ليست كأساً من الخمر.. إنها الدولة

عمر قدورالسبت 2026/04/04
Image-1775233528
أثبت خطاب الهويات نجاحه في تشتيت السوريين (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أثناء حوار موسع في معهد تشاتام هاوس/ لندن، قال الشرع: "مهمتنا تطبيق القانون، وليس فرض معايير جديدة على الناس". وكان الحديث في سياق تعامل حكومته مع الحريات الشخصية، حيث ثارت ضجة قبل مدة قصيرة بسبب قرار أصدره محافظ دمشق، منع بموجبه تقديم المشروبات الكحولية، مع السماح ببيع الزجاجات المختومة، فقط في أحياء ذات حضور مسيحي.

قبل توضيح الشرع، كان محافظ دمشق قد أصدر أيضاً توضيحاً يُظهر من خلاله أنه ينفّذ تعليمات وقوانين موجودة سابقاً، ولم يكن النظام السابق يعمل بموجبها. والحق أن الأمر لا يتعلق بإهمال من النظام السابق، بل بأن الزمن تجاوز تلك القوانين، وفرضت حركة الواقع نفسها. هذا ليس حكراً على سوريا، ففي الكثير من بلدان العالم ثمة قوانين موجودة بنصوصها، وتجاوزها الواقع فلم يعد أحد ينتبه إليها، وهناك العديد من الأجيال التي لا تعلم إطلاقاً بوجودها، ولو حاولت السلطات تطبيقها من جديد لأثارت أزمات كبرى.

 

الملاحظة الأولى على نبش قوانين فات زمنها هي في كونه أصلاً سلوكاً انتقائياً، ولا يأتي في سياق تطبيق القوانين في كل المجالات، وفي رأسها ما يتعلق بالفلتان الأمني الذي يتطلب حضوراً صارماً للقانون. وتبقى الأهم هي روحية القوانين، في حال احترامها وعدم التعامل معها بانتقائية وتسييس. وروحية القوانين مستمدة من العصر، لا فقط من نصوص تخضع لاجتهادات حقوقيين. فالقانون في الدولة الحديثة يعني أولاً المساواة بين الأفراد، بصرف النظر عن الجنس والدين والعرق. ثم تأتي الحقوق الجماعية التي لا تكون على حساب حقوق الأفراد، وغايتها في معظم الديموقراطيات تمكين الجماعات الهشّة والمهمّشة.

في الدولة الحديثة لا يحق للناس الشكوى من سلوك لا يعجبهم، ما لم يتسبب هذا السلوك بأذى من النوع الذي يعاقب عليه قانون قائم على المساواة الحقيقية. ولو اجتمع عشرون مليون سوري مقابل آلاف قليلة فيجب ألا يكون للكثرة حق يفوق حقوق أفراد قلائل. ليس للقانون من حيث الشكل أية أهمية أو احترام، ما لم يكن في مضمونه يتعامل مع الأفراد على قدم المساواة. وأي قانون تمييزي، تحت أية ذريعة، يعني أن الدولة قائمة على التمييز، ولو على نحو غير معلن. لا يغيّر من هذا أن يكون الدستور مثلاً يكفل المساواة، بينما تأتي القوانين الخاصة بالحريات لتنتقص منها أو لتقوّضها.

 

من المفهوم بالطبع أن المجتمعات غير متماثلة، لا في سوريا ولا في أي بلد آخر، بما فيها المجتمعات التي حققت قدراً متقدماً من الحريات والمساواة فيها. لكن يلزم على هذا الصعيد أن يكون هناك وعي للاختلاف، ووعي لمكانه وفعاليته، ثم التمييز بين ذلك كله والقانون بوصفه التعبير الحقوقي عن الدولة المعاصرة. والملاحظ أن السجال السوري مؤخراً حول الحريات الشخصية بقي بعيداً عن التفريق بين المفاهيم التي تحكم الدولة والمفاهيم المتباينة التي تحكم كل مجتمع على حدة، وهذا الخلط بينها ينتقص من مفهوم الدولة نفسه، ويساعد الذين يريدون الإجهاز عليه.

بإيجاز، يمكن التمييز بين ثلاثة ضوابط فاعلة مجتمعياً وضمن الدولة، هي الأعراف والدين والقانون. الأعراف يحددها عادة مفهوم "العيب"، وهو بطبيعته نسبيّ زمانياً ومكانياً. فالعيب يتغيّر مع الزمن ضمن المجتمع نفسه، وما هو عيب في مكان لا يكون عيباً في مكان آخر ضمن الدولة نفسه. خارج الجانب الروحي الإيماني؛ يُفترض أن حضور الدين في الفضاء الاجتماعي قائم على مفهوم "الحرام"، وهو نسبيّ بين مجتمعات مختلفة دينياً، والتزام الأفراد به نسبي ضمن كل مجتمع، حيث يزيد أو ينقص بحسب الظروف. وحدها القوانين/ الدولة يُفترض بها ألا تكون نسبية مكانياً، فلا تختلف بين مكان وآخر ضمن الدولة نفسها، إلا بما يجيزه نظامها السياسي في حال كان قائماً على لامركزية موسَّعة.

 

بدءاً من ستينيات القرن الماضي شهد العالم بأكمله ارتحالات اجتماعية، بسبب تدفق الهجرات الريفية إلى المدن. ذلكَ أدى إلى تراجع فاعلية الأعراف التي هي بنت الاستقرار الاجتماعي. حدث هذا في سوريا أيضاً، وإن تحوّلت بعض أطراف المدن إلى مجتمعات صغيرة من الوافدين من الأرياف نفسها. وحدثت تغييرات ضمن المدن عائدة إلى التوسع العمراني، وإلى صعود طبقات جديدة بفضل النشاط الاقتصادي، ثم بفضل الثروات المتحصّلة من السلطة.

إلا أن الضربة الأعنف للاستقرار الاجتماعي في سوريا أتت بعد اندلاع الثورة، والحديث عن نصف السكان من المهجرين والنازحين يشير إلى حجم التحطيم الاجتماعي، وعلى الأرجح لن تكون ثمة عودة نهائية عمّا حدث. ترافق التحطيم مع غياب الدولة كلياً عن بعض المناطق، وغيابها شبه الكلي عن مناطق أخرى. عملياً، هناك غالبية من السكان لم يعودوا مستقرين في مجتمعاتهم التي كان لها أعرافها، ولم تعد هناك دولة بوصفها ممثّلة للقانون، سواء بسبب غيابها التام، أو بسبب وجود سلطة تدعس على القوانين.

 

في هذا الظرف الاستثنائي تقدّم الدين ليملأ الفراغ الذي خلّفه غياب الأعراف وغياب القوانين، وليكون بديلاً عن الاثنين وفق فهم قوى الأمر الواقع له، فتحْت سيطرة فصائل إسلامية كان تطبيق الشريعة الإسلامية مختلفاً من مكان لآخر. وقد كانت واضحةً نيّةُ استغلال الفراغ الحاصل، فالفصائل التي حكمت "المناطق المحررة" سارعت إلى إيقاف العمل بالقوانين السورية، مع أن الثورة بالتأكيد لم تنطلق لإيقاف العمل بالقوانين المدنية والجزائية، وطالبت صراحةً بإيقاف ما يعيق دولة القانون والمواطنة المتكافئة، مثل أحكام الطوارئ والمحاكم الاستثنائية ومختلف أنواع التجاوزات على القوانين.

وبينما يكثر الحديث عن الدولة والسيادة، منذ إسقاط الأسد، فإن الكلام يقلّ عن مضمون الدولة نفسها بوصفها منظومة حيادية تجاه مواطنيها، فهذا هو فحوى الدولة العادلة وهو فحوى القوانين المعاصرة. وكلما كانت مجتمعات الدولة أكثر تنوعاً فهذا يجعل قيامها أشد إلحاحاً على العدل والقانون الذي يضمن المساواة، وهذا يقتضي الجرأة الفكرية أولاً فيما يخص فهم كلّ من الضوابط الثلاثة الفاعلة، الأعراف والدين والقانون، لمصلحة الأخير منهم من دون أن يكون معادياً للدين، أو لأية ثقافة مجتمعية، لأن مفهوم المواطنة المتكافئة بالحقوق مختلف عن القوانين التي تهدف إلى المساواة من خلال الهندسة الاجتماعية.

 

على نحوٍ خاص، أثبت خطاب الهويات نجاحه في تشتيت السوريين وتقسيمهم إلى طوائف ومجموعات عرقية، ولا يظهر في الأفق أدنى احتمال لإعادة تعايشهم بناء على أية أيديولوجيا. وحده القانون الذي ينقذ اجتماعهم السياسي مجدداً، القانون الذي هو الدولة، ولا نغالي إذا قلنا إنَّ الحديث عن كأس من الخمر ليس حديثاً عن الحريات الشخصية فحسب، إنه حديث عن الدولة التي إما أن تكون، أو لن تكون. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث