حروب اللاتكافؤ

شادي لويسالأربعاء 2026/03/11
Image-1773217861
تترك الامبراطورية وراءها أطلالاً (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تخوض الإمبراطورية حروباً غير متكافئة بالتعريف، من غزة إلى فنزويلا وبعدها إيران. الفارق التقني الهائل واختلال موازين القوى بشكل فادح في كل وجه من أوجه المقارنة، يقترب بالمعركة إلى حدود التصورات الأسطورية، إنها حرب الآلهة ضد البشر. حرفياً لا مجازاً، هي حرب السموات، فلدى واشنطن هيمنة شاملة على الجو وتسيطر بالكامل على ميدان القتال من أعلى. استهداف الخصوم الواحد بعد الآخر في غرف نومهم والهيمنة على وسائل الاتصالات والشبكات، تجعل الإمبراطورية وكأنها كلية المعرفة، ترى كل شيء كل الوقت وفي أي مكان. 

 

وبالرغم من هذا، لا يبدو أن الولايات المتحدة قد ربحت حرباً بعد الحرب العالمية الثانية، من فيتنام إلى العراق. الانسحاب الأميركي المخزي من كابول كان آخر صور المهانة الإمبراطورية. اللاتكافؤ لا يعني بالضرورة نتائج محتمة أو نهاية معروفة مسبقاً للمعارك، وبالمثل لا تعني هزيمة الإمبراطورية انتصار خصومها. حين تفقد واشنطن صبرها، تنسى الأهداف التي شنت الحرب من أجلها، تتخلى عنها وتكتفي بالتدمير. يضحى القصف وسيلة وهدفاً في حد ذاته. تترك الامبراطورية وراءها أطلالاً، أما الضحايا فتعدادهم بمئات الألوف أو الملايين. يشبه الأمر قوة الطبيعة، حيث يسقط القتلى وكأنهم ضحايا كارثة طبيعية. بالفعل بدأ ترامب يفقد صبره. بحسبه الحرب قد انتهت بالفعل، هذا بعد اندهاشه المبدئي من أن طهران لم تستسلم بعد. وحين سئل عن مساعدة الشعب الإيراني، أعرب عن تبرمه من عدم انتهاز الإيرانيين الفرصة للتمرد على نظامهم. هكذا يستحق المدنيون ما سيلحق بهم من جولات القتال الآتية. 

 

تكمن معضلة الحروب اللامتكافئة، أن الطرف الأقوى بمجرد ما يشرع في القتال يفقد مكانته الإلهية، حيث يصبح عرضة للأذى مثل البشر الفنانين. صحيح ليس بقدر الضرر نفسه الذي يلحقه بالآخرين، لكن الأذى أي أذى يخلخل صورة الحصانة المطلقة. تفرض الإمبراطورية هيمنتها حين تلوح بقوتها من بعيد وضمناً، لكن حين تشرع في استخدامها تفقد هالتها سريعاً وتتكشف محدودية العنف أو لا أخلاقياته، وعلى الأغلب الإثنين معاً. 

الحال أن طهران تدخل هذه الحرب وهي مستعدة لمعركتها النهائية، حرب لا تدور على أرضية متساوية. الدفاعات الجوية فوق إيران تقريباً بلا أثر، وترسانتها الباليستية غير قادرة على اختراق طبقات وطبقات من شبكات الإنذار المبكر وقباب الدفاع المتراكبة باستثناءات محدودة تثبت القاعدة. ومع هذا، لا تبدو طهران عاجزة، وهي تمارس تخريباً يتجاوز المواجهة العسكرية المباشرة (هي قد خسرتها من البداية). لكن وعلى مسافة منها، تمارس حرب عصابات بطول الإقليم وعرضه، تكتيكات حرب شوارع على مستوى كوكبي. تستهدف المسيرات الإيرانية القلب الإمبراطوري، أي سير الحياة اليومي للنظام الرأسمالي، تقطع شرايين التجارة وإمدادات النفط والغاز لمصنع العالم في شرق آسيا. وعلاوة على عرقلة خطوط الملاحة والطيران فوق السماوات الخليجية المزدحمة، صافرات الإنذار تنطلق على حتى حدود الاتحاد الأوروبي وفي أراضي حلف الأطلسي. في الحال ترتفع أسعار غاز التدفئة ووقود السيارات حول العالم، ومحافظو البنوك المركزية يطلقون تحذيراتهم بشان موجة تضخمية مقبلة. 

 

لتكتيكات التخريب حدودها أيضاً، وبالأخص في مواجهة خصم يبحث عن حرب هرمجدونية، بينما يستشهد وزير الحرب الأميركي بآيات العهد القديم في بياناته العسكرية. عدم الاستسلام الإيراني السريع، وخيبة الأمل الفورية في إمكانية قيام انتفاضة شعبية أو تمرد كردي، يدفع واشنطن للتفكير في إرسال قوات برية إلى إيران. مرة أخرى، الحملة التي بدأت كعميلة محدودة قد تتحول إلى حرب شاملة وطويلة. الأكيد هو أن الضرر الذي لحق بصورة الإمبراطورية لا سبيل لإصلاحه، أما الخراب الذي لحق بالمنطقة فليس سوى "ضرر جانبي". 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث