جاء الأميركيون والإيرانيون إلى مفاوضات إسلام آباد، إثر هدنة في حرب بلغت مرحلة شبه المراوحة مكانها. كل من الفريقين حمل معه إلى قاعة المفاوضات ما يراه نصراً، واستبق كل فريق نصره بقائمة الشروط التي يستحقها هذا النصر برأيه. الفريق الإسرائيلي الثالث، الذي بقي خارج قاعة المفاوضات جسدياً، هو الآخر اعتبر نفسه منتصراً، وإن كان البعض رأى فيه الخاسر الوحيد بين أطراف الحرب.
على الرغم من "انتصار" أطراف الحرب الثلاثة، إلا أن كلاً منهم اعتبر أن الحرب توقفت قبل أن ينجز نصره. ترامب أعلن هدنته بعد أن اعتبر أن أهداف الحرب قد تحققت، وأصبحت إيران ناضجة للبصم على بنوده الخمس عشرة. ولم يجرؤ نتناهو على عدم الالتزام بهدنة ترامب، بل واسترسل في تعداد إنجازاته في الحرب، لكنه اعتبر أنه لم يحقق كل أهدافه، وأبقى جيشه على أهبة الاستعداد لاستئناف القصف والهجومات في الحرب التي لم تنته برأيه. وعلى الرغم من كل ما لحق بنظام الملالي من ضعف وهوان، وما جرته الحرب على الإيرانيين من موت وتدمير، اعتبر نفسه منتصراً، وأبلغ الأميركيين شروط انتصاره العشرة، واستعداده لمواصلة الحرب إن هم ارتأوا أن الحرب لم تنته بعد.
لكي تنتهي أي حرب بالسلام، يتحتم أن يخرج أحد أطرافها مهزوماً. وفي نهاية الحرب لا تعقد مفاوضات بين منتصرين، بل بين منتصر ومهزوم. وكان من المستحيل أن تنتهي مفاوضات إسلام آباد بغير ما انتهت إليه من تحديد كل طرف معالم انتصاره التي تفترض أن استمرار الحرب بصيغة أو بأخرى، شرط لإنجاز انتصاره. وتطلب الأمر 3 جولات من النقاش امتدت على مدى 21 ساعة في محاولة لتلمس معالم الآتي بعد فشل المفاوضات: تمديد هدنة الأسبوعين لما بعد 21 الجاري، عقد جولات جديدة من المفاوضات أم اسئناف الحرب بصيغتها السابقة، أو بصيغ جديدة أشد شراسة.
ما انتهت إليه مفاوضات إسلام آباد، لا تختلف عما انتهت إليه مفاوضات جنيف التي استدعت الحرب. وعلى الرغم من أن الجولة الحالية قد تكون أوقفت الحرب مؤقتاً، إلا أنها، وكما سابقتها، أثبتت أن نظام الملالي غير قابل للحوار، بل يستخدمه لاستعادة أنفاسه وإرهاق أعصاب العدو. وهو، كما نتنياهو، يخشى نهاية الحرب، إذ يدرك جيداً أن الإيرانيين بانتظاره في الداخل. وقد تختلف احتجاجاتهم هذه المرة عن سابقاتها الدموية الكثيرة، إذ سيواجهون نظاماً أنهكته الحرب ومرغت عمائم الملالي بالتراب وحطام الدمار. وهم بالتأكيد لا يعولون على مساعدات موساد نتنياهو، ولا على وعود ترامب بالقضاء على الحضارة الفارسية، مما عزز النظام وأدى للإيرانيين خدمة الدب. ويستكمل ترامب خدمة الدب هذه، إذا صحت الأنباء المتداولة التي تنسب إليه البحث في حجم التعويضات التي يطالب بها نظام الملالي. ويخشى الإيرانيون وشعوب المنطقة التي لا تزال تعاني من أذرع النظام، من أن تتوصل الجولات الجديد التي قد تعقد لاحقاً من أن يتم التوافق خلالها على عقد صفقة نووية جديدة، يتم بموجبها، كما في الصفقة السابقة، الإفراج التدريجي عن العقوبات المفروضة على النظام. وكان من البديهي أن ينفق الملالي تلك الأموال على دعم أذرعهم في المنطقة، وليس على تمويل حاجات الإيرانيين.
ترامب الذي رأى في جولة مفاوضات إسلام آباد بعض إيجابيات لم تغط على فشلها، قرر الرد على تعنت نظام الملالي بحصار مضيق هرمز والموانئ الإيرانية. ووصف النظام الحصار الذي بدأ أمس بأنه إجراء مخالف للقانون الدولي، وتوعد بحثّ ذراعه الحوثي في اليمن على إقفال باب المندب وتعطيل الملاحة في البحر الأحمر. لكن الأخطر من ذلك أنه، في حال المس بصادراته النفطية، توعد بقصف المنشآت النفطية في بلدان الخليج المجاورة.
لكن ترامب لم يتمكن من الحصول على دعم حلفائه الأوروبيين في حصار مضيق هرمز. إضافة إلى أن الخبراء يحذرون من العواقب الاقتصادية لهذا الحصار وانعكاسه السلبي على أسعار المحروقات، مما يشدد من اعتراض الأميركيين على مآل الحرب على نظام الملالي وعواقبها على ارتفاع أسعار المحروقات ومعدلات التضخم في الولايات المتحدة. كما يذكر الخبراء بأن مهلة التسعين يوماً التي يمنحها الدستور الأميركي للرئيس بإعلان حرب من دون الرجوع إلى الكونغرس، قد قاربت على الانتهاء، مما يهدد الحصار بتقصير مدته اللازمة لإثبات فعاليته.
وسائل الإعلام الروسية الموالية للكرملين رأت أن مفاضات إسلام آباد قد انتهت إلى الفشل في الخروج بنتائج ملموسة. فقد عنونت صحيفة kommersant الاتحادية نصها عن المفاوضات بالقول "إسلام آباد مؤجلة النتائج". وتساءلت صحيفة الأعمال الروسية الكبرى vedomosti في عنوانها في 13 الجاري عن سبب فشل الجولة الأولى من المفاوضات الأميركية الإيرانية.
نقلت صحيفة الأعمال عن الباحث في مركز دراسات الشرق الأوسط الروسي إيليا فاسكين (Ilya Vaskin) اعتباره أن حصار ترامب مضيق هرمز قد يؤدي إلى إلحاق الضرر ببلدان الخليج الصديقة للولايات المتحدة. وقال إن الحصار سيفضي إلى انخفاض مداخيل هذه البلدان من تصدير النفط والغاز. ومن المحتمل أن تحاول هذه البلدان الضغط على ترامب لفك هذا الحصار. لكن ليس من المؤكد أن ترامب سيخضع لهذه الضغوط.
كما نقلت أيضاً عن رئيس تحرير موقع "إيران 1979" الإلكتروني إسماعيل غيبادولين ( Gibadullin) قوله إن المفاوضات الإيرانية الأميركية في هذه المرحلة كان محكوم عليها بالفشل منذ البداية. ورأى أن الأطراف لم تكن مستعدة بعد لاتفاق جدي، وقد اتضح ذلك في الساعات الأولى بعد بدء وقف إطلاق النار، عندما واصلت إسرائيل شن ضربات مكثفة على مواقع حزب الله في لبنان. وقال إنه حتى لو كان لدى القيادة الأميركية موقف واحد موحد كانت مستعدة لتبنيه في عملية التفاوض، فإن إسرائيل، المحرك الرئيسي لهذه الحرب الإقليمية، ليست مهتمة بالحوار الأميركي الإيراني لأنها تعتقد أنها لم تحقق أيًا من أهدافها في الصراع.
ويفترض غيبادولين، أن الحوار الأميركي الإيراني المثمر لن يكون ممكناً إلا بعد أن تُقرّ القيادة الإسرائيلية بحجم فشلها الاستراتيجي. ويشير إلى أن كلا من الطرفين حالياً غير مستعد لتقديم تنازلات من دون إلحاق ضرر جسيم بالطرف الآخر.
كما نقلت الصحيفة أيضاً عن المتخصصة بالشؤون الإيرانية أناستاسيا كيسليتسينا (Anastasia Kislitsyna) قولها إن حقيقة إجراء مفاوضات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران بعد 40 يوماً من الحرب، هو حدث غير مسبوق في حد ذاته، ودليل على فشل دبلوماسية الضغط الأميركية. وفي رأيها، أنه على الرغم من عدم وجود اتفاق بين الطرفين، فإن استمرار الحوار الأميركي الإيراني لن يكون ممكناً إلا بعد تصعيد مسلح آخر. وفي غضون ذلك، يبدو أن السياق الحالي غير مقنع بما يكفي لترامب لإنهاء الحرب. فإيران تمتلك مع حلفائها الإقليميين الوسائل اللازمة للرد على هذه التحديات. لذلك، برأيها، سيتعين علينا انتظار تشكل الظروف المناسبة للتوصل إلى الصفقة. لكن من الواضح الآن أن الأمر سيتطلب جهداً دبلوماسياً جماعياً هائلاً لتحقيق الاستقرار في الوضع.
تعود الصحيفة إلى الخبير إسماعيل غيبادولين، وتنقل عنه قوله إنه من المرجح جداً أن يؤدي انتهاء وقف إطلاق النار إلى ارتفاع كبير في مستوى التصعيد في المنطقة.




