سابقة قضائية فرنسية: عن شركة "لافراج" وتمويل "داعش"

ميشال شمّاسالأربعاء 2026/04/15
Image-1776187287
أدانت المحكمة لافارج بتهمة تمويل جماعات إرهابية (الصورة: المدير التنفيذي السابق لشركة لافارج الفرنسية، Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

الحكم الذي أصدرته محكمة باريس الجنائية بحق شركة لافارج كشف عن طبيعة العلاقة التي نسجتها الشركة مع الجماعات الجهادية في سوريا، خلال أكثر سنوات الحرب دموية. فقد أدانت المحكمة لافارج، بتهمة تمويل جماعات إرهابية بمبلغ تجاوز 5.5 ملايين يورو بين عامي 2013 و2014. وفرضت عليها أقصى غرامة مالية، وأصدرت أحكاماً بالسجن تراوحت بين ثلاث وست سنوات على المسؤولين التنفيذيين السابقين للشركة، وأربعة أشخاص آخرين، بينهم اثنان من مسؤولي الأمن المحليين واثنان من الوسطاء، أحدهما رجل الأعمال السوري فراس طلاس، الذي اعتبرته المحكمة حلقة محورية في شبكة المدفوعات. في إشارة واضحة إلى أنَّ ما جرى لم يكن خطأ تقدير ولا استجابة اضطرارية لظروف الحرب، بل قراراً واعياً بتمويل جماعات مسلّحة مقابل استمرار الإنتاج.

 

هذه الإدانة، بكل ما تحمله من تفاصيل وأحكام، قرأتها المحكمة بوصفها نموذجًا مكتملاً لاقتصاد حرب تعامل مع الجماعات الجهادية كما لو كانت طرفاً تجارياً يمكن التفاوض معه، ما دام ذلك يضمن حماية الاستثمار. وهنا تكمن خطورة القضية: لا لأنها كشفت عن ملايين اليوروهات التي تدفقت إلى داعش فحسب، بل لأنها كشفت أيضاً عن عقلية اقتصادية تعاملت مع الحرب السورية كبيئة عمل قابلة للاستثمار والإدارة، لا ككارثة إنسانية وأخلاقية. فالشركة، كما أظهرت الوثائق التي استعرضتها المحكمة، لم تكن ضحية حرب ولا طرفاً مكرهاً، بل كانت فاعلاً اقتصادياً اتخذ قرارات محسوبة للحفاظ على استثماراته، حتى لو كان ذلك يعني التعامل مع جماعات مصنّفة إرهابية. هذا التفصيل وحده يكفي لتغيير زاوية النظر: فلافارج لم تكن تتحرك تحت ضغط السلاح، بل تحت ضغط السوق، ولم تكن تسعى لحماية موظفيها بقدر ما كانت تسعى لحماية موقعها في سوق اعتقدت أنها ستستعيد استقرارها قريباً.

هذا الحكم لا يمكن قراءته كقضية جنائية عادية تخص شركة أجنبية تورّطت في "تجاوزات" خلال الحرب السورية. فما تكشّف في قاعة المحكمة يتجاوز حدود الملف القضائي، فهو يقدّم نموذجاً فاضحاً لكيف يمكن للاقتصاد أن يتحوّل إلى شريك مباشر في إنتاج العنف، حين تُدار الشركات بعقلية الربح بأي ثمن، حتى لو كان هذا الثمن هو تغذية واحدة من أكثر الحروب دموية في العصر الحديث.

 

ومن هنا، يأخذ الحكم بُعداً يتجاوز فرنسا وسوريا معاً. فهو يوجّه رسالة واضحة إلى الشركات متعددة الجنسيات: لن يُسمح لكم بالتذرّع بشعارات البراغماتية وحماية الاستثمار والحفاظ على الوظائف لتبرير تحويل الأموال إلى جماعات مسلّحة، ثم الاختباء وراء خطاب "كنا تحت الضغط". ما قامت به لافارج لم يكن فعلاً اضطرارياً لرد خطر داهم، بل استراتيجية واعية لشراء استقرار موهوم في منطقة تنهار فيها الدولة، وتتمزق فيها المجتمعات، وتتصاعد فيها سلطة السلاح على حساب القانون.

والمفارقة المؤلمة أن كل هذه البراغماتية التي ادعتها الشركة انهارت في لحظة واحدة. ففي أيلول 2014، اضطرت لافارج إلى إخلاء مصنعها على عجل بعد تمدد سيطرة تنظيم داعش في شمال سوريا. وفي اليوم التالي للإخلاء استولى التنظيم على المصنع الذي سعت الشركة لحمايته بكل الوسائل، ليصبح جزءاً من موارده. الأموال التي دُفعت لتأمين الاستثمار انتهت عملياً إلى تمويل القوة التي استولت على الاستثمار ذاته، وتحول المصنع إلى لبنة في اقتصاد تنظيم إرهابي.

 

ما الذي يعنيه هذا الحكم لنا اليوم؟

أولاً- يؤكد الحكم أن الشركات ليست كيانات محايدة تعمل في الفراغ. في الحروب، تتحوّل القرارات الاقتصادية إلى أفعال سياسية وأخلاقية بامتياز. حين تقرر شركة أن تبقى في منطقة نزاع مهما كان الثمن، فإنها تدخل عملياً في شبكة علاقات مع القوى الأكثر قدرة على فرض الأمن هناك. فكل دولار يُدفع تحت عنوان "تكلفة تشغيلية" قد يتحوّل إلى رصاصة في بندقية، أو راتبًا لمقاتل، أو وقوداً لمركبة عسكرية.

ثانياً- القضية تفضح ضعف خطاب المسؤولية الاجتماعية والاستدامة حين لا يُترجم إلى سياسات ملزمة وآليات رقابة جدية على الأنشطة في مناطق النزاع. ما جدوى تقارير براقة عن البيئة والحوكمة إذا كان في إمكان شركة أن تموّل جماعات إرهابية ثم تواصل تقديم نفسها كمستثمر ملتزم بالمعايير؟ لافارج ليست حالة فردية بقدر ما هي جرس إنذار: من دون قوانين صارمة تُجرّم تمويل العنف وتفرض واجب العناية بحقوق الإنسان في كل مراحل الاستثمار، سيبقى الباب مفتوحاً أمام شركات أخرى لتكرار التجربة في نزاعات مختلفة.

ثالثاً- الحكم يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية إعادة تعريف حدود ما هو مقبول في"اقتصاد الحرب". فالحروب المعاصرة لم تعد مواجهات بين جيوش دول فقط، بل شبكات معقدة من الفاعلين: دول، وجماعات مسلحة، وشركات، ووسطاء ماليين، ومصارف، وشبكات تهريب. وإذا كانت المحاكم قادرة اليوم على إدانة شركة كبرى بتمويل الإرهاب، فهذا ينبغي أن يُستكمل بتشريعات عابرة للحدود تجعل من المستحيل تقريباً على الشركات الاختباء خلف تعقيد سلاسل التوريد أو تعدد الوسطاء.

 

قضية لافارج في جوهرها تطرح سؤالاً حاسماً: هل يمكن أن نسمح للعالم بأن يعتاد فكرة أن الحروب أسواق مفتوحة، وأن المدن المدمرة والطرق المقفلة والناس المشرّدة مجرد عناصر في معادلة تجارية؟

محكمة باريس أجابت "لا" بوضوح. لكنها ذكّرتنا أيضاً أن القانون وحده لا يكفي. فالمطلوب وعي عام، وإعلام فاعل، ومجتمع مدني نشط، ومستثمرون لا يخشون محاسبة الشركات التي تبني أرباحها على أنقاض الآخرين.

ربما تكون هذه القضية بداية مسار أطول لمساءلة الفاعلين الاقتصاديين في سوريا وغيرها من مناطق النزاع. وإذا كان هناك من نتيجة إيجابية لهذا الحكم، فهي أن العالم بات يمتلك سابقة قضائية وأخلاقية يمكن أن تُستخدم لردع من يفكر في تحويل الحروب المقبلة إلى فرص تجارية جديدة. فالخراب ليس سلعة، والدم ليس بنداً في ميزانية تشغيل. ومن لا يدرك هذه الحقيقة طوعاً، عليه أن يواجهها في ساحات القضاء، كما واجهتها لافارج في باريس.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث