وداعاً أميركا

يوليا يوزيكالجمعة 2026/04/03
Image-1775134604
خسرت أميركا جميع فرص ضم طهران إلى فضاء نفوذها (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في اليوم الذي كتبت فيه هذا النص، شهدت طهران حدثاً رمزياً. فقد قام عسكريو أميركا بقيادة ترامب بقصف مبنى السفارة الأميركية القديم في طهران.

هذا المبنى أصبح رمزاً للثورة الإسلامية ولقطع العلاقات الإيرانية الأميركية لسنوات طويلة. في العام 1979 أخذ الطلاب الإيرانيون من طائفة الخميني المبنى وموظفي السفارة رهائنَ.

أزمة الرهائن وضعت النهاية للمسيرة السياسية للرئيس كارتر الذي بالكاد أكمل رئاسته الأولى، وخسر الانتخابات بفارق كبير أمام ريغان. 

عندما أُطلق سراح الرهائن، توقفت السفارة عن العمل. ومن منظور اليوم، يمكن القول إنها توقفت إلى الأبد. ومنذ العام 1980، أصبحت قاعدة للحرس الثوري ومتحفًا للتجسس.

ومع ذلك، بعد حرب الاثني عشر يوماً، أخذت الشائعات تنتشر بأن النظام الإيراني سيسقط قريباً، وأن الحرب لم تنته، بل تم تعليقها مؤقتاً فقط، وأنه بعد تغيير النظام في طهران، سيتم افتتاح السفارة الأميركية في إيران أخيراً، والسفارة الإيرانية في واشنطن.

كان فريق ترامب واثقاً جداً من ذلك، لدرجة أنهم قاموا ببعض التجديدات. فجزوا  العشب، وعلقوا علم الشاه الإيراني الذي يحمل صورة أسد فوق السفارة الإيرانية في واشنطن.

 

خلال هذه الفترة، من حزيران/ يونيو حتى نيسان/ أبريل، شهدت إيران أحداثاً كثيرة. فقد تم اغتيال خامنئي وقيادته العسكرية والسياسية، وشُنت حرب مدمرة، وألقي آلاف القنابل على أكثر من 15 ألف هدف، ودُمرت بنية تحتية بتريليونات الدولارات.

بشكل شبه يومي، وكأنها حفلة صيد مشوقة، اغتال سلاح الجو الإسرائيلي، وبمباركة ترامب، جنرالات الحرس الثوري وقيادات سياسية. لم يقتصدوا في القنابل، ولاغتيال لاريجاني مثلاً، أسقطوا قنبلة محت حياً سكنياً بكامله تقريباً. ولم تقتصر الخسائر على عائلة لاريجاني فحسب، بل طالت عشرات الأبرياء أيضاً.

ينشر ترامب تهديدات يومية بمحو إيران من على وجه الأرض، إذا لم توافق على "صفقة" تنطوي على الاستسلام الكامل، وتصفية ليس فقط البرنامج النووي، بل وبرنامج الصواريخ الذي تقوم عليه استراتيجية الدفاع الإيرانية. وليس هذا وحسب، بل وتسليم حقول النفط والمحطات الواقعة بالقرب من الخليج للأميركيين (والإسرائيليين؟).

 

لكن، وبعد مضي شهر على الحرب، لم تتحقق الأهداف "التجارية" للحرب، أي الوصول إلى مرافق النفط الإيراني والسيطرة عليها.

بل وأكثر ذلك، فقد فرض الإيرانيون حصارًا على مضيق هرمز، وحافظوا على سيطرتهم عليه طوال فترة الحرب، مبررين ذلك بأنه يقع ضمن المياه الإقليمية الإيرانية. وكسابقة في زمن الحرب، يجري حاليًا إضفاء الطابع الرسمي على تثبيت  نقاط تفتيش على طول الشريان البحري الرئيسي لصادرات النفط العالمية، باعتبارها حقًا لإيران في ملكية المضيق. وللتو وافقت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية الإيرانية على "خطة إدارة مضيق هرمز" المكونة من ثماني نقاط، والتي تكرس في القانون الإيراني ما كان الحرس الثوري الإسلامي يمارسه بالقوة منذ آذار/مارس المنصرم. تحدد الخطة رسومًا بالريال لعبور جميع السفن، وتؤكد سيادة إيران على الملاحة في المضيق، وتحظر كلياً عبور السفن الأميركية والإسرائيلية، وكذلك سفن أي دولة مشاركة في العقوبات المفروضة على إيران، وتنص على بروتوكولات السلامة والبيئة، وتضفي الطابع الرسمي على التعاون مع سلطنة عمان بشأن الإطار القانوني للسيطرة على المضيق. ولكي يدخل قانون الخطة حيز التنفيذ، يحتاج إلى موافقة أغلبية الأصوات في مجلس الشورى، ومراجعة مجلس صيانة الدستور، وتوقيع الرئيس. وهل ثمة شك في أن مشروع القانون سيجتاز جميع المراحل اللازمة ويتم توقيعه؟

 

وفقًا للمادة 38 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لا يجوز للدول أن تعيق أو تفرض رسومًا على العبور عبر المضائق الدولية. ترد إيران بأن المضيق يمر عبر مياهها الإقليمية، وأن التزامات الأمن في زمن الحرب لها الأولوية على قواعد العبور في زمن السلم، وأن خطة الإدارة تمثل تنظيماً سيادياً مشروعاً لساحلها. ولا تملك أي محكمة دولية حق النظر في هذه المسألة أثناء الأعمال الحربية النشطة. وإلى أن يصل الطعن القانوني إلى أي محكمة، سيكون نظام تحصيل الرسوم قد تم تقنينه بالفعل في القانون الإيراني المحلي، وسيكون قد تم تطبيقه منذ شهور، وسيقوم بتحصيل المدفوعات بعملات لا تمر عبر الأنظمة المالية الغربية. إيران لا تنتظر الإذن. وهي تخلق سوابق قانونية بشأن المياه وتتحدى العالم، وتقترح الطعن فيها بعد انتهاء الحرب.

يبدو أن إيران في العام 2026 ستسيطر على مضيق هرمز، تماماً كما سيطرت مصر على قناة السويس في عام 1956.

أما بخصوص الرئيس الأميركي، فقد ادعى أنه نجح في إحداث تغيير في النظام الإيراني، وأن أشخاصًا مختلفين تمامًا يتفاوضون معه، وليس مع آية الله العجوز العنيد ذاك. يبقى من غير الواضح من يقصد ترامب عندما يتحدث عن تغيير النظام وعن القيادات الإيرانية الجديدة.

 

وبالمناسبة، أتابع السياسة الإيرانية منذ 13 عامًا، وخلال خمس سنوات منها، أتولى إدارة موقع على تطبيق تيليجرام مكرساً لمتابعة شؤون الحكومة الإيرانية. وتوصلت إلى إستنتاج مفاده أن الرئيس بيزشكيان، الذي صنعه استراتيجيون سياسيون وجماعة من الإصلاحيين الإيرانيين، أصبح الآن شخصية ضعيفة، بل ومأساوية، لم يرتقِ إلى مستوى الآمال المعقودة عليه ليصبح "غورباتشيف الجديد" الذي سلم الاتحاد السوفياتي. 

في مطلع الحرب سعى للبروز ككيان مستقل. منذ بداية الحرب اعتذر عن الهجمات على الدول المجاورة، وحاول ملأ مناصب رئيسية في الهيكل الأمني. فعلى سبيل المثال، وقّع أمرًا بتعيين وزير الإعلام (الاستخبارات والأمن) ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومي. لكن ما لبث أن وُضع في ملجأ تحت حراسة الحرس الثوري على مدار الساعة، ومنذ ذلك الحين لا يقرأ إلا ما هو مسموح به بموجب شروط الحرب والحرس الثوري، وذلك عبر كاميرات المراقبة.

لقد أثار احتجاز بيزشكيان في الملجأ حالة هيسترية حقيقية في إسرائيل. فعلى سبيل المثال، بثّت القناة الرابعة عشرة الإسرائيلية برنامجًا حواريًا طارئًا حول احتجاز الحرس الثوري الإيراني للرئيس كرهينة، ويمنعه من قول الحقيقة والتوصل إلى اتفاق. وتضمن البرنامج "تصريحات لا تُصدق من شهود عيان" لمشاهد ومناقشات حادة دارت بين بيزشكيان، الذي يصرخ في وجه الحرس الثوري قائلاً إنهم يدمرون البلاد، وإن استمرار الحرب لثلاثة أسابيع أخرى سيحرم الاقتصاد من التعافي (هذا يعني أن ترامب يرغب فعلاً في إنهاء الأمور بسرعة، ويخشى شنّ عملية برية، على أمل أن تستسلم البلاد من الداخل).

هذه السرديات عن الرئيس المتمرد في السجن الذي يحلم بإنهاء الحرب غداً وعقد صفقة مع ترامب، ويحاول ابتلاع الحرس الثوري الشرير، قد انتشرت على نطاق واسع، ولفتت إنتباه الإعلام الأميركي الموالي لإسرائيل، وقرأتها بدهشة حتى على قناة يورونيوز Euronews.

 

أضافوا إلى هذه الحبكة الدرامية مرشحاً جديداً لتوقيع اتفاقية سلام مع ترامب: رئيس مجلس النواب قاليباف، والجنرال في الحرس الثوري الإيراني ورئيس بلدية طهران السابق. ويضعون في فمه اتهامات مباشرة بالفساد يوجهها إلى قيادة الحرس الثوري  التي ترفض الاستسلام وتواصل الرد على القصف الإسرائيلي والأميركي. ويزعمون أنه يصرخ في وجه قيادة الحرس الثوري الحالية قائلاً "لن تتمكنوا من السيطرة على خرج وهرمز ما دامت أقدام الجنود الأميركيين تطأها". وبالنظر إلى ما يكتبه قاليباف على حسابه في تويتر، يصعب تصديق ذلك. ويبدو أن هذه الحوارات هي من تأليف كتاب سيناريوهات أفلام  نتفليكس Netflix. أو أن لإسرائيل عملاء في القيادة العليا داخل الملجأ.

باختصار، لا تزال إسرائيل والولايات المتحدة بعد شهر من اندلاع الحرب الكارثية، تحاولان شق صفوف النخبة الإيرانية، في محاولة يائسة للعثور وسطها على "ديلسي رودريغيز" إيرانية. لكنهما لم يعثرا، والشخصية المرشحة التي عثرا عليها تم قمعها من قبل الحرس الثوري.

 

وبموازاة ذلك، انطلقت قناة تفاوض بين الولايات المتحدة وإيران عبر باكستان، وبمشاركة بكين. ويشرف على هذه القناة في واشنطن نائب الرئيس جيه. دي. فانس. وتشير الشائعات إلى أن إيران تشترط، مقابل أي اتفاق سلام، ضماناتٍ بعدم استئناف الولايات المتحدة وإسرائيل للعمليات العسكرية. ويقال إن إسلام آباد تحاول تقديم الزعيم الصيني شي جين بينغ كضامن لأمن إيران. مع ذلك، ندرك تمامًا أن الوسيلة الوحيدة لضمان عدم الاعتداء هي السلاح النووي.

في حينه، نقل البريطانيون السلاح النووي إلى باكستان، ونقلت الولايات المتحدة هذا السلاح إلى إسرائيل. فهل يمكن لبكين أن تفعل الشيء نفسه مع إيران؟ أم أنها ستوكل هذه المهمة إلى وكيلها الكوري الشمالي، كيم جونغ أون؟

لكن مهما طالت الحرب، فمن الواضح أن أميركا قد خسرت جميع فرص ضم طهران إلى فضاء نفوذها. الاتحاد الأوروبي وآسيا هو المكان الذي ستتجه إليه إيران. (إلا إذا نجح بيزشكيان، بالطبع، في إسقاط الحرس الثوري ورفع الراية البيضاء).

بعد الدمار الهائل، والمباني المدمرة والنوافذ المحطمة والجدران المهدمة، والتي من المحتمل أن تبقى على حالها لسنوات مقبلة لتذكرنا بأن أميركا ليست محررة، بل معتدية. ومن المستبعد أن يلمّح أحدٌ في طهران إلى السلام مع الولايات المتحدة.

 

بهذا المعنى، يكون هذا أحد أهداف واحد من مشعلي هذه الحرب الرئيسيين بنيامين نتنياهو. فلن تعقد إيران اتفاقاً مع الولايات المتحدة. وستقضي إيران الضعيفة زمناً طويلاً في معالجة مشاكلها الداخلية. ومن جهة أخرى، فإن أولى أولوياتها الآن ستكون على الأرجح الحصول على السلاح النووي واستبدال عقيدتها الأمنية من "الصبر الاستراتيجي" إلى "الحسم الاستراتيجي".

في الشهر الثاني من الحرب، ربما يكون ترامب قد أدرك هذا الأمر أيضاً. فقد أعلن نهاية الحرب في نيسان/ أبريل (مع أنه من المستبعد جداً أن يتخلى عن خططه للاستيلاء على خرج وتأمين بعض النفط الإيراني، وهو السبب الرئيسي لقدومه إلى هنا).

لهذا يقصف سلاح الجو الأميركي المبنى التاريخي للسفارة الأميركية في طهران.

الجسور قطعت، الأوهام تبددت، لا سبيل للعودة إلى الوراء.

وداعاً أميركا. لكن كل شيء كان يمكن أن يسير على نحوٍ مختلف. 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث