سمى الملالي "ولي الدم" مجتبى علي خامنئي مرشداً أعلى لنظامهم. وعلى الأثر، انفجر سيل من التوقعات والتفسيرات والتحليل و...، لكن الحرب تتواصل، تستبق كل الأجوبة. يختصرها الموت الذي تحمله لكل ما ينبض بالحياة، ويعجن صحها وخطأها الدمار الذي يجرف كل ما بنته اليد البشرية، واستهلك أعماراً وحيوات.
منذ أيام اشتكت الحرب إحدى الصبايا على موقعها في الفايسبوك. ارتدت أجمل ثيابها ألواناً وأكثرها إثارة، انتقت أجمل التسريحات لشعرها، اختارت عطراً دافئ الهمسات، لونت أظافرها والشفاه بلون اللهفة والوعد، وانتظرت. لم يؤلمها تأخره، لم تعاتبه، فقد أيقنت أن الحرب سبقته ودمرت الوعد.
الصبية كانت لبنانية، وكسائر اللبنانيين، أدركت أن الوعد لا يحققه الانتظار جلوساً. فهمت أن الدرب للفوز بلحظة حياة، دونها كل غضب إله الحرب "مارس" وقسوته. كسائر اللبنانيين، كانت تنتظر تجريد "مارس" من غضب سلاحه ومآسي حروبه التي التهمت حياة أجيال، واستبقت كل مواعيد صباها ودمرتها. الحرب المقيمة في ربوعنا منذ أن استباحتنا "اتفاقية القاهرة" اللعينة، وتناوب على رفع رايتها "الشقيق" و"الأخ"، إلى أن تسلمها في الثمانينيات فريق الحرس الثوري الذي أنشأه في لبنان من شيعة لبنانيين، سبق أن انضووا تحت راية "الشقيق" و"الأخ". طيلة هذه المدة الطويلة، كانت الحرب تسبقنا إلى أعراسنا، إلى أعيادنا، إلى أفراحنا وأحزاننا، وتدمر كل مواعيدنا مع كل ما يشير إلى بقائنا على قيد الحياة.
لعل الصبية واللبنانيين التواقين للحياة لا للموت، قد أدركوا أن جند إله الحرب "مارس" لا يؤتمن جانبهم ولا يُركن إلى وعودهم. فهم خلقوا لسلاحهم ورفعوه على رايتهم فوق كلمة الله، التي رسموها بندقية كلاشنيكوف. منذ أن أنبت ملالي إيران شوكهم في حقول شيعة لبنان بالثمانينات، لم يخوضوا حواراً مع أي طرف آخر، فهم "الحمدلله دائماً على حق"، وجلمود "حقهم" إما أن يَكسِر أو يُكسَر. امتطوا شعار "مقاومة إسرائيل" ودفعوا الكثير من الدم لترسيخ مقولة نظام الملالي بعدائه لإسرائيل، والتي أجاد استثمارها في ما تباهى به: احتلال أربع عواصم عربية. لم يشتبكوا يوماً مع إسرائيل، إلا ليرسخوا احتلالهم لأرض دولة عربية ويجوفون الدولة من كل مقوماتها.
فمن أين أتت قناعة بعض المسؤولين اللبنانيين بمفاوضة فصيل الحرس الثوري في لبنان على "تسليم سلاحه" بالحوار؟ كدنا أن ننساق إلى التصديق بالحوار مع حملة السلاح ونحتفل بقرارات آب/ أغسطس المنصرم، كما كدنا ننزلق إلى الوهم مرة أخرى ونحتفل بقرارت أواخر شباط/ فبراير المنصرم. لكنهم كانوا بالمرصاد لمجرد آنيتنا بالفرح، واغتالوها حزناً على مقتل مرشدهم. يوغلون في استفزاز الوحش الإسرائيلي الذي يلاحقنا ونحن نفترش الأرصفة وأزقة النزوح.
لصراخ الوجع حدود، ويكاد أنين وجعنا أن يتخطى فضاء الداخل ويبلغ مسامع العالم، عل منظماته الدولية تنقذنا من سذاجتنا، وتضع يدها على مكامن أوجاعنا. فقد أخذت تعلو أصوات بعضنا الشجاعة للاستنجاد بمنظمات العالم لتنقذنا من أوهامنا ومن "سذاجتنا" القاتلة، ولننهض لمنع الحرب من أن تسبقنا لتدمير كل علامات الحياة فينا.
لن أدخل في تفاصيل الحدث الإيراني التي تكررها وسائل الإعلام كل لحظة لدرجة تكاد تبلغ الملل. أترك للإيرانيين وما تسرب من صراخ وجعهم إلى وسائل الإعلام، لينطقوا بما يكاد يتطابق مع ما نكابده من ألم العجز أمام هول ما يجري.
على مدى يومين منفصلين في الحرب الأميركية الإسرائيلية على نظام الملالي، جمع موقع الخدمة الفارسية في BBC، ونقل عنه موقع الخدمة الروسية في الشبكة، شكوى الإيرانيين ومعاناتهم مما يدور بين نظام الملالي وعدويه الأميركي والإسرائيلي اللذين لا يخفيان سعيهما لتقويض دعائمه والإطاحة به.
في عدد الجمعة في 6 الجاري، أشار الموقع إلى تنبيه إسرائيل لسكان أحد أحياء مدينة قم بضرورة إخلاء منازلهم لاقتراب موعد وقوع عملية عسكرية في منطقتهم. كما نقل الموقع عن سكان طهران شكواهم من تعرضهم ليل الجمعة عينه لأعنف موجة من الغارات الجوية منذ بدء العمل العسكري الأميركي الإسرائيلي ضد النظام الإيراني.
اشتكى موقع الشبكة البريطانية من صعوبة حصول مراسلي الإعلام الأجنبي على إذن للعمل داخل إيران، كما كان منذ اندلاع الحرب. كما أشار إلى أن قطع الإنترنت يحد أكثر من قدرة الصحافيين على تغطية ما يجري في إيران. ومع ذلك، تمكنت الشبكة من التواصل مع عدد من سكان طهران، وحجبت هوياتهم حفاظاً على سلامتهم.
يكفي استبدال أسماء الإيرانيين المستعارة بأسماء اللبنانيين الصريحة، حتى تصبح الشكوى والشهادات لبنانية كلياً. يستعرض الموقع شكوى الإيرانيات والإيرانيين من أصوات الانفجارات القريبة التي تشبه "زئير تنين هائل"، وتجعل نومهم شبه مستحيل، وتؤدي إلى تخلع النوافذ والأبواب.
الملفت أن الموقع لا ينقل عن الإيرانيين إشارتهم إلى عمليات إخلاء اضطراري للبيوت وموجات نزوح حاشد لسكان طهران، كما في قرى الجنوب اللبناني وأحياء الضاحية الجنوبية لبيروت، بل يتحدث عن حالات نزوح وقائي إلى مناطق وبلدات قريبة من العاصمة.
توقف الموقع عند شهادة إحداهن من طهران التي قالت: "بصراحة، لا أعرف حتى كيف أصف الأمر على نحوٍ صحيح: الناس يشعرون بالنشوة تقريبًا" مما يحدث. وتضيف بالقول إن الناس يصعدون إلى سطوح منازلهم، يجلسون وينتظرون متى تبدأ الضربات. لقد "كان يوميّ الثامن والتاسع من كانون الثاني/ يناير (حين قُمعت الاحتجاجات المناهضة للحكومة بوحشية) أكثر رعباً بالنسبة لهم من الأسبوع الماضي. في ذلك الوقت، كنا أهدافاً لرصاصنا المحلي"، على قول السيدة الإيرانية نفسها.
يواصل الموقع نقل شهادة السيدة الإيرانية من طهران، التي تقول "عندما تحلق الطائرات المقاتلة فوق المدينة، يلوّح الناس ويصفرون لها. لقد أصبحت المدينة هادئة وخالية، لكن الناس يقولون: دعهم يستمرون في االقصف حتى ينتهي الأمر بحلول عيد النوروز (رأس السنة الفارسية، 20 أذار/ مارس). ويرددون بأنهم ببساطة لا يستطيعون تحمل الجمهورية الإسلامية بعد الآن".
ينقل الموقع عن شاب من طهران أيضاً قوله: "لا ينبغي أن ينتهي بنا الأمر إلى ما انتهى إليه في العراق أو سوريا، بصراحة، نحن لا نستحق ذلك"، في إشارة منه إلى الحروب الأهلية التي دمرت البلدين في هذا القرن. ويشير الشاب إلى أن أنصار النظام ينشطون أيضاً في التعبير عن دعمهم للقيادة الإيرانية. ويقول: تنتشر نقاط التفتيش عند كل تقاطع تقريبًا. تتجمع مجموعات من المؤيدين للحكومة ويبدأون بالهتاف بشعارات، ثم تتوقف سيارة مزودة بمكبرات صوت، لتطلق هتافات أعلى صوتًا.
ويصف مصدر للشبكة البريطانية الوضع في طهران خلال الأيام الأخيرة بالقول: "لقد تحولت المدينة إلى مدينة أشباح: رائحة البارود تفوح من كل مكان، والظلام يخيم على كل زاوية". ويضيف: "آمل أن تتغير الأمور، فالناس يعيشون على الأمل. وإذا لم يحدث ذلك الآن، فربما لن يحدث أبدًا".




