حين أطلق حزب الله صواريخه مطلع الشهر الجاري على إسرائيل، بعد صمت استمر منذ توقيعه عبر نبيه بري على وقف إطلاق النار في خريف العام 2024، كان يعلن للبنانيين وحكومتهم ورئيسهم، أنه لا يزال يحكم قبضته على قرار الحرب والسلم في لبنان. لم يكن اللبنانيون قد تمكنوا بعد من لملمة دمارهم وأنين جرحاهم والحزن على شهدائهم، ولم يكونوا قد غادروا بعد أماكن إيوائهم وأرصفة نزوحهم، حتى أعلن لهم حزب الله أنَّ "الانتقام" لمقتل مرشده الأعلى يستحق المزيد من الموت والدمار والنزوح. ومن يرى غير ذلك، ويستفظع كل هذا في سبيل الانتقام لمقتل الولي الفقيه، ينتظره الإعدام كخائن وعميل، بعد تحقيق "النصر" على العدو الصهيوني وسيده الأميركي. فمن بقي على قيد الحياة وسلِم عماره من اللبنانيين الشيعة بعد حرب إسناد غزة ، ليس أفضل ممن قُتل صامتاً وهو ينتظر حلول ساعة إسناد نظام الولي الفقيه والدفاع عنه.
صواريخ حزب الله أثارت هياج الوحش الإسرائيلي الذي لم يتوقف منذ خريف 2024 عن ملاحقة ناشطي حزب الله في مخابئهم حيثما كانوا على الأرض اللبنانية، وتصفيتهم مع من يصادف تواجده بقربهم. وأعلنت الصواريخ للبنانيين أن كل ما قاموا به بعد حرب إسناد غزة لاستعادة دولتهم وإحياء مؤسساتها تحت شعار حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، كان عملاً في الاتجاه الخطأ، ولم يكن يحظى بموافقة حزب الله وبركة مرشده الأعلى في طهران. والمفاوضات التي كان يجريها الحزب مع من كان يتوهم جدوى الحوار مع أتباع الولي الفقيه، لم تكن سوى إجراء تقتضيه ضرورات التحضير لحرب إسناد نظام الملالي في معركته الوجودية، التي كانت تشي بحتميتها التغيرات العاصفة بالشرق الأوسط منذ 7 أوكتوبر 2023. ويدرك من يتولى تغيير الشرق الأوسط استعصاء أي تغيير في ظل وجود نظام ثيوقراطي يخنق كل نبض للحياة المعاصرة، ويستحضر نزاعات قرون غابرة، يوظفها في مد أذرعه إلى أنحاء المنطقة، تنخر مؤسسات دولها، وتتركها هياكل فارغة.
من السذاجة الإعتقاد أن نظام الملالي لم يكن يتنبه مع أذرعه إلى التقاطع بين مصلحته في إفراغ دول المنطقة من محتواها وتحويل مؤسساتها إلى هياكل فارغة، وبين مصلحة إسرائيل في مجاورة أشباه دول تستجدي منها الأمن والاستقرار. فمن كان ليتخيل أن لبنان الذي كان يردد أنه سيكون آخر الدول العربية التي قد تطبع علاقاتها مع إسرائيل، فإذا به، وبفضل مصادرة نظام الملالي دولته بواسطة ذراعه حزب الله، يكاد يستجدي مفاوضات مباشرة مع إسرائيل قد تعرقل زحفها على أراضيه (ومن قال إنه سيتوقف عند نهر الليطاني؟). ومع ذلك لا يجد حزب الله غضاضة، وبواسطة أخيه الأكبر نبيه بري، من عرقلة تشكيل الوفد اللبناني إلى المفاوضات المحتملة بإصراره على تسميه ممثله الشيعي في الوفد.
لقد خلقت هزيمة حزب الله في حرب إسناد غزة ظروفاً ملائمة لوصول قيادات لبنانية، دغدغت أحلام اللبنانيين باستعادة دولتهم من فم التنين. وسارعت الدول التي لا مصلحة لها في بقاء لبنان في فم التنين الإيراني إلى إرسال الموفدين والممثلين الشخصيين لحث القيادات اللبنانية الجديدة على الإفادة من الفرصة التي لن تقيم طويلاً، وحسم أمر سلاح حزب الله وتحكمه بمفاصل الدولة اللبنانية. لكن بعض القيادات نام على وهم القناعة بجدوى الحوار مع التنين الذي ما اعتاد منذ زرعه في لبنان لغة الحوار، بل اغتيال الرأي الآخر وتصفية من يقول به. وكان التنين يستغل وهم هذا البعض من القيادات ويعززه بالتهويل بحرب أهلية تارة، وبالتلطي وراء مقولة "الطائفة الشيعية الجريحة" التي ابتدعها بنفسه، ويرهب بها الشيعة المناوئين له، تارة أخرى.
وهكذا وجد لبنان نفسه في عزلة شبه مطلقة، وغاب عنه الموفدون والممثلون الشخصيون والمهل التي كانوا يمنحوها له لحسم أمره، وكانت آخرها مدة الستين يوماً التي منحها للبنان المبعوث الأميركي توم باراك في كانون الأول/ ديسمبر الماضي. ولم يعد هناك من يصفق لقرار حظر النشاط العسكري والأمني لحزب الله وحظر استخدام تعبير "مقاومة" للإشارة إلى حزب الله، والتي رد عليها الحزب بالمزيد من رشقات الصواريخ نحو الوحش الإسرائيلي. وحتى مبادرة الرئيس عون لاقتراح مفاوضات سياسية مباشرة مع إسرائيل، بالكاد وصل إلى مسامع العالم، مما أحبط اللبنانيين، وجعل بعض الأصوات تدعو إلى اللجوء للمجتمع الدولي، بل ووضع لبنان تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ويرى بعض الإعلام في العالم، وليس الإسرائيلي فقط، أن تقديم نظام الملالي وحزبه لبنان قرباناً على مذبح الدفاع عنه، قد دفع البعض في لبنان لأن يرى في العدو فرصة لتخليص بلده من قبضة حزب الله.
من مواقع الإعلام التي ذهبت إلى القول بذلك، كانت إحدى أكبر الصحف الروسية الاتحادية kommersant في 17 الجاري. فقد رأى المتابع لشؤون الشرق الأوسط في الصحيفة الكاتب نيل كيربالوف Neil Kerbalov أن اللبنانيين ينتظرون انتصار إسرائيل، و"بيروت تأمل في هزيمة حزب الله".
افترض الصحافي أن الحكومة اللبنانية تأمل في استخدام إسرائيل لتسوية الأمور مع جماعة حزب الله الشيعية، التي لا تخضع لسيطرة الحكومة المركزية. ونقل عن مصدر نيابي لبناني لم يذكر إسمه، تأكيده لقناة التلفزة الإسرائيلية 24 بأن الفرصة الوحيدة لتغيير وجه لبنان، تتمثل في نجاح الهجوم البري الإسرائيلي. ووفقاً لهذا البرلماني، فإن حزب الله نفسه، الذي ينافس الحكومة المركزية كقوة عسكرية وسياسية، يدرك تماماً أن الإجراءات الإسرائيلية في لبنان، فضلاً عن العملية ضد إيران، يمكن أن تحدد مصيره.
ويرى البرلماني أن قوة حزب الله تكمن في تلقّيه الأسلحة والأموال من إيران. ولذلك، تتوقع الحكومة المركزية في بيروت أن تُسهم الضربات الأميركية الإسرائيلية على طهران في إضعاف الحزب. ويضيف البرلماني اللبناني بالقول للقناة الإسرائيلية إن بيروت نفسها عاجزة عن مقاومة "الدولة الموازية" التي يمثلها حزب الله: و"هذا ليس خطأ قائد الجيش اللبناني، اللواء رودولف هيكل، بل هو ضعف الجيش اللبناني نفسه، الذي يخشى القوة العسكرية الهائلة لحزب الله وقدرته على تجنيد الشيعة اللبنانيين".
يشير الصحافي إلى أن بيروت قد اتخذت مؤخراً خطوة جذرية نحو تغيير سياستها الإعلامية تجاه حزب الله. فوفق جريدة "المدن" الإلكترونية اللبنانية، أرسل وزير الإعلام اللبناني بول مرقس تعميماً إلى وسائل الإعلام الرسمية يحظر استخدام كلمة "مقاومة" عند الإشارة إلى حزب الله. وبدلاً من ذلك، توصي الوزارة باستخدام اسم الحزب فقط.
موقع الملحق الأسبوعي argumenti في يومية aif الروسية واسعة الإنتشار، وفي السياق عينه، نشر في 18 الجاري نصاً أشار فيه إلى أن السلطات اللبنانية تأمل أن تؤدي العملية العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله إلى إضعاف الجماعة، التي تعمل فعلياً بشكل مستقل عن الحكومة المركزية. وينقل الموقع عن مصادر لم يذكرها قولها إن بيروت ترى في ذلك فرصة لتغيير موازين القوى داخل البلاد وتخفيض نفوذ المنظمة على النظام السياسي.




