الزاوية الروسية من لوحة الحدث الإيراني

بسام مقدادالثلاثاء 2026/03/03
بوتين بزشكيان (Getty)
تذوقت إيران للتو ما يعنيه دعم بوتين (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

للمرة الثانية، وبفاصل أيام، نتناول المساحة الروسية غير المرئية على لوحة الحدث الإيراني الملتهب، الذي يسعى المتبقي من نظام الملالي أن يوسع حريقه إلى سائر أنحاء المنطقة. وقد يكون القارئ محقاً في استغرابه لزج ذكر روسيا مرتين في حدث على هذه السرعة من تبدل مشاهده، ولا تبرز الملامح الروسية في أي منها تقريباً. ولا يبرر ذكر روسيا مرتين بسبب أن الحريق لم يكن قد اشتعل في المرة السابقة، بينما الآن يلفح الجميع بسعاره. 

 

حين اندلعت الاحتجاجات الإيرانية وقمعها الملالي بعدائهم المتوحش للإيرانيين الطامحين لأبسط شروط الحياة البشرية، برز ذكر روسيا من خلال طائرات الشحن العسكرية التي كثرت رحلاتها إلى طهران، محملة بالآليات المصفحة وكل ما يحتاجه الملالي لقمع الاحتجاجات. 

وحين قرر ترامب توظيف وحشية الملالي بعملية تصفية الحسابات مع نظامهم، غاب ذكر روسيا عن شريط أخبار ما يدور حول إيران. وبغض النظر عن دقة حسابات الملالي، ومن يدرجون في قائمة الأصدقاء الذين سيسارعون لمد يد العون في ساعة الشدة، كان الجميع يتوقع أن تكون روسيا على رأس القائمة. كما كان من المتوقع أن يتعزز حضور روسيا في الحدث الإيراني، وهي التي تتصدى لإقامة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، يحل مكان نظام الهيمنة الأميركية على النظام العالمي الحالي. وبدلاً من ذلك، غاب ذكر روسيا، ومن جملة تبريرات المسؤولين الروس لهذا الغياب: الشعور بالإحراج بسبب وجود حوالى 2 مليون مهاجر من دول الاتحاد السوفياتي السابق في إسرائيل.  

 

تقيم روسيا علاقات ثابتة مع نظام كوريا الشمالية، ووقعت معه معاهدة شراكة  استراتيجية تتضمن بنداً ينص على التعاون المتبادل في حال تعرض أحد البلدين للعدوان. كما أنها عقدت معاهدة مماثلة مع نظام الملالي، إلا أنها لا تتضمن بنداً ينص على تبادل التعاون في حال العدوان. واللافت أن علاقات روسيا مع نظام الملالي، لا تزال، وبعد 47 عاماً، تتأرجح في وصفها بين: شراكة الضرورة، ورفقة درب العزلة مختلفة الإتساع بين النظامين. وعلى الرغم من الطابع البوليسي االقمعي للنظامين، إلا أن العلاقة بينهما لم ترتق يوماً إلى مستوى التحالف الإستراتيجي. وأحد العوامل التي تحول دون مثل هذا التحالف: الأوهام الإمبراطورية التي تراود كلا النظامين، في ظل تسلح النظامين بالأيديولوجيتين الدينية والبلشفية المعاديتين لحرية الإنسان والحياة، إضافة إلى انقضاء عصر الأيديولوجيات. 

 

المتخصّص الروسي بالشؤون الإيرانية ومراسل وكالة تاس في طهران مطلع العشرينات نيكيتا سماغين، سرد في مطلع الشهر الجاري على موقعه في الفايسبوك قصة نص نشره العام 2019، قبل تسلم مهام عمله الصحافي في طهران، تحدث فيه عن الأسباب التي تحول دون أن تكون روسيا وإيران حليفتين.  تلقى الرجل الكثير من النقد الذي اقترب من التأنيب من الهيئات الرسمية، التي عابت عليه مخالفته للسردية الرسمية بشأن العلاقات مع إيران. ولم يحظ بدعم لوجهة نظره حينها إلا من السفير الروسي في طهران حينذاك، الذي وصف العلاقات بين روسيا وإيران بأنها علاقات رفقة درب. لكن السفير حذره من أن مثل هذا الكلام يصلح ليكون حديث في مطبخ المنزل، لكن ليس للنشر على الملأ. 

يشير الخبير إلى دور العامل التاريخي في العلاقات الروسية الإيرانية الحالية. ويقول إن تاريخ هذه العلاقات يزخر بالعديد من خيبات أمل الإيرانيين  وشكاواهم. وخلال القرون الثلاثة المنصرمة انتهجت روسيا القيصرية، ثم الاتحاد السوفياتي، سياسة توسعية حيال إيران، "وليس من دون تحقيق نجاحات".

 

موقع Glavnoe.in الأوكراني نقل في الأول من الجاري عن مطبوعة Politico إشارتها إلى أن إيران تذوقت للتو ما يعنيه دعم بوتين. 

تقول المطبوعة الأميركية إنه، حين تعرضت طهران للقصف الأميركي الإسرائيلي صباح السبت آخر الشهر الفائت، اتصل وزير خارجيتها بزميله الروسي سيرغي لافروف ليطلعه على الوضع. عبر لافروف عن تضامنه، ووعد نظيره الإيراني "بالدعم المعنوي". وهكذا أصبحت إيران، برأي المطبوعة الأميركية، أحدث دولة، بعد سوريا وفنزويلا، التي تختبر بشكل مباشر ما تعنيه الشراكة مع روسيا وما لا تعنيه.

وتضيف المطبوعة بالقول إنه منذ اندلاع الحرب الشاملة ضد أوكرانيا قبل أربع سنوات، دأب الكرملين على استخدام الخطاب السياسي كشعار لما يُسمى بالعالم متعدد الأقطاب. لكن في اللحظات الحاسمة، أثبتت تحركاته الفعلية على أراضي الدول الحليفة ضعفاً ملحوظاً عندما تعرض قادتها للهجوم.

تتوسع Politico في الحديث عن بشار الأسد في الساعات الأخيرة، حين اقتحم الثوار السوريون دمشق، وأدرك أن الدعم الروسي ليس ضمانة لبقاء نظامه. ونيكولاس مادورو القابع في السجون الأميركية منذ مطلع السنة، يتساءل أين كان الكرملين في اللحظات التي كان يحتاج فيها لمساعدته.

وتقول المطبوعة إن ترامب قد أعلن موت خامنئي، وإيران الآن معرضة لخطر أن تصبح مثالاً آخر على الفجوة بين تصريحات الكرملين الصاخبة حول معارضة الهيمنة الأميركية والواقع الذي تتجلى فيه هذه الهيمنة على نحوٍ متزايد.

لكن رد فعل موسكو الفاتر لم يكن ينبغي، برأي المطبوعة، أن يفاجئ  طهران. فقد ظهرت دلائل ذلك منذ الصيف الماضي على الأقل، عندما اقتصر كبار المسؤولين الروس، خلال حرب الـ 12 يومًا مع إسرائيل، والتي تضمنت ضربة أميركية كبيرة للمنشآت النووية الإيرانية، على إصدار بيانات الإدانة من دون اتخاذ إجراءات حقيقية. وأشارت إلى دفاع بوتين عن حياد روسيا في حرب الإثني عشر يوماً، حين قال إن حوالى مليوني مهاجر من بلدان الاتحاد السوفياتي السابق يقيمون في إسرائيل اليوم التي تعتبر "بلداً ناطقاً بالروسية تقريباً، ولا يسعنا ألا نأخذ هذا العامل بالحسبان". 

 

من السذاجة الاعتقاد أن الكرملين لا يدرك حجم الأذى الذي يلحق بسمعة روسيا وصورتها، مع حقيقة تخلفها عن مد يد العون لنظام الملالي في محنته الراهنة. كما من السذاجة أيضاً الاعتقاد بأن الكرملين لا يدرك عدم جدية تبرير تخلفه عن المساعدة بانهماكه في الحرب على أوكرانيا، وبعدم وجود بند ملزم بمعاهدة الشراكة الإستراتيجية مع نظام الملالي. لكن توقيع الكرملين على صفقة إيران النووية السابقة في العام 2015، يشير إلى أن موسكو ليست شديدة الإعجاب بظهور جار يحوز على سلاح نووي على حدودها الجنوبية، ويشكل منافساً دائماً على منطقة بحر قزوين وفي جنوب القفقاز. كما أن إيران النووية التي تجيد تخصيب اليورانيوم بمختلف المستويات، بما فيها للحاجات السلمية، يفقد موسكو عميلاً تجارياً يستورد اليورانيوم منخفض التخصيب لمحطة بوشهر النووية حتى الآن. 

 

إضافة إلى ذلك، وكما ترى Politico، فإن الكرملين بوسعه استخدام الحدث الإيراني لصالحه، إذ يمكنه تبرير حربه على أوكرانيا التي يقدمها دائماً كإجراء استباقي ضد العدوانية الغربية المتربصة بروسيا. كما أن حقيقة الهجوم الأميركي الإسرائيلي على نظام الملالي قد قطع عملية المفاوضات التي كانت تجري في جنيف مع الإيرانيين، والتي أشيع أنها كانت تقترب، وفق الوسيط العُماني، من تسليم الإيرانيين بكل شروط الاستسلام الأميركية، يمكن أن يستخدمها الكرملين للانسحاب من المفاوضات الثلاثية مع أوكرانيا والولايات المتحدة بشأن إنهاء الحرب في أوكرانيا. 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث