في مجمل الحوارات والنقاشات مع زملاء وأصدقاء باكستانيين، يلاحظ المراقب من الخارج إصراراً باكستانياً على إنعاش الذاكرة السياسية لإسلام آباد، حين كُتبت لها في أوائل سبعينيات القرن المنصرم، القدرة على اعتماد "دبلوماسية الظل" للتوفيق بين الصين الشعبية والولايات المتحدة الأميركية، في ذورة الانشقاق الشيوعي بين موسكو وبكين. وهو الأمر الذي أدى لأن تفتح العاصمة الصينية أبوابها للرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون في الواحد والعشرين من شباط في العام 1972.
لم يكن الدور الباكستاني في تقريب المسافات السياسية بين واشنطن وبكين، مجرداً من مخلفات المواجهات الدامية بين العملاقين الشيوعيين، السوفياتي والصيني في العام 1969، وعلى ما كتبت صحيفة " النهار" اللبنانية بتاريخ 20 شباط 1972 في تغطيتها للحدث التاريخي المتمثل في زيارة نيسكون لبكين، أن من دوافع سياسة الإنفراج بين الولايات المتحدة والصين الشيوعية، وصول العلاقة بين موسكو وبكين إلى لحظة الصدام العسكري، فضلاً عن انعطافة سياسية أميركية غير مسبوقة نحو آسيا، مما أفسح المجال لباكستان لتأدية دور الوسيط وناقل الرسائل بين بكين وواشنطن.
وقبل زيارة نيسكون للعاصمة الصينية، كان هنري كسينجر قد مهًد للقاء الشهير بين الرئيس الأميركي والزعيم الشيوعي ماو تسي تونغ بزيارة سرية إلى بكين في التاسع من تموز 1971، وبعد انكشافها بأيام، نشرت صحيفة " الحياة " البيروتية ( 19ـ 7ـ 1971) تقريراً لوكالة الصحافة الفرنسية أوضحت فيه كيف نقلت طائرة تابعة للخطوط الجوية الباكستانية هنري كسينجر من إسلام آباد إلى البر الصيني، متخفياً بإسم مستعار وبجواز سفر مزور، وبسرية مطلقة، ولم يكن سوى الرئيس الباكستاني يحيى خان على علم بها.
وعن ذاك المنعطف في العلاقات الدولية، يقول كسينجر في كتابه "الدبلوماسية"، إن الصين أدركت بعد المواجهة العسكرية مع الاتحاد السوفياتي في العام 1969، أن أمنها القومي مهدد من نظيرها الأحمر، فقررت واشنطن الانفتاح عليها، وشرعت كل من الولايات المتحدة والصين بالبحث عن قنوات تواصل، ونجحت باكستان في المهمة الصعبة. وفي كتابه "سنوات التجديد"، يتحدث كسينجر عن مرحلة ما بعد زيارته السرية لبكين، حيث توافقت الأخيرة وواشنطن على تبادل الرسائل عبر إسلام آباد، إلى أن توصلتا إلى تعيين ضباط اتصال بينهما في العام 1973.
على تلك الخلفية التاريخية، استندت باكستان في مسعاها المتجدد بنقل الرسائل بين طهران وواشنطن، ومن ثم في محاولة إنتاج إطار إقليمي رباعي يشمل السعودية وتركيا ومصر، لوقف الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، ومرتكزة في الوقت نفسه على علاقة مميزة مع السعودية، تمثلت ذروتها بمعاهدة الدفاع المشتركة المبرمة بينهما في الخريف الماضي، وأيضاً، على تاريخ عميق من العلاقات المستقرة وحُسن الجوار مع إيران، وكذلك على ثقة فائضة، أمنياً وسياسياً، بالصين، دعامتها المخاوف المشتركة من الاتحاد السوفياتي في الماضي، والهواجس الثنائية من الهند، ماضياً وحاضراً.
وإذ امتطى الباكستانيون صهوة الأمل بإحداث اختراق في جدار حرب الخليج الرابعة، بعد نجاحهم بنقل الرسائل بين طهران وواشنطن، غاب عن البال والخاطر، أن مقدمات وقف الحرب تكمن في الضمانات التي تطلبها إيران بعدم تكرار الحرب عليها، وهذا المطلب ليس بمقدور باكستان أن تضمنه، وكذلك الحال مع الإطار الرباعي المتشكل في إسلام آباد، وبذلك يكون الشرط الأول لوقف الحرب فاقداً لعلة وجوده.
العائق الثاني الذي يحول دون نجاح إسلام آباد بكبح جماح الحرب، يتمثل في خطأ المقارنة بين نجاحها في السبعينيات بسياسة الباب المفتوح بين الولايات المتحدة والصين، فآنذاك تحلت إدارة الرئيس نيكسون بـِ "نوايا حسنة" تجاه بكين لألف هدف وهدف استراتيجي مرتبط بالإتحاد السوفياتي، بينما إدارة الرئيس دونالد ترامب، تفتقر لغير النوايا السيئة، ولم يتحدث نيكسون تصريحاً أو تلميحاً، ولا مرة، عن إسقاط النظام الشيوعي في الصين، في حين لا ينفك ترامب، صبحاً وأصيلاً، يتحدث عن تغيير النظام في إيران أو تغيير في النظام.
وأما العائق الثالث الحائل دون فرملة الحرب وفق آمال إسلام آباد والإطار الرباعي، فتفصيله يكمن في تعدد السياسات والمصالح بين أعضاء الإطار، فكل دولة فيه، تنطلق في مسعاها لوقف الحرب من أولويات ذاتية. فمصر تحرص على عدم إغلاق باب المندب لتحاشي التداعيات على قناة السويس. وتركيا تخشى تدفقات النازحين الإيرانيين في حال طال أمد الحرب، فضلاً عن مستوى القلق العالي من استجابة الرئيس دونالد ترامب لرؤية بنيامين نتنياهو بدعم الإنفصاليين الأكراد في إيران وتأثيرات ذلك على الأمن القومي التركي. وغاية المملكة العربية السعودية استعادة أمنها، فيما باكستان غير قادرة على الالتزام بالمعاهدة الدفاعية مع السعودية، ومن الصعب عليها التفريط بعلاقتها الحسنة مع جارتها إيران. وأمام كل ذلك كيف يمكن التجسير بين هذه الرؤى والمصالح؟
لا يجيب الباكستانيون على هذا التساؤل. وفي المقلب الإيراني، يبرز تساؤل مضاد يتضمن البحث عن إجابة تدفع طهران للتجاوب مع إطار إقليمي ليست عضواً فيه ولم تشارك في فعالياته الأولى، وقد تًدعى أو لا تُدعى إلى جداول أعماله اللاحقة. ولذلك، فلسان حالها يقول ثمة من يفاوض عنها، وهي ليست على وفاق مع هذا السبيل.
في الحصيلة، تفتح إيران نافذتها لتتلقى رسائل واشنطن عن طريق إسلام آباد، وما يتجاوز ذلك، فالإيرانيون يغلقون النافذة، ويرددون قولهم المشهور: لا تفتح نافذة إلا على حديقة.
