في الدعوة إلى الاعتصام، بينما ينص واحد آخر منها على إعادة موظفي القطاع العام المسرَّحين ممن "لم يتورّطوا في جرائم النظام البائد"، وهذه الصياغة المنقولة حرفياً واضحة في الإشارة إلى جرائم الأسد ومجرميه، ولا يُنتظر صدورها عن فلول حسب ادّعاءات موالي السلطة. إلا أن الأخيرين بقوا مصرّين على اتهاماتهم، وصاروا يتحدّثون عن المطالب "المحقة"، بوصفها حقاً يُراد به باطل، وهذه صيغة أخرى تكررت على صفحات المحرِّضين على المتظاهرين ووصفهم بالفلول.

نعرف على نحو شخصي نساءً ورجالاً بين المتظاهرين ممن ليسوا فلولاً، بل كانوا طوال الوقت من أنصار الثورة على الأسد، والبعض منهن ومنهم قضى سنوات طويلة في معتقلاته. وإذا نحّينا جانباً ما نعرفه على نحو شخصي، لا يجوز تحت أي اعتبار تأثيم المتظاهرين، ومحاسبتهم على نوايا لم يعلنوها هم في أي وقت، وعلى ميول سياسية لا ينسبوها لأنفسهم إطلاقاً.

 

وإذا مضينا إلى الآخر؛ أي مع ادّعاء كونهم فلولاً؛ فإما أن يكونوا مذنبين، ومكانهم هو القضاء، وتقديمهم له مسؤولية السلطة. أو أنهم لم يرتكبوا جرماً يقتضي محاكمتهم، وبالتالي لهم جميع حقوق المواطنة، بما فيها حق التظاهر المطلبي أو السياسي، من دون أن يُقابلوا بتحريض مبطّن بالعنف. فمن المعلوم أن اتهام الفلول، منذ آذار 2025، صار له مغزىً شديد الوضوح لجهة استباحة المتهمين، ومن وقتها صار الاتهام يُستخدم اعتباطياً لترهيب كل مَن تسوّل له نفسه إبداء رأي لا يروق لجماعة الموالاة.

في حده الأدنى، المُراد من الاتهام هو تجريد المتهمين من أية أحقّية سياسية، وليست بعيدة مظاهرة باب توما التي احتج فيها المتظاهرون على قرارات لمحافظة دمشق تمسّ الحريات الشخصية، فحينها انطلقت الماكينة ذاتها لوصمهم بالفلول والسكرجية. وفي كل مناسبة تُخترع الأعذار لمنع أي تحرك يعترض على أداء السلطة، مع أن ما يُطرَح من قبل المعترضين يتوقف عند مطالب معيشية، وأخرى تنتقد الفساد والمحسوبيات في أداء السلطة، ويحضر غالباً انتقاد تدوير شخصيات من النظام السابق ضمن السلطة الحالية، وعدم الشروع في برنامج جاد للعدالة الانتقالية. باختصار، لم تُطرح في كافة التظاهرات حتى الآن مطالب تذهب إلى بنية السلطة الحاكمة، أو إلى النظام السياسي، بالرغم من أن البلد في مرحلة انتقالية يُفترض أن تضع هذا الاستحقاق ضمن الاهتمام الشعبي العريض.

 

وخارج مناسبات الاعتراض القليلة، لا يتوقف موالو السلطة على التلويح بأمرين، أولهما الدعم الدولي الواسع الذي تحظى به، بما في ذلك الدعم الروسي. وثانيهما التلويح بشعبيتها في الداخل، ولدى جمهور الأكثرية السنية تحديداً. والجمع بين الأمرين يُفترض أن يجعل الموالين في حالة رضا واسترخاء، فلا يشعرون بالقلق والخوف من تحركات لا تشكّل خطراً على السلطة، لا داخلياً ولا خارجياً. إن بضعة آلاف من المعارضين ليسوا رقماً يُذكر مقابل ما يُروَّج عن رسوخ السلطة، إلا إذا كانت شيطنة المعارضين تهدف إلى الإبقاء على صوت الموالين فقط، وهذا هو الاستبداد بصريح العبارة.

المخجل والمزري، على صعيد العقل قبل الأخلاق، أن يطالب مَن يزعمون بأنهم من ثوار الأمس بأن يصمت بعض محتجي اليوم لأنهم صمتوا يوماً على جرائم الأسد. فهذا أولاً يطعن بسردية التحرير التي يتغنّون بها، ويطعن بفكرة الثورات عبر التاريخ، الثورات التي تكون نتائجها للجميع. وإذا تذكرنا أن ثلثي السوريين كانوا تحت حكم الأسد، فهذا يعني ببساطة تجريدهم من أحقيتهم السياسية، وإقامة نظام فصل عنصري يُحرمون فيه من حقوقهم، ولو أنه نظام فصل في الإطار المعنوي لا القانوني.

 

لقد قيل من قبل إن الثورة كاشفة، لكن الموروث الشعبي يقول أيضاً إن السلطة كاشفة، فالنهم إليها كاشف، والتوحّش في ممارستها كاشف. ولا مبالغة في أن اعتصام دمشق نجح أكثر بكثير مما أراد المنظّمون، نجح إذ كان مناسبة ليكشف عن تبادل الأدوار، على نحو كان من العسير تخيّله قبل سنة ونصف.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث