1993- 2026: لبنان بين مقاومة بلا نهاية وهدنة بلا قرار

سالي عليالجمعة 2026/04/17
Image-1776325268
لبنان كيان يحاول أن يكون دولة، فيما لا يزال يعيش كجبهة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ليس المشهد عادياً، ولا يمكن تبسيطه كخبر دبلوماسي عابر. في واشنطن و داخل مبنى وزارة الخارجية الأميركية، جلسَ وفد لبناني قبالة وفد إسرائيلي، للمرة الأولى بهذا الشكل المباشر منذ عقود، يتحدثان عن الحرب، عن وقفها، أو عن إدارتها. في اللحظة نفسها تقريباً، كانت الصواريخ تُطلق من الجنوب. ليس مجازاً. ليس توصيفاً أدبياً. بل واقعاً حرفياً؛ لبنان كان يتفاوض ويقاتل في الوقت نفسه. هذه ليست مفارقة بل هذه هي القصة.

 

اللقاء الذي عُقد يوم الثلاثاء لم يكن بداية سلام كما قد يحاول البعض تسويقه، ولا خيانة كما أراد له آخرون أن يُختصر. كان شيئاً أكثر قسوة؛ كشفاً فجّاً لطبيعة النظام اللبناني كما هو اليوم. دولة تحاول أن تتكلم، وبلد آخر داخلها يرفض أن يصمت. الوفد اللبناني ذهبَ إلى واشنطن وهو يحمل هدفاً واضحاً؛ وقف إطلاق النار. ليس تفاوضاً على الحدود، ولا اتفاقاً تاريخياً، بل هو مجرد محاولة لوقف النزيف. في المقابل، لم تذهب إسرائيل إلى المكان نفسهُ بالنية ذاتها. كانت تتحدث عن ترتيبات أمنية، عن نزع سلاح، عن شكل الجنوب بعد الحرب، لا عن نهايتها. كأنّ الطرفين دخلا إلى غرفة واحدة، لكن كل واحد منهما كان يقرأ من كتابٍ مختلف تماماً. وهنا تحديداً، يبدأ الخلل. لأنّ التفاوض، في الحد الأدنى، يحتاجُ إلى أرضية مشتركة. ما جرى في واشنطن كان العكس تماماً؛ تفاوض بلا نقطة التقاء، بلا تعريف موحد لماهية المشكلة نفسها. لبنان يريد أن يوقف الحرب. إسرائيل تريد أن تعيد تشكيل شروطها.

 

لكنّ المشكلة الأعمق لم تكن هنا. ففي اللحظة التي كان فيها هذا التباين واضحاً على الطاولة، كان هناك تباين أكثر حدّة خارجها. حزب الله، الذي لا يمثل مجرد طرف سياسي إنّما قوة عسكرية فعلية على الأرض، لم يكتفِ برفض المسار، بل ذهب أبعد من ذلك. وُصف هذا اليوم بأنه "يوم عار على كل اللبنانيين". عبارة ثقيلة، ليست تفصيلاً خطابياً. هي إعلان قطيعة كاملة مع ما حدث، ومع من شارك فيه، ومع الفكرة نفسها؛ فكرة التفاوض.

حين يُقال عن حدثٍ دبلوماسي إنه "عار"، فهذا لا يعني فقط رفضه، بل نزع شرعيته الأخلاقية بالكامل. أي أنّ المشكلة لم تعد في شروط التفاوض، بل في مبدأه. وهذا يضعُ لبنان أمام انقسام لا يمكن ترميمه بسهولة؛ ليس خلافاً على كيفية التفاوض، بل على ما إذا كان يجب أن يحدث أصلاً. في هذه النقطة تحديداً، يصبح من العبث طرح السؤال التقليدي؛ من على حق؟ لأنَّ الطرفين، في الواقع، يتحركان ضمن منطقين لا يلتقيان.

 

الدولة اللبنانية، بوفدها الرسمي، تتصرف كدولة تحاول أن تستعيد دورها الطبيعي؛ التفاوض، إدارة الأزمة، البحث عن مخرج. لكنها تفعلُ ذلك من موقع ناقص. فهي لا تملك القرار الكامل بالحرب، ولا القدرة على فرض نتائج التفاوض على الأرض. بمعنىً أدقّ، هي تفاوض على واقع لا تسيطر عليه بالكامل. في المقابل، حزب الله يتصرف كقوة تعتبر أنّ التفاوض في ظل الحرب ليس حلاً بل استسلاماً. منطقه واضح؛ لا يمكن أن تفاوض وأنت تحت النار، لأنك بذلك تقرّ بشروط خصمك مسبقاً. لكن هذا المنطق نفسه يتجنب سؤالاً موازياً: إلى أين تقود الحرب إذا لم تكن هناك نهاية تفاوضية لها؟

هنا، لا يعود التناقض سياسياً فقط، بل يصبح بنيوياً. لبنان لا يعيش انقساماً بين رأيين، بل يعمل بنظامين في آن واحد. نظام يقول إنّ الأولوية هي وقف الحرب، ونظام يقول إنّ الحرب هي الطريق الوحيد لتغيير المعادلة. كلاهما يتحدث باسم لبنان، وكلاهما يلغي الآخر في الوقتِ نفسه.

 

النتيجة ليست توازناً، بل شلل. والأخطر من ذلك أنّ هذا الشلل لم يعد شأناً داخلياً فقط. في واشنطن، لم يكن الأميركيون يتعاملون مع لبنان ككتلة واحدة. كانوا يدركون تماماً أن من يجلس على الطاولة لا يمثل كلّ ما يحدث على الأرض. والإسرائيليون أيضاً. وهذا بحد ذاته يغيّر قواعد اللعبة! حين يفقد الطرف المفاوض القدرة على تمثيل قراره الكامل، يتحول التفاوض إلى مجرد تمرين دبلوماسي، لا أكثر. وهذا ما يفسر لماذا لم يخرج الاجتماع بأيّ نتيجة فعلية. لا وقف إطلاق نار، ولا بياناً مشتركاً، ولا حتى اتفاق على الخطوة التالية. لأنّ المشكلة لم تكن في التفاصيل، بل في الأساس. لا يمكنك أن تفاوض باسم دولة، بينما جزء أساسي من قرارها خارج الطاولة. ومع ذلك، لا يمكن اختزال ما جرى بأنه فشل بسيط. لأنه، في جوهره كان عبارة عن لحظة تعرية. لحظة ظهر فيها لبنان كما هو فعلاً: كيان يحاول أن يكون دولة، فيما لا يزال يعيش كجبهة. وإذا كان توصيف "يوم العار" يعكس غضب طرف يرى في التفاوض تنازلاً فإنّ مشهداً آخر يوازيه تماماً؛ لبنانيون يرون في أيّ فرصة لوقف الحرب ضرورة، لا خيانة. بين هذين الموقفين، لا توجد مساحة وسطى واسعة كما يُخيّل. هناك فجوة، تتسع بسرعة.

 

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كان هذا المسار سينجح أو يفشل. بل ما إذا كان لبنان، بصيغته الحالية، قادراً أصلاً على خوض أي مسار موحد. لأنّ ما حدث يوم الثلاثاء كشف شيئاً أكثرَ خطورة من فشل تفاوض؛ كشف أنّ القرار نفسه منقسم. قد تستمر اللقاءات، قد تتوقف و قد تتصاعد الحرب أو تهدأ. لكنّ ما أصبح واضحاً أنّ المشكلة لم تعد فقط في العلاقة مع إسرائيل، ولا في شروط أميركية أو ضغوط دولية. المشكلة باتت داخلية، في تعريف لبنان لنفسه.

هل هو دولة تملك قرارها حتى لو كان قراراً صعباً؟ أم ساحة تتقاطع فيها قرارات متعددة، لا يجمعها مسار واحد؟ في واشنطن، جلس لبنان على الطاولة. في الجنوب، بقي على الجبهة. وبين الاثنين، لم يكن هناك جسر، بل فقط فراغ يتسع ويبتلع فكرة الدولة نفسها شيئاً فشيئاً.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث