هذه السنة كان لمرور ذكرى الثورة وقعٌ مختلف عن السنوات الماضية كلها، بما فيها السنة الماضية. فمنذ انطلقت في منتصف آذار 2011 كان الاحتفال السنوي بذكراها نوعاً من التحدي، وإبداء العزم على الاستمرار حتى إسقاط الأسد. وفي السنة الماضية كان طيف المحتفلين يجمع المبتهجين بسقوط الأسد، إلى جوار المنتصرين عليه وقد قرروا الانتماء إلى الثورة، وقررت فئات عديدة مجاراتهم في هذا الزعم سواءً عن طيب نية أو عن طيب خاطر!
في آذار 2025 لم تكن نوايا السلطة وإمكانياتها قد ظهرا كما سيحدث لاحقاً، وحتى مجازر الساحل لم تؤخذ قرينة ضدها من قبل الذين نظروا إليها كردّ فعل "مقبول". كذلك كان حال التسامح مع التعيينات الجديدة التي اعتمدت على المحسوبيات من أبناء اللون الأيديولوجي للسلطة، ومن أقرباء الصف الأول منها. وأيضاً، هكذا كان حال ردود الأفعال على بوادر تشير إلى نوايا أسلمة المجتمع السوري، بجعله على النموذج الإسلامي الذي تقترحه السلطة بخلاف النموذج المعهود منذ زمن بعيد.
مع مجازر الساحل والسويداء التي اعترفت بها السلطة، ومع عدم الشروع في محاكمة المجرمين السابقين والجدد، صار الحديث عن السلم الأهلي من الماضي. في المحصلة هناك فئات واسعة متضررة، (بعضها استبشر بإسقاط الأسد)، لم تتراجع فقط عن تفاؤلها، بل راحت هذه الفئات تعرب علناً عن استيائها من الثورة التي تسببت بوصول هذه السلطة إلى الحكم. الحديث عن ملايين من السوريين، لا ينتقص من أحقيتهم برأيهم الانتماءُ إلى "أقليات" مذهبية أو إثنية كما يروّج البعض، بما أنهم قد استُهدفوا على أساس طائفي أو قومي.
في الأيام الأخيرة برزت أصوات تشتم الثورة بعدّها أصل الكوارث التي ألمّت بسوريا، وقد ساند هذه الأصوات انكشافُ السلطة على نحو لم يعد ممكناً إخفاؤه، ومن ذلك على أعتاب ذكرى الثورة ما بان من تدنٍّ في المستوى يتعلق باختيار نشيد وطني. فالأمر، في عجالة، مرتبط بمستويات متعددة من عدم احترام فكرة النشيد الوطني والسوريين معاً، في رأس هذه المستويات أن الأمر خارج صلاحيات السلطة المنشغلة بما لا يصبّ في صلب مهامها. ومن ذلك أيضاً منع تقديم المشروبات الروحية في كافة مطاعم وملاهي دمشق، مع السماح ببيع الزجاجات المختومة فقط في أحياء ذات وجود مسيحي. وقد سبق هذا إجراءات تتعلق بمنع الموظّفات من استخدام الماكياج، ومنعهن من ارتداء البكيني على الشواطئ، ومنعهن من المشاركة في الفضاء العام بدليل أن وجودهن رمزي في الإدارات العامة وما فوق.
لكن، قبل التوقف عند أولئك "النادمين" على الثورة، يجدر الانتباه جيداً إلى أنهم ليسوا روّاد التنكيل بها. في الواقع، سبقت السلطة الجميع بالتنكيل بجثة الثورة، وهذا لا يتوقف عند تاريخها في "جبهة النصرة" ثم "هيئة تحرير الشام" عندما كان عداؤها للثورة وأهلها معلناً. فمن المعلوم أن الهيئة، من أجل دفع تهمة الإرهاب عنها، رفعت لاحقاً العلم الذي يرمز إلى الثورة. مع ذلك، ما أن استلمت الهيئة السلطة حتى بادرت إلى اختراع هوية بصرية تنافسه، وإقامة احتفالات واسعة للهوية البصرية في وقت لم تكن فيه إطلاقاً من مطالب السوريين أو أولوياتهم.
خارج الشكليات، في الجوهر، خالف الإعلان الدستوري مطالب الثورة، لجهة التخلص من حكم الفرد، فالصلاحيات الممنوحة للرئيس الانتقالي بموجب الإعلان يفوق بعضها ما كان للأسد وقت الثورة عليه. يُضاف على ذلك أن الإعلان نفسه تم تجاوزه في العديد من المناسبات، ما يكرّس عدم احترام السلطة لقوانينها هي، وحتى بين أوساط مؤيّديها بدأ التذمّر من هذه التجاوزات، ومن تعطيل انعقاد "مجلس الشعب"، المعيَّن أساساً، وبما يكرّس التفرّد بالسلطة.
لقد خرج من أوساط السلطة وحلقتها الضيقة مَن يدافع عن تعيين الأقارب، بل ويدافع أيضاً عن احتمال تحويل سوريا إلى نظام ملكي، بعدما افتُضحت آثار المحسوبيات، ومنها انعدام الكفاءة. وليس جديداً أن المستويات العليا من السلطة تحاشت، ولا تزال، النطق بمفردات مثل الحرية والديموقراطية، أو الانتقال الديموقراطي، وهذا ما يمكن احتسابه إجمالاً بمثابة تنكيل بالثورة التي يتم النطق باسمها من دون تمثّل قيَمها ومبادئها. ولا شكّ في أن هذا لاقى قبولاً لدى شرائح واسعة، بمن فيها التائبون عن الثورة.
بالعودة إلى الناقمين على الثورة، الذين باتوا يرونها أم الكوارث السابقة والحالية، لا ينتبه هؤلاء إلى أن الثورة هي بمثابة حدث تاريخي كان من الصعب جداً (أو من المستحيل) تجنّبه، أو تجنّب ما يماثله مستقبلاً. فالثورة لم تحدث، كما يحلو أيضاً لبعض الثورجيين تصويرها، لأن بعض السوريين قرر إسقاط النظام. فهناك في التاريخ الحديث أمثلة على فشل مثل هذه الفرضية، إذ كان الجو مهيَّاً نظرياً لعشرات الألوف من المعارضين اليساريين والإسلاميين في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات، إلا أن حافظ الأسد تمكن من سحق الطرفين، ومن المؤكد أن تجربة تلك المرحلة دخلت ضمن المؤثرات البعيدة المدى التي أوصلت إلى الثورة لاحقاً.
ثار السوريون لأنهم يئسوا من أن يقوم النظام بالتغيير المطلوب منه، ولو في الحدود الدنيا الضرورية. ثاروا لأن سياسات الإقصاء والتهميش لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، ولأن الثورات الشعبية تندلع عادة بدافع اليأس من التغيير بوسائل أخرى أقل كلفة. والكلام يبقى عن نسبة من السوريين اندفعوا للمطالبة بالتغيير عبر الطرق السلمية، فبادرهم الأسد بالعنف والوحشية ليُضطر الضحايا إلى معاداته، ومنهم مَن لم يكونوا أصلاً من مناصري الثورة. نفصل هنا بين طور الثورة وطور الحرب، مع التذكير بأن الانحيازات في زمن الحرب ليست نفسها التي كانت في زمن الثورة.
لا معنى اليوم للعداء للثورة، فهي ثانياً حدثٌ صار في الماضي الذي لا يمكن استعادته لتغييره، وهي أولاً حدث غير فئوي، لتقرر فئة ما الاستمرار فيه أو التوقف عنه، أو تفاديه في الأصل. والتسليم بما يمكن وصفه بـِ "حتمية" الثورة لا ينطبق على الأفعال التي لم تكن حتمية بالتأكيد، بمعنى عدم جواز استخدام منطق الحتمية من أجل التبرير للأخطاء التي ارتُكبت ممن يحسبون أنفسهم على الثورة. بل، على العكس تماماً، من الضروري إخضاع تلك الأخطاء بلا هوادة لنقد وتشريح لا يستثني أحداً، مع التنويه بأن جزءاً من هذه الأخطاء أتى بالقوى الأكثر تنظيماً إلى السلطة، بالرغم من عدائها المعلن للثورة.
من المؤكد وجود كثر من المنتفعين الذين يريدون مواصلة المتاجرة بجثة الثورة، ولو استدعى هذا إثارة نفور الملايين. وفيما تبقى هناك، أحقية للاحتفال بذكرى الثورة، إذا اقترن الاحتفال بالإخلاص لمبادئها. ومن المهم دفن جثة الحدث نفسه، فالوفاء لمبادئ الثورة يقتضي عدم تزييفها باعتبارها ثورة انتصرت. ولعل بعض العزاء يأتي من المسار المتعرج للعديد من الثورات عبر التاريخ، متى قُيّض لها عبور البرزخ.




