كانت العولمة تفترض أن العالم مسطح وآمن، أما الآن فالجغرافيا عادت لتنتقم. تحويل المضائق من ممرات إلى مفاتيح ضغط، يعني أننا انتقلنا من اقتصاد التبادل إلى اقتصاد الابتزاز. والقوة اليوم ليست لمن يملك المصنع، بل لمن يملك الصمام الذي يغذي المصنع.
صعود جغرافيا الاختناق
بات واضحاً لأي مراقب أن أميركا لم تعد تهتم بنشر الديمقراطية أو الاستقرار الكلاسيكي، بل هي تكتفي بكونها الضامن الأخير للسيولة (طاقة ومال). تترك الأزمات لتشتعل، ثم تتدخل لتكون الطرف الوحيد الذي يملك طوق النجاة (المخزون الاستراتيجي، الدولار، القوة العسكرية العابرة للقارات). لقد بتنا نعيش في نظام التوتر المدار بدلاً من نظام الاستقرار الليبرالي. وهذا ما يفسر لماذا تبدو الحلول الدبلوماسية اليوم مستحيلة.
فالنظام العالمي يعاد تعريفه، اليوم، عبر نقاط محددة. وكلها متصلة اتصالاً وثيقاً بالجغرافيا لا بالإنتاج أو الابتكار أو حتى التطور النوعي في الأسلحة والعتاد. هذه النقاط تمثل الحنجرة التي يتنفس منها اقتصاد العالم وعيشه اليومي، فمضيق هرمز وقناة السويس وباب المندب ومضيق ملقا لم تعد مجرد ممرات مائية، بل أصبحت مفاتيح ضغط استراتيجية قادرة على إعادة توزيع القوة عالمياً.
وإلى هذا التحول يمكننا إضافة تحول آخر. وقوامه تهاوي الافتراض بقدرة السوق على تنظيم نفسه، كما ادعت الليبرالية الاقتصادية، واقتصار دور الدولة على رعاية هذا التنظيم. اليوم نلاحظ بوضوح أن الدولة أصبحت متدخلة على نحوٍ مباشر في إنتاج الطاقة وتوزيعها وفي السياسات الصناعية، وفي محاولة التحكم بسلاسل التوريد. الدولة اليوم إذا لم تكن قادرة على التدخل في سياسة التدفقات وضمان الجغرافيا فإنها تتحول على نحو كارثي لفاقدة للسيادة.
في هذا المجال يبرز الدور الأميركي المتجدد بوصفه عودة إلى الدولة الإمبراطورية المنظمة للاقتصاد وجغرافيته، لا مجرد حكم لنشاط السوق. والتغيرات هذه لا تعني تراجعاً في الهيمنة الأميركية، بل هي على الأرجح إعادة تعريف لها. حيث كانت في السابق ترعى هيمنة مالية مدعومة بجيش قوي وقادر على التدخل، لكنها اليوم أصبحت الضامن لأمن التدفقات، بدءاً من الطاقة، إلى العملة، إلى سلاسل التوريد. ومعالم هذا الدور الجديد توضح أن هذه الهيمنة تحولت من ضمان استقرار إلى هيمنة على إدارة الأزمات.
في ظل هذا التحول يمكن ملاحظة تغير جذري في طبيعة الرموز التي كانت تتحكم باقتصاد العالم، فالطاقة تحولت من مجرد سلعة إلى عملة سيادية توازي الدولار، وهذا لا بد أن يؤثر مستقبلاً على أدوار دول كبرى سلباً وإيجاباً. لكننا نستطيع أن نستشرف أن السعودية لم تعد فقط منتجاً للنفط بل أصبحت ضامناً وموازناً للنظام العالمي، فيما تحولت روسيا من استخدام الطاقة كممول لحروبها واقتصادها، إلى استخدامها كسلاح مالي وجيوسياسي. وهذا سيعني حكماً قلقاً أوروبياً من هشاشة القارة على مستوى إنتاج الطاقة. ويفسر الدعوات الأوروبية إلى تكثيف التنقيب في بحر الشمال، في محاولة لجعل القارة أقل اعتماداً على التدفقات الخارجية.
القلقون:
الاتحاد الأوروبي
لكن أوروبا تعاني من معضلة أخرى، وهي كونها تتكون من دول مستقلة تملك مصالح متضاربة وجيوشاً مستقلة. مع أن هذه المعضلة يمكن أن تكون نقطة قوتها في النظام العالمي الذي تترسخ معالمه الآن، خصوصاً إذا قررت تشكيل جيش أوروبي موحد، والتعاون الوثيق في مجال إنتاج الطاقة وتوزيعها. وإلى أن يتحقق أي من هذين الاحتمالين أو كليهما، فإن أوروبا ستبقى ساحة تأثر لا موقع قرار. والخلاصة تقول إنَّ غياب القرار الأوروبي الموحد يحول تنوعها من قوة محتملة إلى ضعف فعلي.
الصين
والحق إن أوروبا ليست وحدها من يعاني من قلق مستقبلي، ففي ظل هذه المتغيرات الكبرى، يشكل وضع الصين أخطر اختلالات هذا النظام الذي يتشكل. لأنها الدولة الأكثر حاجة للطاقة المستوردة، ولا تملك أي سيطرة على طرق نقلها، لذا تبدو كقوة إنتاج هائلة من دون سيادة لوجستية كاملة على ما تحتاجه لتبقي مصانعها قيد التشغيل. والأرجح أن الصين كانت تحدس بهذه الاحتمالات، وهذا ما يفسر اهتمام بكين المزمن ببناء قدرات بديلة (ممرات برية، مخزون استراتيجي، تحالفات مع منتجي الطاقة)، لكنها ورغم محاولاتها تلك، ولأن الوقت لم يسعفها لإنجاز اكتفائها الذاتي، فإن هذا التحول في وظيفة النظام العالمي قد يشكل نقطة ضعفها الأكبر في أي مواجهة.
الصين، باختصار هي مصنع العالم لكنها لا تملك مفاتيح أبوابه. إنها تعتمد على طرق بحرية (مثل هرمز وملقا) تسيطر عليها الأساطيل الأميركية أو تهددها الألغام الإيرانية. هذا التناقض البنيوي هو ما يجعل الصين حذرة جداً، ويجعل قوتها الاقتصادية رهينة للجغرافيا السياسية التي لا تسيطر عليها.
هذا الضعف الصيني، وهو ضعف تتشارك فيه مع دول كبرى كثيرة، أبرزها اليابان ودول الاتحاد الأوروبي، ينتج جزئياً عن واقع مستجد يتعلق بالحروب. فالحرب الإيرانية الأخيرة أثبتت أن الحروب لم تعد محلية، وأن أي صراع إقليمي قد يتحول إلى أزمة عالمية في مجالات الطاقة والغذاء والشحن. ويحتاج من العالم وقتاً مضنياً وكارثياً للتعود عليه والتعايش مع آثاره. فالعالم يتجه في ما يبدو إلى التخلي عن ادعاء العولمة بتحقيق مكاسب مشتركة، واعتماد منطق اللعبة الصفرية التي تفيد بأن كل رابح يقابله خاسر أو أكثر، وكل سيطرة على الموارد تعني حرمان الآخرين منها، أو خضوعهم لشروط المسيطر.
في الخلاصة ما نشهده ليس أزمة، بل انتقال إلى نظام جديد يمكن تلخيصه بما يلي:
التدفقات أهم من الإنتاج، الجغرافيا أهم من السوق، الدولة أقوى من الشركات، وأخيراً، الأزمات دائمة وليست استثناء. والمعنى فإن الحرب على إيران لا تعيد رسم الشرق الأوسط فقط، بل تكشف أن النظام العالمي نفسه انتقل من منطق الاستقرار الليبرالي إلى منطق التوتر المُدار.
هل أميركا هي الدولة الوحيدة القادرة على شن الحروب؟
الولايات المتحدة تملك ما يمكن تسميته بنية حرب مستدامة (WAR-SUSTAINING SYSTEM). وهذه البنية تتكوّن من اقتصاد بحجم قاري قادر على امتصاص الصدمات، وعملة عالمية تموّل الحرب (الدولار)، إضافة إلى تفوق لوجستي (قواعد، أساطيل، سلاسل إمداد)، والأهم مجتمع قادر نسبياً على تحمّل كلفة الحرب من دون انهيار سريع.
لذلك، ليست المسألة أنها الأقوى فقط، بل أنها الدولة الوحيدة التي تستطيع تحويل الحرب إلى نشاط قابل للاستمرار داخل النظام العالمي. وما كشفته الحرب الجارية يثبت أن القوة لم تعد تقاس بالقدرة على التدمير، بل بالقدرة على الاستمرار بعد التدمير.
