يمكن النظر إلى تقريري أحداث السويداء الصادرين عن لجنة التحقيق الوطنية السورية، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، بوصفهما روايتين متوازيتين عن المأساة ذاتها: الأولى تخرج من داخل الدولة، والثانية تأتي من خارجها. وبين النصَّين تتشكّل مساحة نقدية مهمة، لا لفهم ما جرى في السويداء فحسب، بل لفهم طبيعة المرحلة الانتقالية في سوريا برمّتها: من يحاسب من؟ ومن يعرّف العدل؟ وكيف تُكتب الحقيقة الرسمية؟
على مستوى الوقائع الكبرى، لا يوجد خلاف جذري بين التقريرين. كلاهما يقرّ بأن ما حدث في السويداء في تموز 2025 هي موجة عنف واسعة النطاق، خلّفت مئات القتلى وآلاف الجرحى، ونزوح عشرات الآلاف من الدروز والبدو ومكوّنات أخرى. كلاهما يوثّق عمليات قتل عمد، وخطف متبادل، وسلب مسلح، وحرق وتخريب لمنازل وقرى ومواقع دينية، وهجمات انتقامية متبادلة، وتهجير قسري لقرى بأكملها. كلاهما يعترف بتعدد الفاعلين: فصائل محلية درزية وعشائر بدوية، وعناصر من القوات الحكومية، وجهات مرتبطة بداعش. وكلاهما يحذّر من أن ما جرى يهدد النسيج الاجتماعي، ويغذّي احتمالات التغيير الديموغرافي القسري.
هذه المشتركات مهمة. أن تعترف لجنة وطنية رسمية مشكلة من الحكومة السورية، بأرقام قريبة من تلك التي توثّقها لجنة أممية، وأن تقرّ صراحة بوجود انتهاكات جسيمة وبتورّط أفراد من الجيش والأمن، فهذا بحد ذاته تحوّل مهم مقارنة بثقافة الإنكار في عهد نظام الأسد. لكن ما إن ننتقل من ماذا حدث؟ إلى كيف نقرأ ما حدث؟ ومن يتحمّل المسؤولية؟ حتى تبدأ الفوارق في الظهور بوضوح.
في المؤتمر الصحافي للجنة الوطنية، أكد رئيسها أن الانتهاكات التي ارتُكبت كانت "فردية وليست ممنهجة"، مستنداً إلى تباين سلوك عناصر الجيش والأمن بين حالات قدّموا فيها حماية، وأخرى تورّطوا فيها. هذه الجملة المفتاحية تلخّص زاوية الرؤية الرسمية: المشكلة في أفراد انحرفوا، لا في نمط أو بنية. بناءً على ذلك، يُقدَّم التوقيف المعلن لـ23 من عناصر الأمن والجيش، ومحاكمتهم العلنية، على أنه دليل إرادة جدّية للمحاسبة، فيما تُصوَّر الدولة كطرف حاول احتواء العنف، ومنعه من التفاقم، لكنه اصطدم بكثافة المسلحين وتراخي بعض العناصر وبفوضى السلاح.
بينما لجنة التحقيق الدولية لا تتبنى هذا التخفيف. وصفت أحداث السويداء بأنها موجة عنف "واسعة النطاق"، تحمل طابعاً طائفياً وهويّاتياً واضحاً، ويرى في أنماطها المتكررة – من استهداف على أساس الانتماء، وتهجير شبه كامل للبدو من مناطق معينة، ونهب وحرق شبه شامل لعشرات القرى الدرزية، واستخدام مساجد كمراكز احتجاز – مؤشرات قويّة على جرائم حرب، مع احتمال أن ترقى جرائم ضد الانسانية.. هنا لا يعود الحديث عن "تجاوزات فردية" بل عن بنية عنف سمحت بأن يحدث ما حدث بهذا الاتساع والتركيز.
الفارق بين "فردي" وبين "نَمَطي" كبير. إذا كانت الانتهاكات فردية، فالمطلوب هو تنظيف الجهاز من بعض "العناصر الفاسدة". أما إذا كانت نمطية، فهذا يعني أن المشكلة أعمق: في آليات القيادة والسيطرة، وفي ثقافة الأجهزة، وفي علاقة الدولة بالمجتمع، وفي طريقة إدارة السلاح والقوة، وفي غياب رادع حقيقي يمنع استخدام العنف على أساس الهوية كلما اختل توازن محلي أو إقليمي.
حاول التقرير الوطني أن يرسم صورة لدور الدولة أقرب إلى "الطرف الضابط": الجيش والأمن، وفق روايته، حاولا منع وصول مجموعات من العشائر إلى السويداء، لكن كثافة الأعداد وضعف انضباط بعض العناصر حال دون ذلك، وفي حالات أخرى أعاد الأمن العام مجموعات من العشائر من دمشق إلى مناطقها. هذا لا يلغي اعترافه بتورّط أفراد من القوات الحكومية، لكنه يحصره في إطار محدود، ويقدّمه كاستثناء لا كجزء من نمط متكرر.
بينما وثق تقرير اللجنة الدولية أكثر من ذلك. تحدث بالتفصيل عن حرق وتدمير ونهب لقرى درزية في شمال وغرب السويداء، من قبل القوات الحكومية ومقاتلون عشائريون، والشاحنات المحمّلة بالممتلكات المنهوبة كانت تمر على الحواجزالحكومية من دون أن وتوقفها. ووثّق تهجيراً واسعاً للبدو من مقوّس وشهبا وصحوة البلاطة وغيرها، وحرقاً وتخريباً واحتلالاً لمنازلهم من قبل فصائل درزية ومهجرين دروز. ويشير إلى أن البدو، في مناطق معيّنة، ما زالوا ممنوعين من العودة. هذه ليست فقط وقائع جرمية، بل مؤشرات على فشل الدولة أو تقصيرها، أو تواطؤ بعض أذرعها، في القيام بواجبها بحماية المدنيين ومنع التهجير، ووقف النهب المنظّم، وفرض القانون على الجميع بلا تمييز.
تقرير اللجنة الوطنية ربط أحداث السويداء بسياق عام يمتد منذ 2011: انتشار السلاح، ضعف ثقة الناس بالمؤسسات، وجود مجموعات خارج سيطرة لدولة، الجريمة المنظمة وشبكات المخدرات. هذا الربط صحيح ومهم، لكنه يُستخدَم في التقرير غالباً لتفسير تعقيد المشهد وخطورته، أكثر مما يُستخدَم لمساءلة الخيارات السياسية والأمنية التي قادت إلى هذه البنية.
أما لجنة التحقيق الدولية، فذهبت خطوة أبعد من ذلك: فهي ترى السويداء مرآة مكبِّرة لمشكلات بنيوية على مستوى سوريا كلها. تقريرها العام عن سوريا يشخّص جهازاً أمنياً هجينا نشأ من دمج فصائل مسلحة معارضة سابقة، كثير منها يحمل سجلاً ثقيلاً من الانتهاكات، ويفصّل كيف أن الدولة لم تحتكر السلاح بعد، وأن العدالة الانتقالية ما زالت ضعيفة ومحدودة، وأن الإفلات من العقاب مستمرّ بصيغ مختلفة. وما حدث في الساحل، وأحداث السويداء، يدل على أن البنية الأمنية لم تُصمَّم بعد لتمنع العنف القائم على الهوية، بل قد تُعيد إنتاجه بأشكال مختلفة.
ومن منظور العدالة الانتقالية، لا تكمن أهمية تقاطع التقريرين في تكرار الوقائع، بل في ما يفتحه هذا التقاطع من أسئلة حول شكل العدالة الممكنة في سوريا. فالتقرير الوطني يقدّم اعترافاً رسمياً غير مسبوق بحجم الانتهاكات، لكنه يبقى محصوراً في إطار إدارة الأزمة وتحسين الأداء. أما التقرير الدولي، فيضع معياراً أعلى للمساءلة، عبر تشخيصه للطابع البنيوي للعنف ودور الدولة في السماح به أو العجز عن منعه.
ما جرى في السويداء لايمكن احتواؤه بتوقيفات محدودة أو مؤتمر صحافي ناجح، بل كان اختباراً مبكراً للمرحلة الانتقالية بأكملها. فبين تقرير حكومي يقدّم اعترافاً مهماً لكنه يبقى محصوراً في إطار إدارة الأزمة، وتقرير دولي يرفع سقف المساءلة عبر تشخيصه للبنية الأمنية والعدلية، تتكشف أمام السوريين فرصة نادرة لإعادة تعريف الحقيقة نفسها.
والتحدي اليوم ليس في اختيار رواية على حساب أخرى، بل في بناء قدرة وطنية على مواجهة الحقيقة كما هي، بكل ما تحمله من ألم وتعقيد، وتحويل التباين بين التقريرين إلى نقطة انطلاق لنقاش جدي حول إصلاح القطاع الأمني وضمان عدم التكرار.
وعند هذا المستوى من القراءة، يصبح السؤال الحقيقي هو مدى استعداد السوريين لقراءة حاضرهم بشجاعة، وصياغة مستقبل لا تُترك فيه جذور العنف لتتجدد كلما تبدّل ميزان القوة.
