ترامب إذ يهدد بأن يجعلها حرباً ضد الإنسانية

عمر قدورالثلاثاء 2026/04/07
Image-1775498109
زمن صعود الفاشيات في العالم (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بكل بساطة وصفاقة كتب ترامب يوم الأحد، على منصته "تروث سوشيال": الثلاثاء سيكون يوم محطات الكهرباء والجسور، وكل ذلك في يوم واحد، في إيران... لن يكون هناك مثيل له، افتحوا المضيق اللعين، أيها الأوغاد المجانين، وإلا ستعيشون في الجحيم.. شاهدوا بأنفسكم!

ولا شكّ في أن تصريحه دفع العديد من الأطراف الدولية والإقليمية إلى التحرك تفادياً لتنفيذ التهديد، وتحسّباً من أن خيار التصعيد سيكون له ثمن باهظ على دول المنطقة ككل، فضلاً عن تبعاته المعروفة على الاقتصاد العالمي. ذلكَ مع التسليم بأن ترامب مستعد حقاً لتنفيذ تهديده، حتى إذا اقتصرت مبرراته على أسبابه الشخصية، وفي رأسها إثبات قدرته كرجل حرب لا يعبأ بأية ضوابط.

 

المصيبة هي أن التسليم لترامب على هذا النحو لا يأتي فقط على شكل انصياع للقوة الدولية الأكبر، المصيبة في أن الانصياع يأتي بلا تذمّر لائق به، وبلا دفاع مستحَق عن القيم الإنسانية. فما يحدث هو التالي: يهدد رئيس الولايات المتحدة صراحةً باستهداف منشآت مدنية، أي بارتكاب جرائم حرب وفق القوانين الدولية، والخطير أن هذا يبدو اعتيادياً لصدوره عن ترامب، فلا يُواجه بما يستحقه؛ دفاعاً عن القيم والقوانين الدولية.

وبصرف النظر عن مآل التهديد، فمجرد التلويح به، من دون عواقب، هو اعتداء على الإنسانية كلها. وأن لا يُرى الأمر من هذا المنظور، على نطاق إنساني واسع، فهذا لا يُنذر بالأسوأ فحسب، بل يضيء على الواقع المظلم الحالي. يمكن للمقارنة، على سبيل المثال، تذكّر موجة المظاهرات التي عمّت مدن الغرب احتجاجاً على الحرب على العراق عام 2003، رغم الذرائع التي سيقت لتبرير الحرب، ومع التنويه بأن نسبة كبرى من الذرائع كانت قائمة على القول إن نظام صدام لم يمتثل لقرارات الأمم المتحدة، أو الشرعية الدولية بمنطوق زمن يبدو كأنه ولّى!

 

نعلم أن العالم طوال عقود، بعد تأسيس الأمم المتحدة، شكا وتذمّر من سلوك القوى العظمى التي ترى نفسها فوق القوانين، وأن البعض منها ومن القوى الإقليمية لطالما تصرّف كطرف مارق بمفهوم القانون الدولي. إلا أن الواقع السيء أحياناً لم يمنع التطلّع إلى ما هو أفضل، ولم يستطع إعاقة التوجه العالمي إلى إقرار المزيد من القوانين ذات البعد الأخلاقي والإنساني، وأيضاً إنشاء المزيد من الآليات الأممية لتنفيذ القرارات ذات الصلة، ومنها مثلاً محكمة الجنايات الدولية. ويمكن في الإطار ذاته احتساب توسيع مجال بعض الأنظمة القضائية الوطنية، لتشمل محاكمة متورطين في جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية في بلدان أخرى.

ونستطيع الإتيان بأحداث قديمة وحديثة تثبت أن ما يهدد به ترامب سبق أن فعله غيره، بصمت أو بإنكار، لا بصفاقة. أما في القرن الحالي فيمكن التدليل بمقتلتين كبريين في المنطقة؛ أولاهما المقتلة السورية التي شارك فيها النظام الإيراني الحالي، والمقتلة في غزة، وأيضاً يشارك الطرف المجرم في الحرب الحالية على النظام الإيراني. ذلك لا يجب أن يدفع، من وجهة نظر سورية وفلسطينية، إلى تغليب الحسابات السياسية الساخنة على الاعتبارات الإنسانية بعيدة المدى. ليس من مصلحة السوريين أن يطيح ترامب القوانينَ الدولية والثقافة الحقوقية المعاصرة، لأن فعلته تبرر الصمت على جرائم نتنياهو والصمت على جرائم الأسد، والعديد من السياسات اللاأخلاقية اللاحقة بهما.

 

الخطير أننا نتحدث عن سياق عالمي مساند لترامب ضمناً، إن لم يكن جهراً. إذ يمكن وصف آخر عقدين من القرن الحالي بأنه زمن صعود الفاشيات في العالم، وتحديداً في العالم الغربي؛ الأكثر تأثيراً على مجمل البلدان حتى الآن. التراجع الأوروبي لا يتوقف عند تضخم القوة الأميركية إلى حدّ غير مسبوق، بل هو مقترن إلى حد كبير بصعود موجات اليمين المتطرف، وهي بمثابة الفاشية الجديدة، وصعودها أتى في وقت تراجعت فيه النخب السياسية في اليمين واليسار معاً، وفشل الوسط الذي اقترح حلولاً كانت مؤقتة جداً وتلفيقية بطبيعتها.

وما يصحّ قوله عن انكفاء الغرب سيكون فهمه مجتَزءاً إذ اقتصر على الوجه الذي تقدّمه الفاشية الجديدة، ففي الخلفية يكمن غياب المشروع الذي يدفع بالغرب إلى الانفتاح. وباسترجاع التاريخ تسهل ملاحظة أن انفتاح الغرب كان مرافقاً للمشاريع الاقتصادية والسياسية الكبرى؛ المشاريع المتكاملة على الصعيد الحضاري. ومهما تكن أحقية النقد الذي تم توجيهه لتلك المشاريع، يبقى من المحق أيضاً أن لها جوانب أساسية جعلت الغرب قاطرة لنهضة عالمية. ومن المؤكد أن الفاشيات المحدثة ليس لها ثأر مع الجوانب العنفية في تاريخ نهوض الغرب، على غرار كراهيتها الجوانب المشرقة منه.

 

لكن انكفاء الغرب لا يبدو حتى الآن محفِّزاً الذين هم خارجه على الاستقلال، وهو ليس مطلوباً إذا كان على مثال الانكفاء الغربي. الانكفاء الغربي لم يحفِّز على حسّ المبادرة خارجه، والمؤسف أن الغرب بقي الأكثر مبادرة، وبقي مَنْ في خارجه ينتظرون منه المبادرة. في مثال قريب، شهدت عواصم ومدن الغرب التظاهرات الأكبر ضد جرائم إسرائيل في غزة، في حين لم تشهد بلدان "الأطراف" حراكاً مماثلاً، بما فيها الشارع العربي.

انتظار المبادرة من مكانها المعتاد، مع اليأس من مجيء مشروع حضاري جديد، ربما يفسّران معاً حالة الإحباط العامة خارج المركز الغربي. ولا بأس في القول إن الإحباط نخبوي إلى حد كبير، بينما يتضاءل هذا الوعي خارج النخب، في حين أن الآثار السلبية، وربما المدمّرة، ستطاول الجميع. فالتسامح مع الدعس على القوانين الدولية والإنسانية، أو الصمت عليه، سيدفع ثمنه لاحقاً الأضعف في كل بلد والأضعف بين البلدان. وهو بطبيعة الحال سيعزز من نهج الدعس على القوانين، سواء المحلية منها أو العالمية، وسيكون لهذا تأثير أكبر في بلدان كانت تجاهد للعبور إلى ثقافة احترام القانون.

 

في المجمل، يمكن الجزم بواقعية مفرطة أن سلوك ترامب يمثّل موجة مهيمنة عالمياً، ولا سبيل لمقاومة هذا المدّ الكاسح ضمن المدى المنظور. بل يمكن بسهولة مفرطة الجزم بأن العالم كله سائر في هذا الاتجاه، ولا بأس في أن يجرّب ويأخذ فرصته كاملة، من دون اكتراث بأن هذه الواقعية المتوحّشة تتغذى من الاستسلام والصمت، ولو تُرك العالم للفاشيات من قبل لكانت قد أنجزت تدميره منذ زمن بعيد.     

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث