لماذا لم تنتهِ الحرب الأهلية في لبنان فعلياً؟

ليلى نقولاالأربعاء 2026/04/08
5bfb400a-51b3-496d-aac-6952a30859cd.jpg
السلام الحقيقي يحتاج إلى شجاعة مواجهة الماضي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مع كل أزمة سياسية أو أمنية تهزّ لبنان، يعود الشبح نفسه ليخيّم على وجدان اللبنانيين: الخوف من الفتنة، ومن الانزلاق مجدداً إلى أتون حرب أهلية ظنّ كثيرون أنها طُويت إلى غير رجعة. هذا الخوف لم يعد مجرّد هاجس عابر، بل تحوّل إلى ردّة فعل تلقائية وقلق عميق يُستحضر كلما تأزّم الوضع الإقليمي أو اختلّ التوازن الداخلي.

لكن هذا الخوف المستدام ليس وليد ذاكرة الحرب الأليمة وحدها، بل يضاف اليه أنه نتيجة مسار مبتور وفاشل في التعامل مع تجربة الحرب الأهلية وما نتج عنها وكيف توقفت. لا تكمن المشكلة الجوهرية فقط في أن اللبنانيين اقتتلوا فيما بينهم، بل في أنهم لم يقوموا بتقييم تجربة الحرب تقييماً جدّياً يسمح باستخلاص العبر وتحويلها إلى مناعة جماعية ضد تكرار المأساة.

 

عدالة انتقالية فاشلة

واليوم، وفي ظل الحرب الإسرائيلية على لبنان، والتشنج الداخلي المرافق لها، لا يمكن فهم هشاشة السلم الأهلي في لبنان من دون التوقّف عند تجربة ما بعد الحرب، وبشكل خاص عند آليات العدالة الانتقالية التي قام بها اللبنانيون للانتقال من الحرب الى السلم. لعل تلك المرحلة بخطورتها توازي خطورة الحرب الأهلية نفسها، إذ بدلاً من أن تكون مرحلة تأسيس لمصالحة وطنية حقيقية، جاءت مثقلة بالتنازلات، ومفرغة من جوهر العدالة، وأسست لما نعيشه حالياً من قلق وانهيار وغياب المساءلة.

يشكّل العفو العام الشامل حجر الأساس في غياب الدولة الحقيقية التي نعيشها اليوم. فعوض أن يكون العفو جزءاً من مسار متكامل للحقيقة والمساءلة والمصالحة، وبدل من تركيزه على العدالة للضحايا، تحوّل إلى أداة للإفلات من العقاب وطمس الحقائق، ولم يتم طرح الاسئلة الأساسية والبديهية: ماذا حصل؟ ولماذا؟ ومن يتحمّل المسؤولية؟ 

الأخطر من ذلك، أنّ هذا العفو لم يترافق مع أي اعتراف بالذنب، لا فردياً ولا جماعياً، ولم يشترط واضعوه على مَن يمنحونهم العفو أن يكشفوا عن مصير آلاف المفقودين والمخفيين قسراً (أقلّه) كجزء من جبر الضرر. لم نسمع اعتذارات، ولم نشهد اعترافات، ولم يُفتح نقاش وطني صريح حول معنى ما ارتُكب باسم الطوائف أو الجماعات أو "الواجب الوطني". هكذا، أُقفِل الملف قانونياً، لكنه يبقى مفتوحاً أخلاقياً وسياسياً. 

وهكذا، في ظل هذا الإنكار الجماعي، أُعيد إنتاج أمراء الحرب في الحياة العامة، لا كفاعلين تحمّلوا مسؤولية العنف، بل كـَ "أبطال تاريخيين" في سرديات خاصة تُروّج وتُستثمر شعبوياً. غياب المحاسبة منحهم شرعية رمزية، وغياب الحقيقة منحهم القدرة على إعادة كتابة التاريخ وصناعة "البطولات". وهو نفسه العفو عن الجرائم الجنائية، الذي هيأ لما نعيشه من عفو "بحكم الأمر الواقع" عن الجرائم المالية التي ارتكبت بحق خزينة الدولة وسرقة أموال المودعين فيما يوصف بأنها "سرقة القرن".

تكمن خطورة غياب آليات المساءلة والمحاسبة، وغياب أي شكل من العدالة الانتقالية هو فقدان الردع، فمن لا يُحاسَب، لا يتّعظ. ومن لا يُجبر على مواجهة أفعاله وارتكاباته، يظل مستعداً لتكرارها. لذلك، ليس مستغرباً أن نشهد، كلما اشتدّ التوتر الإقليمي أو تصاعدت الاستقطابات الداخلية، جرأةً متجدّدة في الخطاب الطائفي والغرائزي، واستعداداً مقلقاً للذهاب بعيداً في اللعب على حافة الفوضى والفتنة، وأصواتاً تدفع اللبنانيين الى حافة الحرب الأهلية دفعاً.

 

المصالحة المؤجلة

وبالرغم من الأصوات النشاز التي تملاً الحيّز العام، يبدو اللبنانيون -بمعظمهم- قلقين من العودة الى الحرب الأهلية ولا يريدونها. لكن الخوف من الحرب قد يمنع الانفجار أحياناً، لكنه لا يبني سلاماً دائماً. السلام الحقيقي يحتاج إلى شجاعة مواجهة الماضي، لا الهروب منه. يحتاج إلى ذاكرة نقدية، لا ذاكرة انتقائية. ويحتاج قبل كل شيء إلى اعتراف بأن ما جرى لم يكن قدراً، بل نتيجة خيارات وسياسات وأفعال بشرية قابلة للمساءلة وأن تكرارها خطيئة.

وعليه، ما لم يُنجز لبنان هذه المصالحة المؤجّلة مع تاريخه، سيبقى سجين حلقة مفرغة: أزمة، خوف، تسوية مؤقتة… ثم أزمة جديدة. أما كسر هذه الحلقة، فيبدأ بالاعتراف بأن الحرب الأهلية لم تُقَيَّم، وأن الدرس لم يُستخلص، وأن العدالة المؤجّلة لا تسقط، بل تتراكم. وإن الطبقة السياسية التي تجتّر نفسها وخطاباتها، باتت تعتاش على الأزمات، وتولّدها لتعتاش عليها، وهكذا دواليك، حتى سرقت أحلام اللبنانيين ومستقبلهم بوطن يعيشون فيه بكرامة وأمان.

في النتيجة، تجارب الشعوب، بذاتها، لا تعلّم، والألم وحده لا ينتج وعياً، والذاكرة العاطفية لا تصنع سياسات عقلانية. ما يعلّم فعلاً هو تقييم التجربة: تفكيك أسبابها، تحديد المسؤوليات، الاعتراف بالأخطاء، وبناء سردية وطنية مشتركة حول ما جرى. لكن، حين يغيب هذا التقييم، تتحوّل التجربة إلى جرح مفتوح، قابل لإعادة النزف في أيَّة لحظة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث