قراءة إسرائيلية في صمود نظام الملالي ومحاذير إسقاطه

بسام مقدادالسبت 2026/03/07
Image-1772832639
الأكثر إثارةً للمخاوف، هو تحول إيران إلى دولة فاشلة ضخمة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يبدأ اليوم الأسبوع الثاني للحرب الأميركية الإسرائيلية على نظام الملالي، ويكاد يجمع المراقبون على أن ما أظهره النظام في الأسبوع الأول قد فاجأ الجميع تقريباً. فالنظام الذي يدرج عن حق على قائمة الأنظمة التسلطية القمعية، تبين أنه يختلف عن هذه الأنظمة. فقد أظهر الأسبوع الأول أن نظام الملالي لم ينشأ حول شخص بعينه، يسقط بموته، بل نشأ حول عقيدة إمبراطورية أُسبغ عليها صفة دينية، وبنى في ظلها شبكة مؤسسات متداخلة معقدة التنظيم، تتوزع المسؤولية عن القمع، وتمكنت من الصمود حتى الآن على الأقل. 

مقتل خامنئي في الدقائق الأولى للهجوم الأميركي الإسرائيلي، واستمرار آليات النظام بالقتال والصمود، كأن مرشدها لم يمت، قد فاجأ كثيرين، وجعلهم يتراجعون ويعيدون النظر بما كانوا يرونه من سهولة في إسقاط النظام أو تغييره. 

 

موقع MIGnews الإسرائيلي الناطق بالروسية نشر في 3 الشهر الجاري نصاً تساءل فيه: لماذا تغيير النظام في طهران قد يصبح طريقاً جيوسياسياً مسدوداً.

رأى الموقع أن مفهوم تغيير النظام، الذي أصبح مرة أخرى محورياً في أجندة واشنطن، يواجه ثلاثة عوائق أساسية يمكن أن تمنع حدوث تغيير في النظام الإيراني.

أولاً، تتمثل أولى أزمات التخطيط، وربما أخطرها، في غياب شخصية مركزية قادرة على قيادة إيران بعد سقوط النظام الديني. وفي مثل هذه الحالات، كان الغرب يميل دائماً إلى المبالغة في تقدير نفوذ دوائر المهاجرين. فبالنسبة لنجل الشاه الأخير رضا بهلوي، وممثلي منظمة مجاهدي خلق، فهم يمتلكون مواقع إعلامية في واشنطن وباريس، لكن نفوذهم الفعلي داخل إيران يبقى موضع شك كبير. وبالنسبة للمجتمع الإيراني الذي تعرض خلال عقود  لفيض من الخطاب المناهض للاستعمار، فإن أي زعيم يأتي "في موكب" الجيوش الأجنبية، لن يُمنح أي تفويض وطني. وإيران ليست نخبة طهران المثقفة فحسب، بل تشمل أيضاً المناطق المحافظة، حيث لا تزال سلطة المسجد والمؤسسات التقليدية راسخة لا تتزعزع. ومحاولة فرض "الشخصية التي تخصنا" ستخلق وضعاً يعتمد فيه تماسك الحكومة الجديدة كلياً على الدعم الخارجي، مما يجعلها مؤقتة بطبيعتها. فمن دون قائد يخرج من داخل المقاومة الإيرانية نفسها، وغير مرتبط بشكل مباشر بأجهزة الاستخبارات الغربية، فإن الفترة الانتقالية محكوم عليها بالفشل.

ثانياً، يتعلق الأمر بإمكانية تصدير الديمقراطية إلى منطقة ذات نظام حضاري مختلف. فقد أظهرت تجربة أفغانستان والعراق أن المؤسسات الغربية التي يتم زرعها في تربة دينية وقبلية شديدة، لا تفشل فقط في ترسيخ جذورها، بل تتحول أيضاً إلى واجهات فساد تنهار بمجرد أن ينضب التمويل الخارجي.

 

في إيران، ليس الدين مجرد شأن خاص بالمواطن، بل هو الركيزة الأساسية للبنية الاجتماعية والاقتصادية والقانونية. وقد تشكّلت الهوية الشيعية على مرّ العصور كأداة لمقاومة الضغوط الخارجية. ويمكن للمجتمع الإيراني، حتى وإن كان غير راضٍ عن المسار الاقتصادي الحالي، أن يلتف حول العناصر الراديكالية بدافع الحفاظ على الذات الوطنية. وفي غياب نظام تعدد الأحزاب والحوار المدني، فإن المستفيد الأكثر احتمالاً من سقوط الملالي لن يكون "ليبرالياً مستنيراً"، بل "رجلاً مسلحاً"، ممثلاً للجناح الأكثر تطرفاً في قوات الأمن، القادر على ضمان الحد الأدنى من الانتظام العام في ظل ظروف الفوضى.

أما السيناريو الثالث، والأكثر إثارةً للمخاوف، فهو تحوّل إيران إلى دولة فاشلة ضخمة. فغالباً ما يغفل دعاة الإجراءات المتشددة حقيقة أن إيران فسيفساء معقدة من الجماعات العرقية والمصالح. وانهيار السلطة المركزية في طهران سيؤدي فوراً إلى تنشيط القوى الانفصالية في كردستان وبلوشستان وخوزستان وسواها. 

 

وإذا تحولت إيران إلى ليبيا في العام 2011، فستكون العواقب كارثية على الصعيد العالمي. وسيؤدي ظهور جيوب عرقية إلى اندلاع حروب محلية على الحدود مع تركيا والعراق وباكستان. وستفضي زعزعة الاستقرار في محيط مضيق هرمز إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما قد يتسبب في انهيار اقتصادات الاتحاد الأوروبي وشرق آسيا. وسيتحول آلاف المقاتلين من صفوف الأذرع الإيرانية الذين سيُحرمون من التمويل المركزي من طهران، إلى مرتزقة مستقلين، أو سيُنشئون إمارات إرهابية خاصة بهم تمتد من بيروت إلى صنعاء.

يرى الموقع يأن تغيير النظام في إيران من خلال التدخل العسكري الخارجي، يعتبر مثالاً كلاسيكياً على استراتيجية يمكن أن يؤدي فيها النجاح التكتيكي (تدمير المنشآت النووية ومقر الحرس الثوري الإيراني) إلى مأزق استراتيجي. فمن دون مراعاة الخصائص الاجتماعية والثقافية، ومن دون وجود معارضة عضوية داخلية، ومن دون خطة لمنع التفكك العرقي، قد لا تصبح هذه العملية حلاً لـ"المشكلة الإيرانية"، بل بداية لمأساة جديدة أكبر بكثير، وستتضاءل أمامها حتى التجربة العراقية لعام 2003.

ويختتم نصه بالقول إن هزيمة إيران في ساحة المعركة أمر ممكن، لكن "هزيمة إيران" كفكرة وكنظام حضاري معقد من خلال السيطرة الخارجية، هي مهمة ليس لها سوابق ناجحة في التاريخ الحديث.

 

موقع صحيفة يديعوت حرونوت الناطق بالروسية vesty نشر في 6 الجاري نصاً للمعلق العسكري في الصحيفة رون بن يشاي، تحدث فيه عن استراتيجية النظام الإيراني في الصمود. 

استبعد المعلق في مطلع النص أن يشكل اقتراح دعم الميليشيات الكردية في غرب إيران، والذي نوقش على نطاق واسع خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، نقطة تحول حاسمة في المواجهة الراهنة. ومع ذلك، رأى فيه جزءاً  مهماً من استراتيجية أوسع لإضعاف نظام آيات الله.

أشار الكاتب إلى أن استراتيجية نظام الملالي في مواجهة الهجوم الأميركي الإسرائيلي "واضحة كلياً"، ويمكن إيجازها بكلمة عربية واحدة "الصمود". ورأى أن جوهر هذه الاستراتيجية يتلخص في فكرة أن "عدم الخسارة هو النصر"، وهو المفهوم الذي اعتمده حسن نصرالله في حرب العام 2006 التي يسميها الإسرائيليون "حرب لبنان الثانية". 

 

في شرحه لجوهر الاستراتيجية، قال المعلق إن مواصلة إيران قصف إسرائيل بالصواريخ يتوخى إثبات عدم استسلام إيران ومواصلتها المقاومة، حتى وإن كانت وتيرة القصف قد أخذت تتراجع. 

ورأى أن هذا النوع من الضربات يهدف إلى إلحاق خسائر في صفوف المدنيين في إسرائيل. ويعتقد محللون في طهران أن الخسائر في أرواح المدنيين قد تزيد الضغط على إسرائيل لإنهاء الحرب. ويعتقد أنه بهذه الطريقة، تسعى إيران إلى استنزاف كل من إسرائيل والولايات المتحدة، والحفاظ على قدرتها على المقاومة حتى بعد توقف الأعمال الحربية.

وبشأن خلافة خامنئي، رأى بن يشاي أنه، على الرغم من التكهنات والتقارير الإعلامية العديدة، لا تتوفر حتى الآن مؤشرات مقنعة على اختيار مجتبى خامنئي لخلافة والده. كما لا تتوفر، برأيه، معلومات استخباراتية موثوقة بشأن تنسيق الهجمات الصاروخية بين إيران وحزب الله.

 

وبشأن حدود إمكانيات الضربات الجوية، قال المعلق إن إسرائيل والولايات المتحدة تعترفان بأنّ الضربات الجوية وحدها لا تكفي للإطاحة بنظام طهران. ومع ذلك، فإنّ للحملة الجوية هدفين رئيسيين.

حسب قوله، يتمثل الهدف الأول في إضعاف برامج إيران النووية والصاروخية الباليستية بشكل كبير، بحيث يستغرق تعافيها سنوات. وكمثال على ذلك، يشير إلى الضربات ضد الصواريخ والطائرات المسيرة المتمركزة في ما يسمى بـ"مدن الصواريخ" في منطقتي كرمنشاه وشيراز.

أما الهدف الثاني للحملة، فيتمثل برأيه  في تقويض أسس النظام تدريجياً. وتدرك المخابرات العسكرية الإسرائيلية على نحوٍ متزايد أن هذه العملية قد تستغرق سنوات.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث