كلمة ترامب وخيبة الانتظار

بسام مقدادالسبت 2026/04/04
Image-1775248980
يستحيل في تصريحات ترامب أن تتبين في ضبابها ملامح أي استناج محدد (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

مساء الأربعاء في الأول من الجاري، حبس الشرق الأوسط أنفاسه حتى الفجر، بانتظار كلمة ترامب، لتبيان الخيط الأبيض من الأسود في مصير الحرب المشتعلة في المنطقة. وتصريحات ترامب وتغريداته التي سبقت الكلمة، كانت واحدة من متاهاته المعتادة التي يستحيل أن تتبين في ضبابها ملامح أي استناج محدد. 

 

كان الجميع يتوقع أن يحسم ترامب أمره: هل تتوقف العمليات القتالية وتستمر الحرب إلى أن تحسم أمرها المفاوضات اللغز هي الأخرى، أم تُستأنف بوتيرة أشد شراسة، وتغادر مرحلة المراوحة التي كانت بلغتها بعد أيام من اندلاعها. 

لم يكن الجميع في المنطقة يقف على ضفة واحدة من الانتظار. فنظام الملالي هو الطرف الوحيد الذي يطالب ترامب بإنهاء الحرب، إلا أنه كان ينتظر كلمة ترامب النهائية بشأن شروط إنهائها. أما إسرائيل فقد كانت تخشى احتمال إعلان ترامب في كلمته نهاية الحرب في مرحلتها الراهنة، قبل أن تستنفذ كل أوهامها بإسقاط نظام الملالي بغارات الطيران. 

بقية المنطقة كانت تحبس أنفاسها خشية أن يعلن ترامب في كلمته ذلك "الانتصار" الذي يبرر به إنهاء الحرب قبل أن تُستزف طاقات نظام الملالي على  قصف دول الخليج، وعلى مد أذرعه بأسباب الحياة ومواصلة التخريب في المنطقة. 

 

كل هذه الانتظارات لا تثير قلق ترامب. ولم يكن بوارد الاستجابة لمن يخشون توقف الحرب الآن في إعلانه تمديدها لأسبوعين أو ثلاثة. لكن تقلب مزاجه سوف يبقى سيفاً مسلطاً على مسار الحرب وتطوراتها، ما يجعل هؤلاء في حالة حبس أنفاس وقلق دائمين مما قد يأتيه في اللحظة التالية.  

بصيص الأمل في استمرار الحرب على وتيرتها في إضعاف نظام الملالي وإنهاكه، أخذ يتخطى مزاجية ترامب وتصريحاته. فخلال الشهر المنصرم على الحرب تشكلت آلية داخلية شبه مستقلة تتحكم بمسار الحرب وتجعل من الصعب توقفها قبل الإجهاز على آخر إمكانيات نظام الملالي للعودة للعبث بالمنطقة. وما حشده ترامب، ولا يزال يحشده من أساطيل وطيران وقوات مشاة، أصبح هو نفسه، بمعنىً ما، أسير هذه الحشود التي تشكل الجزء الأساسي من هذه الآلية، لكنها لا تختصرها. فالمكون الآساسي الآخر لهذه الآلية يتمثل في عجز نظام الملالي عن الامتثال للحقائق التي أسفرت عنها الحرب خلال الشهر المنصرم. 

 

نظام الملالي أسير طبيعته الأيديولوجية التي شكلت مصدر قوته على مدى 47 عاماً من وجوده. وفي ظل الخميني، مؤسس هذه الأيديولوجيا، كانت مصدر قوة حتى في زمن الحرب، وكانت تتيح إمكانية "تجرع كأس السم" في سبيل بقاء النظام. لكن انكشاف توحش هذه الأيديولوجية، وغربتها عن الزمن الذي تتواجد فيه والعالم المحيط بها، جعلها أسيرة نفسها وعاجزة عن تحقيق غاية وجودها: حفظ نظام ولي الفقيه في لحظات تهديد وجوده. 

أيديولوجية هذا النظام في مأزقه الحالي، أثبتت أن من الخطأ مقارنته بنظام صدام حسين أو نظام القذافي، اللذين ما إن زال السفاحان حتى زال نظام كل منهما. فالنظام القائم على الأيديولوجيا لا يسقط بسقوط الرأس، بل لابد أن تستهلك الأيديولوجيا نفسها، على غرار ما حصل للاتحاد السوفياتي الذي لم يسقط حتى استنفذت نفسها الصيغة السوفياتية لأيديولجيته البولشفية. 

 

لكن مقارنة نظام الملالي بنظام البلاشفة، لا تعني تسفيه التدخل الخارجي لتسريع سقوطه. فإذا كان مثل هذا التدخل مستحيلاً في حالة الاتحاد السوفياتي، فقد أثبتت الحرب فعاليتها في حرمان نظام الملالي من معظم الشروط المادية (العسكرية والمالية وسواها) التي هيأها للدفاع عن وجوده. وهو يتمسك بكل قوته بما يتبقى لديه من هذه الشروط، ويشهد على ذلك مضيق هرمز الذي يحاول النظام مقايضته بكل ما فقده في الحرب حتى الآن. وهذا يؤكد ضرورة مواصلة هذا التدخل وتعزيزه، حتى ولو لم يكن كافياً لإسقاطه. لكنه بالتأكيد يسرع في إفراغ أيديولوجيته من أوهام قدرتها على الحياة، ثم انهيار هذا النظام وتخليص المنطقة والعالم من شروره.

أفضل ما في ترامب هو حيازته القوة الكافية لحرمان نظام الملالي من الشروط المادية التي تمد أيديولوجيته الدينية بشروط الحياة. وهذا ما يحرج الجميع ويجعلهم يتغاضون عن خيبة انتظاراتهم لما يصرح به ترامب، التي تمثل أقل الخيبات.

 

الكل يدرك أن انشغال ترامب بنظام الملالي وكبح شروره، ليس مرده الحرص على الشرق الأوسط وشعوبه، التي تعاني من هذا النظام منذ نشوئه، بل مرده الخوف على ثروات المنطقة ونفطها والأموال المتراكمة في صناديقها السيادية. 

صحيفة الأعمال الروسية الكبرى vedomosti نشرت في الأول من الجاري نصاً بعنوان "هل سيتمكن ترامب من جعل الدول العربية تدفع ثمن الحرب مع إيران؟" وأرفقته بآخر ثانوي "هم ليسوا مستعدين لمواجهته بالرفض القاطع، لكنهم سيحاولون التأجيل".

نسبت الصحيفة للناطقة بإسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، قولها إن الرئيس قد عبر عن اهتمامه بمساعدة الدول العربية في تمويل العملية العسكرية الأميركية في إيران. ونقلت عن صحيفة النيويورك تايمز وشبكة إذاعات NPR الأميركية الدولية تأكيدها أنَّ الأسبوع الأول فقط من الحرب قد كلف الولايات المتحدة ما بين 11 و12 مليار دولار. 

أشارت الصحيفة إلى أن الدول العربية (السعودية والكويت) سبق أن تحملت عبئًا ماليًا كبيرًا على العمليات العسكرية الأميركية، حيث بلغت مساهمتها ما بين 32 و36 مليار دولار من أصل أكثر من 60 مليار دولار أُنفقت على عملية عاصفة الصحراء (1990-1991). وحينها غطى حلفاء الولايات المتحدة الإقليميون وغيرهم، بما في ذلك دول الناتو واليابان، ما يقارب 90% من تكاليف البنتاغون.

 

وكالة الأنباء الإسرائيلية الناطقة بالروسية cursor نقلت في 2 الشهر الجاري عن صحيفة معاريف نصاً للباحثة جينيف ريبوا (Ginev Riboa) رأت فيه أن حرب ترامب على طهران، هي محاولة إستراتيجية لاستخدام المنطقة من أجل المصالح الاقتصادية للولايات المتحدة. 

رأت الباحثة أنه ينبغي تجاهل التصريحات العامة والتركيز بدلاً من ذلك على خطة الأعمال الجيوسياسية الشاملة للرئيس الأميركي. وهو ينظر إلى الشرق الأوسط في المقام الأول على أنه فرصة اقتصادية واستثمارية غير مسبوقة. وتشمل خططه تدفق رؤوس الأموال من صناديق الثروة السيادية الخليجية إلى الصناعة الأميركية وإنشاء ممرات اقتصادية جديدة، بما في ذلك ممر IMEC الطموح بين الهند وإسرائيل وأوروبا. ويقوم هذا النظام الإقليمي على التكامل التكنولوجي والتجاري. ويستحيل تنفيذ خطته طالما أن إيران تهدد الاستقرار وتعطل طرق التجارة.

تحدد ريبوا خمسة أهداف رئيسية لاستراتيجية ترامب التي أدت إلى الحرب الحالية: تقليص الوجود العسكري الأميركي، وتوسيع اتفاقيات أبراهام، وإنشاء بنية تحتية للتجارة بين القارات، وإطلاق التعاون التكنولوجي والدفاعي، وتحقيق الاستقرار في قطاع غزة بعد حكم حماس. وتقويض سيطرة إيران على الفصائل الفلسطينية شرط ضروري، إذ يحرم ذلك طهران من القدرة على تخريب عمليات التطبيع عبر الإرهاب.

تنتهي الباحثة إلى القول بأنَّ عملية "الغضب الملحمي" تمثل محاولة تاريخية من قبل إدارة ترامب لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. وقد يعني نجاحها بداية النهاية لوجود عسكري أميركي كبير في المنطقة، ونقل المسؤولية إلى إسرائيل وحلفائها. أما في حال فشلها، فذلك سيترك ترامب بلا إرث ذي قيمة، وفي مواجهة تهديد حقيقي ودائم من إيران.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث