قرار الحكومة اللبنانية بحظر النشاط العسكري لحزب الله، وإلزامه بتسليم السلاح، يمثل محطة مهمة في المسار السياسي والأمني اللبناني. هو إعلانٌ رسمي يستعيد مبدأ سيادة الدولة ومبدأ احتكار القوة بيدها، وفي الوقت نفسه يفتح ملفاً معقّداً يمتدّ لعقود من الازدواجية في القرار الأمني والعسكري داخل البلاد. هذا التقدم اللفظي لا يكتفي بتغيير الخطاب فحسب، بل يضع الحكومة أمام اختبار عملي خطير، بتحويل هذا القرار إلى إجراءات قابلة للتنفيذ في ظل توازنات داخلية وإقليمية معقدة.
لا يمكن قراءة هذا القرار بمعزل عن التطورات المحلية والإقليمية. فعلى الصعيد المحلي يمثل الوضع الاقتصادي والسياسي المأزوم عاملاً ضاغطاً دفع الحكومة اللبنانية إلى محاولة إصلاح صورة الدولة أمام مواطنيها وشركائها الخارجيين. فانهيار المؤسسات، وفقدان الثقة داخلياً وخارجياً، وتدهور اقتصادي حاد، جميعها جعلت من خيار إبقاء الواقع على ما هو عليه مغامرة بمصير الدولة.
وعلى الصعيد الإقليمي، شهدت المنطقة خلال العامين الماضيين تحوّلات جذرية. فقد تلقّى حزب الله ضربات قاسية طالت زعيمه ومعظم قياداته في أيلول 2024، واستنزفت جزءاً كبيراً من قدرته العسكرية. كما شكّل سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024 ضربة استراتيجية إضافية للحزب، بعد أن فقد العمق الذي كان يستند إليه لوجستياً وسياسياً. وفي الوقت نفسه، بدأت تتكشف تبعات الخراب السياسي والاقتصادي الذي خلّفه الحزب في لبنان نتيجة ارتباطه بالمشروع الإيراني. وزاد المشهد تعقيداً دخول الحزب المعركة دعماً لإيران في ظل الحرب التي تشنّها إسرائيل والولايات المتحدة عليها، وهذا ما جعل لبنان مسرحاً يومياً لقصف الطائرات الإسرائيلية.
ردود الفعل المحلية على قرار الحكومة جاءت متباينة. فهناك من اعتبره قراراً تاريخياً وضرورياً لتصويب العلاقة بين العمل السياسي والعمل المسلّح، وفصل التمثيل السياسي عن القوة العسكرية. في المقابل، رأت شريحة أخرى أنّ القرار يهدّد التوازنات القديمة ويفتح الباب أمام صدام محتمل، معتبرة أنّ نزع سلاح حزب الله بوصفه "مقاومة" سيُفهم لدى قواعده الشعبية كاستهداف وجودي للطائفة الشيعية، بما يعيد فتح جراح الحرب الأهلية.
هذا التباين يضع اللبنانيين أمام سؤال جوهري: كيف تستعيد الدولة سيادتها على السلاح من دون تفجير التوازنات الداخلية التي يقوم عليها لبنان؟ وكيف يمكن الانتقال من ازدواجية السلاح إلى احتكار الدولة للقوة من دون الانزلاق إلى صدام داخلي؟
فحزب الله قوة عسكرية وسياسية واجتماعية متجذّرة، يملك تمثيلاً نيابياً وحكومياً وقاعدة شعبية واسعة، ويمثّل بالنسبة إلى شريحة كبيرة من الطائفة الشيعية عنصر حماية وهوية ودور. لذلك فإن أي مسار لنزع سلاحه يحتاج إلى مقاربة سياسية شاملة تتضمن ضمانات للطائفة الشيعية والبيئة الحاضنة للحزب، بأن نزع السلاح لا يستهدف إقصاءها أو تهميشها، بل إدماجها الكامل في الدولة ومؤسساتها. كما يتطلب تعزيز حضور الدولة الإنمائي والخدماتي في المناطق الشيعية، بحيث لا يُفهم أي تغيير في وضع السلاح كإضعاف للحماية من دون تعويض سياسي واقتصادي ومؤسساتي. ويستدعي ذلك أيضاً تطوير قدرات الجيش التسليحية والتقنية، بما يمكّنه فعلياً من تولي مهمة الدفاع عن الحدود، وإقناع الداخل والخارج بأن حصرية السلاح ليست مجرد شعار، بل مشروع بناء قوة نظامية قادرة، إلى جانب توفير دعم دولي واضح لتسليح الجيش وتدريبه، في إطار رؤية دفاعية معلنة، تُطمئن اللبنانيين بأن التخلي عن السلاح غير الشرعي لن يترك البلاد مكشوفة.
لكن التحدي الأكبر يبقى في الفجوة بين الإعلان والتنفيذ، وهي فجوة ستفرض على لبنان خيارات صعبة في المرحلة المقبلة، يمكن حصرها بثلاثة سيناريوهات رئيسية:
- إذا التزم حزب الله بوقف أي نشاط عسكري خارج قرار الدولة، ودخل في مسار تفاوضي جدي يفضي إلى التخلي عن سلاحه والاكتفاء بنشاط سياسي، فإن لبنان سيدخل مرحلة جديدة من إعادة تعريف معنى السيادة وحدود الدولة ووظيفتها.
- إما إذا بقي القرار في إطار الضغط السياسي والاستهلاك الإعلامي من دون ترجمة عملية، فسيتحول إلى دليل إضافي على عجز الدولة بفرض قراراتها، ويكرّس صورة نظام سياسي يعلن شيئاً ويمارس نقيضه.
- والسيناريو الأخطر أن تنزلق الأمور إلى مواجهة داخلية لا يتمناها أحد، سواء عبر احتكاكات ميدانية على الأرض أو عبر تصعيد سياسي وطائفي حاد. وفي بلد يقوم على توازنات دقيقة وتجارب أليمة في الحرب الأهلية؛ أي سوء إدارة لهذا الملف قد يعيد فتح جروح الماضي ويقود إلى انقسامات عميقة.
ولذلك، على القوى السياسية اللبنانية الحليفة والمناوئة للحزب أن تلعب دوراً في مساعدة الحكومة بتطبيق القرار، فحلفاء الحزب داخل الحكومة وخارجها سيجدون أنفسهم أمام اختبار صعب بين حماية تحالفهم السياسي معه، والالتزام المعلن بسيادة الدولة. قدرتهم على لعب دور وسطي، يضغط باتجاه حلول تدريجية وتوافقية، قد تشكل عنصراً حاسماً في منع الانزلاق نحو مواجهة لا يستطيع لبنان تحملها.
أما خصوم الحزب فهم أيضاً مطالبون بدور مسؤول، لأن أي خطاب ثأري، أو محاولة استثمار القرار لتسجيل نقاط داخلية أو لإضعاف خصم طائفي، قد يدفع الأمور نحو استقطاب حاد يعيد إنتاج انقسامات ما قبل الطائف. المطلوب مقاربة تضع أولوية بناء الدولة فوق منطق الغلبة السياسية والطائفية.
بين طريق التدرّج التوافقي نحو سيادة فعلية، وطريق التصعيد والعجز وإعادة إنتاج الانقسام، يقف لبنان اليوم أمام مفترق خطير. الكلمة الفصل لن تُحسم بخطاب واحد أو قرار حكومي، بل بمدى قدرة الدولة والقوى السياسية كافة على إدارة توازن دقيق بين السيادة والاستقرار، وبين المبدأ والواقع، وبين حق الدولة في احتكار القوة وحق المجتمع في عدم الانجرار إلى حرب جديدة لا يستطيع لبنان تحمل تكاليفها البشرية والمادية.
ومع ذلك، فإن مستقبل هذا القرار لن يتحدد داخل الحدود اللبنانية وحدها. فالحرب التي تشنها أميركا واسرائيل على إيران وما تفرضه من تغيّر في موازين القوى، ستنعكس مباشرة على قدرة لبنان على تثبيت سيادته أو الانزلاق إلى مواجهة لا يريدها أحد.
وفي المقابل، فتح التحوّل السوري نافذة دعم إضافية للبنان، بعد سقوط نظام الأسد وصعود قيادة جديدة. فسوريا الجديدة، الساعية اليوم إلى إعادة بناء مؤسساتها وعلاقاتها الطبيعية مع محيطها، يمكن أن تكون عنصر استقرار يساعد الحكومة اللبنانية في تثبيت سيادتها وضبط حدودها، وتشكّل سنداً سياسياً وأمنياً في مرحلة دقيقة يحتاج فيها لبنان إلى بيئة إقليمية داعمة له لا ضاغطة عليه.




