من بين التبعات غير المتوقعة للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، أن المدن المصرية المعروفة بأنها لا تنام، قد أطفأت أنوارها المسائية فجأة. بلا شك، يعاني الاقتصاد المصري بشكل خاص من تبعات المعارك الدائرة في منطقة الخليج. لكن الإجراءات الترشيدية التي فرضتها الحكومة، وأبرزها إغلاق المحال التجارية والمطاعم والمقاهي في الساعة التاسعة مساءً، لا تبدو ذات جدوى اقتصادية تعادل الضرر الذي سيلحق بسير الحياة اليومية.
ينفرد القطاع المنزلي في مصر بالحصة الأكبر من استهلاك الطاقة بنسبة 37 بالمئة، بينما يأتي بعده بنسبة 29 بالمئة القطاع الصناعي، والذي يميزه الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة وعالية التلوث. المعضلة أن قطاع الخدمات يشغل نسباً عالية من المصريين في القطاع غير الرسمي وشبه الرسمي، وعليه، سيشكل الإلغاء المؤقت لليل المصري الطويل طبقة إضافية من المعاناة الاقتصادية لفئات شديدة الهشاشة من العمال الليليين، وذلك بلا تعويضات على الإطلاق. وسريعاً اتضح منذ الأيام الأولى لتطبيق القرارات أن تنفيذها انتقائي وأن ثمة استثناءات تحابي الطبقات العليا وتتشدد في التطبيق في أحياء الطبقات الدنيا. علاوة على ذلك، يحرم حظر التجوال الضمني السواد الأعظم من المصريين من نشطاهم الترفيهي الوحيد، حيث تصرف الأغلبية الساحقة من المصريين فوائضهم المالية الشحيحة على الطعام، وتتيح المقاهي والتسكع الليلي حيزاً مفتوحاً لتمضية الوقت بكلفة متواضعة. في أفضل الأحوال، سيعادل التوفير في استهلاك الكهرباء، الضرر الاقتصادي الواقع على قطاع الخدمات، أما الكلفة الاجتماعية فهي خارج حسابات السلطة.
في كتابة "أصوات الشوارع: الاستماع للحياة اليومية في مصر الحديثة" (2022)، يدلل المؤرخ زياد فهمي على أن التوسع في مد شبكات الإضاءة الليلية في المدن المصرية بالإضافة إلى خطوط الترام التي تعمل بالكهرباء، غير بشكل جذري الليل المصري ومعه المجتمع، وساهم في اختلاط طبقاته وسيولة الحركة بين الأحياء الحضرية، علاوة على تأسيس قطاعات للترفيه والفنون. هكذا يكون ميلاد الليل بوصفة مجالاًُ للنشاط الاجتماعي الجمعي هو ابن الحداثة، ومرتبط بدرجة من الرفاهية وبالنفاذية بين الطبقات وبوحدة المدينة واندماج سكانها.
يضمر النظام المصري الحالي نوعاً من العداء لليل، كون ساعاته تمديداً للمجال العام وتنويعاً لأنشطته، وكونه زمناً مخصصاً للدعة غير المنتجة وغير الجادة. بعد الثلاثين من يونيو، شنت الشرطة حملة أمنية ضد مقاهي وسط المدينة وعلى الحياة الليلة فيها، وعلى إثرها أطفأت أضواء شوارع المناطق المحيطة بميدان التحرير، أي مركز الثورة. كان ذلك عقاب متعمداً أو إجراء احترازياً، من قبل دولة ترتاب من الليل ورواده. مرة أخرى ومع وباء كورونا، فرض حظر تجوال مسائي، كان يفتقد للجدوى الصحية. ومع ضغط رجال الأعمال، سرعان ما استثنت الحكومة من الحظر العمال في النوبات الليلية، بينما بقى التقييد مفروضاً على الأنشطة الأخرى. ببساطة بقى الحظر سارياً على كل ما هو ليلي و"غير منتج". ومع الأوضاع الاستثنائية لسوق الطاقة، تعود الدولة المصرية لسياسات تعقيم الليل.
تتماشي تلك الإجراءات مع خطاب رأس السلطة حول التقشف. تكراراً، دعا الرئيس المواطنين للترشيد والانضباط، من المصابيح الموفرة إلى ذهاب الطلبة إلى الجامعات سيراً على الأقدام، علاوة على ممارسة الرياضة بانتظام. تصور المجتمع على أنه معسكر للجنود أو بالأحرى معسكر عمل تناسب شكل مركبات السلطة العسكرية والرأسمالية. وكلما يشعر النظام بالهشاشة في مواجهة الأزمات، يلجأ إلى تكدير المواطنين، بحرمانهم من الهامش الضيق لساعات الترويح عن النفس. ولعل تلك الإجراءات نابعة من ضيق أفق وكفاءة متواضعة في إدارة الأزمات. لكن مشاهد الحملات الأمنية وعلى رأسها القيادات التنفيذية بمصاحبة الشرطة والجيش أحياناً، لتنفيذ الحظر المسائي توحي بأن تلك الإجراءات نوع من تدريبات على الانضباط، في حالة شبه الحرب.
