"ستموت حضارة كاملة الليلة"!

شادي لويسالأربعاء 2026/04/08
Image-1775634861
يتبع ترامب سياسة "الرجل المجنون" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

عبر تدوينة، يهدد الرئيس الأميركي بإفناء بلد كامل، عدد سكانه يكاد يكون تسعين مليون نسمة، ويعد بأن لا تقوم لها قائمة مرة أخرى. لكن ترامب لا يسمي إيران بلداً ولا أمة، بل "حضارة". هل يتعلق الأمر باللغة التي صاغت نظرية صدام الحضارات؟ أم أن الحضارات فكرة أكثر تجريداً، يمكن تصور ميلادها وموتها، من دون شعور بذنب أخلاقي أو تعقيدات القانون الدولي لو كان الأمر يتعلق بدولة أو بشعب. قبلها، حين سئل ترامب كيف لا يكون قصف الأهداف المدنية جريمة حرب، أجاب: "لأنهم حيوانات". ولم يكن واضحاً إلى من يشير بصفة الحيوانية، إلى الإيرانيين أم نظامهم! يمكن إذاً تبرير حرب إبادية ضد جماعة بشرية، إما بنزع صفة الإنسانية عنها والحط من مقام أفرادها إلى مرتبة الوحوش، أو العكس برفعها إلى درجة متسامية من التجريد بحيث يمكن قبول الفناء بوصفه واحد من تصاريف الزمن وتقلباته القدرية التي تلحق بالحضارات. وفي حالتنا هذه، يستخدم ترامب الاستراتيجيتين الإباديتين معاً.

 

حين يتصور الرئيس الأميركي إيران لا يفكر في إيران المعاصرة، بل على الأغلب يفكر في الملك الفارسي أحشويروش، ملك سفر أستير الذي أنقذ الشعب اليهودي من الفناء وأباد أعداءهم في بلاطه الملكي. بالطبع ترامب نفسه هو أحشويروش كما أنه المسيح المتألم في الوقت ذاته، هكذا نصبته واحدة من القسيسات في صلاة عيد القيامة الأخير. لكن الأهم هو أنه في العين الأميركية الإبادية، شعوب مناطق العالم القديم وبالأخص منطقتنا، ليست مجتمعات حية من دم ولحم، بل كيانات متجمدة في التاريخ، قبل تاريخية أو فوق تاريخية، هي حضارات أو في أفضل الأحوال ورثة لأدوار في أساطير العهد القديم. هكذا تكون دولة إسرائيل هي شعب الله المختار، وسكان غزة هم العماليق الذي أمر يهوه بإبادتهم، كما أباد من أرض كنعان سبعة شعوب أمام بني إسرائيل عند دخولهم أرض الميعاد. أما الحضارات فتندثر، ذلك الدرس الأول والبسيط للتاريخ بأكمله ولقصص العهد القديم أيضاً، هكذا يمكن القبول بالفناء بوصفه أمراً طبيعياً أو بالأحرى تاريخياً وألهياً. والتاريخ هنا يعني المطلق والمجرد والمتجاوز للبشر والمتعالي عليهم. 

 

يؤمن ترامب بأن لديه مهمة تاريخية، كما أنه رجل أعمال برغماتي معني بالمكسب والخسارة (أي بالحصول على بترول إيران، كما يقول). في هذا السياق، التاريخي هو الوجه الآخر للمقدس. ويحرك تلك المهمة المقدسة قلقاً هوسياً من "انحدار الغرب"، وهذا ما حذر منه وزير الخارجية الأميركي الحكومات الغربية قبل أسابيع، أوروبا تنحدر نحو الفناء. أمامنا حضارات جميعها على حافة الخراب، والقاعدة الوحيدة هي البقاء للأقوى. 

ولعل ترامب يتبع سياسة "الرجل المجنون"، تلك التي طبقها رئيس أميركي آخر هو نيكسون في حرب فيتنام. في الماضي لوحت واشنطن بشن حرب نووية ضد الاتحاد السوفياتي. وفشلت تلك السياسة حينها. لكن، وحتى لو افترضنا أن تغريدة ترامب المروعة ليست سوى أحد ألاعيب "فن الصفقة"، لكنها تظل سابقة مخيفة في مدى جنونها. 

 

ينفلت عقال اللغة الإبادية لتصبح من المفردات اليومية للسياسة الدولية اليوم. بدأ هذا كله في غزة، حيث تواصلت الإبادة لعامين أو أكثر ومازالت مستمرة عبر البث الحي وبتواطؤ شبه كامل من حكومات المنطقة والعالم الغربي. طبقت تل أبيب عقيدة الضاحية في غزة بوحشية مضاعفة، ثم عادت إسرائيل إلى الحرب في لبنان بوعد أن تحول جنوبه إلى غزة أخرى. واليوم تهدد واشنطن إيران بمصير القطاع أو أشنع، غزة تصبح هي العالم أو بكلمات أخرى هي المصير الذي ينتظر كل خصوم الإمبراطورية. 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث