في الصدمة من تسكين أوجاع "الصدمة" بسوريا

إياد الجعفري الأحد 2026/03/22
Image-1774170453
رهانات "وردية" مرفقة بغياب الشفافية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كغيري من أغلب اللصيقين بالشأن الاقتصادي السوري، عانيت من الصدمة عند سماع "الأرقام" الاقتصادية التي تحدث عنها الرئيس أحمد الشرع، صباح أول أيام عيد الفطر. سواء كان الحديث لجهة ما تحقق، أو لجهة ما تعتقد الحكومة أنها في طريقها لإنجازه في مدى زمني قريب للغايةنهاية العام الجاري.

 

أما مصدر الصدمة، أننا نعتقد واثقين، أن من أشار على الرئيس باستخدام هذه "الأرقام" -نظن أنه وزير المالية وفق إشارة في حديث الشرع- يعلم جيداً الفرق بين الناتج المحلي الاسمي، والناتج المحلي الحقيقي. وأن الأول مضلل في تقدير نسبة "النمو"، فيما الثاني هو المقياس الدقيق، حين الحديث عن هذا المؤشر. مما يجعل الحديث عن "نمو" بنسبة 30 إلى 35% خلال العام 2025، يندرج في سياق إعطاء انطباع زائف بضخامة الإنجاز. وأبعد من ذلك، كان التورط في الحديث عن رهان الوصول إلى ناتج محلي ما بين 50 إلى 60 مليار دولار –ما كانت عليه سوريا في 2010- خلال العام الجاري، غير موفق، بالمطلق. فـ"النمو" وفق الناتج المحلي الاسمي –بالأسعار الجارية- قد يحدث نتيجة ارتفاع الأسعار، لا نتيجة زيادة الإنتاج. وهو ما ينطبق تماماً على الحالة السورية الراهنة، كما يمكن لأي اقتصادي مبتدئ أن يلحظه. فيما "النمو" وفق الناتج المحلي الحقيقي – بالأسعار الثابتة- يقوم على مبدأ استبعاد أثر التضخم –زيادة الأسعار- في قياس زيادة الإنتاج، مما يجعله مقياساً دقيقاً لـ"النمو"، يتم اعتماده في مختلف التقديرات الرصينة للاقتصادات في العالم.

 

تتراوح التقديرات حول نسبة "النمو الحقيقي" في الاقتصاد السوري خلال العام 2025، بين متحفظة –بحدود 1%- ومتفائلة –بحدود 2.5%- وهو بحد ذاته، إنجاز في حالة بلد كسوريا، وفي الظروف الأمنية المضطربة التي عاشتها خلال العام الفائت. والملفت، أن المسؤوليين الاقتصاديين السوريين أعطوا توقعات لبعثة صندوق النقد الدولي، التي زارت سوريا الشهر الفائت، بأن يتضاعف النمو الاقتصادي خلال العام الجاري ليناهز 10% -وهو رقم كبير وسيكون إنجازاً هائلاً لو تم بالفعل- لذا، كان صادماً حديث الشرع عن أرقام تراهن على "نمو" يصل إلى 200% خلال سنتين (من 20 إلى 60 مليار دولار خلال عامَي 2025 و2026). 

وبناء عليه، يصبح السؤال: لماذا اعتمدت حكومة الشرع خطاباً يضخّم الإنجاز والرهانات المتوقعة، بصورة غير واقعية؟ الجواب من شقين، الأول: أنها ليست المرة الأولى التي يقدّم فيها مسؤول بحكومتَي السلطة الراهنة، خطاباً "تضخيمياً" للإنجاز وللرهانات المتوقعة في أفق زمني قريب. بل يبدو أن ذلك سمة في أداء معظم مسؤولي السلطة عموماً. 

 

ورغم الأثر السلبي لهذه السمة، الذي بات جلياً –بما فيه الكفاية- في رفع سقف توقعات الناس، وما يتلو ذلك من إحباط يعتمل تدريجياً باتجاه استياء ملحوظ، فإن قلّة من مسؤولي الحكومة الاقتصاديين يتصف بميزة الحديث بواقعية، فيما يغلب على معظمهم سياسة الوعود والرهانات "الوردية"، المرفقة بغياب الشفافية. أما الشق الثاني لجواب السؤال عن دافع "تضخيم الإنجاز"، فيتعلق باستشعار السلطة بالاستياء المتفاقم في الشارع السوري، جراء ارتفاع كلف المعيشة بشكل دراماتيكي، خلال الأشهر القليلة الفائتة. تحديداً، منذ بداية الربع الأخير من العام الفائت، وصولاً إلى نهاية شهر رمضان المنصرم. ومرد الصدمة لدى كاتب هذه السطور، أن محاولة التصدي لهذا الاستياء تمت باستخدام فئة من الأدوات ذاتها التي أدت لتشكّل هذا الاستياء أساساً. مما يشي بأن المنخرطين في صناعة القرار الاقتصادي، في معظمهم، منفصلون عن الواقع، بحيث لم يدركوا بعد أن خطابهم الدعائي بات أثره عكسياً، على إنجازاتهم الفعلية ذاتها.

 

نقرّ، أن ما تحقق في سوريا، خلال العام الفائت، وحتى نهاية الربع الأول من العام الجاري، هو "إنجاز" بالاستناد إلى مواصفات الواقع الذي استلمته هذه السلطة بعيد سقوط نظام الأسد. لكن لهذا "الإنجاز" ضريبة اقتصادية – اجتماعية تتجلى الآن في ردود أفعال الشارع. فتحرير الاقتصاد وفق مبدأ "الصدمة"، بغية التخلص من استنزاف المالية العامة غير المجدي، كان ثمنه تضخماً متسارعاً، يتم تجنّب الاعتراف بأرقامه، رسمياً. ومنذ رفع تكاليف خدمات الاتصالات والكهرباء، في خريف العام الفائت، كان هذا الانعكاس متوقعاً. 

وبما أن الحكومة اعتمدت مبدأ "الصدمة" في التحوّل الاقتصادي، بدل "التدرج"، بغية تحقيق التحوّل والإنجاز المنتظر منه، بصورة أسرع زمنياً، كان عليها مصارحة الشارع بـ"الأوجاع" المنتظرة جراء هذا النهج. وهي أوجاع لا تبدأ بتسريح جماعي للعمال جراء إغلاق المصانع غير التنافسية، ولا تنتهي بارتفاع الأسعار بشكل جنوني. ففي حالات كثيرة قد يدخل الاقتصاد برمته، في ركود، قبل الوصول إلى مرحلة التعافي. هذه "الأوجاع"، التي لا بدّ أن صنّاع القرار الاقتصادي السوري، يدركون "ألف باءها"، لا يُفلح تسكينها، بالحديث وفق مبدأ –رفعنا لكم الأجور بنسبة 550%- لأن رفع الأجور ارتبط برفع الدعم وقفزات نوعية في تكاليف المعيشة.

 

تسكين "أوجاع" التحوّل الاقتصادي وفق مبدأ "الصدمة"، يتطلب مصارحة وشفافية. وخلفية مهمة لذلك، أن طلب الصبر من الناس على تلك "الأوجاع" إلى حين إتمام مرحلة التحوّل، تتطلب أن يُظهر المسؤول أيضاً، انخراطاً في ذلك "الصبر" المطلوب من الناس. لا أن تظهر عليه ملامح الحياة الرغيدة، فيما يُطلب من الناس، الصبر على الوجع المعيشي المتفاقم. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث