الصهيونية بين الحداثة الأوروبية ومنطق الاستعمار الاستيطاني

سلام الكواكبيالاثنين 2026/03/02
Image-1772442859
قوة استعمار واحتلال وإبادة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تُفهم الصهيونية، عند قراءتها في سياقها التاريخي، بوصفها نتاجًا معقّدًا للحداثة الأوروبية أكثر مما هي امتدادٌ طبيعي لتقليد ديني قديم. فهي أيديولوجيا تشكّلت عند تقاطع القومية الصاعدة، والطموحات الاستعمارية، والتصورات الطوباوية، والخطابات الاستشراقية التي أعادت تعريف الشرق وأهله. ومن هذا المنطلق، لا تبدو الصهيونية مجرد "عودة" إلى أرض موعودة، بل مشروعًا سياسيًا حديثًا أعاد صياغة الرموز الدينية ضمن منطق الدولة القومية.

 

التقليد اليهودي التاريخي كان، في معظمه، تقليدًا مشتتًا وعابرًا للحدود، قائمًا على روابط دينية وثقافية أكثر من كونها قومية إقليمية. العلاقة بالأرض بقيت رمزية لقرون طويلة ومؤجلة. غير أن القرن التاسع عشر، بما حمله من صعود القوميات الأوروبية، فرض منطقًا جديدًا، فلكل شعب أرض، ولكل أمة دولة. في هذا المناخ، أُعيد تعريف اليهود بوصفهم "أمة" تحتاج إلى قاعدة إقليمية، وتحولت الرمزية الدينية إلى مطلب سياسي مدعوم بقراءات مجتزئة ومشوهة للنصوص وبحث أثري يسعى لإضفاء شرعية تاريخية على المطالبة بالأرض.

لعب المناخ البروتستانتي في إنجلترا دورًا مهمًا في ترسيخ هذا التحول، إذ ربطت بعض التيارات الدينية بين عودة اليهود إلى فلسطين وتحقيق نبوءات كتابية. تلاقى اللاهوت مع السياسة، وأصبح دعم إقامة كيان يهودي في فلسطين جزءًا من تصور أوسع. ومع تراجع الإمبراطورية العثمانية، برزت حسابات استراتيجية واقتصادية جعلت من المشروع الصهيوني أداة محتملة لخدمة المصالح البريطانية في شرق المتوسط.

 

في هذا السياق، تطورت علاقة ملتبسة بين الصهيونية ومعاداة السامية الأوروبية. فبينما غذّت القوميات الأوروبية نزعات إقصائية وعنصرية تجاه اليهود، قدّمت الصهيونية نفسها حلًا قومياً لما سُمّي آنذاك "المسألة اليهودية". بعض النخب الأوروبية رأت في تشجيع الهجرة إلى فلسطين وسيلة للتخلص من فئات يهودية فقيرة ومهمشة داخل مجتمعاتها. وقد عمل رواد الصهيونية السياسية، وعلى رأسهم تيودور هرتزل، على طمأنة القوى الكبرى بأن المشروع الصهيوني لا يتعارض مع مصالحها، بل يمكن له أن ينسجم معها، بل ويعززها.

المفارقة أن الصهيونية نشأت كقومية يهودية في وقت كانت فيه القوميات الأوروبية الأخرى تعزز معاداة السامية. أمام هذا الواقع، توزعت الاستجابات اليهودية بين الاندماج في الدول القومية القائمة، والانخراط في حركات أممية يسارية أو ليبرالية، أو تبني المشروع الصهيوني بوصفه مسارًا للخلاص الجماعي. غير أن الحروب العالمية وتصدع فكرة التضامن الدولي عزّزا المنطق القومي بوصفه الإطار الغالب.

 

ابتداءً من عشرينيات القرن العشرين، أخذ السرد الوطني الصهيوني يتبلور بصورة أوضح. جرى التعامل مع الكتاب المقدس كمرجع تاريخي، واعتُمدت الاكتشافات الأثرية لإثبات استمرارية الوجود اليهودي القديم. في المقابل، تراجعت الرواية الفلسطينية أو جرى تهميشها. تغيّرت أسماء الأماكن، وحلّت تسميات عبرية محل العربية، في عملية إعادة صياغة للجغرافيا والذاكرة معًا. هكذا امتزج الديني بالقومي، وأصبح النص المؤسس أداة سياسية تبرر التوسع وتضفي عليه طابعًا تاريخيًا.

ارتبط المشروع الصهيوني أيضًا بخيال طوباوي يتحدث عن "إنسان جديد" ومجتمع جديد يُبنى على أرض تُصوَّر بوصفها مهملة أو عذراء. هذا الخيال ينسجم مع خطاب استعماري أوسع يعتبر أن الأراضي خارج أوروبا قابلة لإعادة التشكيل وفق نموذج حضاري حديث. غير أن هذا التصور تجاهل وجود مجتمع قائم بالفعل، له لغته وثقافته وتاريخه.

 

البعد العرقي والاستشراقي كان حاضرًا كذلك. فقد صُوّر اليهود في أوروبا بوصفهم "شرقيين" داخل مجتمعات غربية، ما غذّى معاداة السامية. ومع تطور الصهيونية، برزت محاولة لإعادة تشكيل صورة اليهودي، من شخصية هامشية إلى فلاح أو جندي قوي مرتبط بالأرض والعمل. لكن هذه العملية لم تخلُ من تراتبية داخلية، إذ جرى تمييز بين يهود أوروبيين ويهود قادمين من بلدان عربية وإسلامية. وفي الوقت نفسه، أُعيد توجيه الخطاب الاستشراقي نحو العرب والمسلمين، الذين غدوا هم "الآخر" المقابل في السردية الجديدة.

بهذا المعنى، يمكن النظر إلى الصهيونية بوصفها صورة لمعاداة السامية، فهي تقبل بفكرة أن اليهود جماعة قومية منفصلة، لكنها تحوّل هذا التصنيف من أداة إقصاء إلى مشروع دولة. غير أن هذا التحول لم يخرج عن منطق الحداثة الأوروبية الذي صاغه، بل ظل متحالفًا تاريخيًا مع قوى استعمارية، ومتموضعًا في مواجهة العالم العربي.

 

إن فهم الصهيونية ضمن سياقها الأوروبي، بكل تناقضات الحداثة من قومية واستعمار وادعاءات حضارية وقراءات استشراقية، يتيح قراءة أعمق للصراع القائم. فهو يكشف كيف تتشكل الأيديولوجيات في لحظات تاريخية محددة، وكيف يمكن أن تتحول من خطاب يدّعي السعي إلى الخلاص، إلى بنية قوة استعمار واحتلال وإبادة تُعيد إنتاج الإقصاء بأشكال جديدة.

لا يمكن فهم الصراع القائم من دون تفكيك الأسس الفكرية التي قام عليها المشروع الصهيوني بوصفه نتاجًا لزمن أوروبي محدد، بكل ما حمله من وعود بالتحرر وحدودٍ استعمارية في آن واحد. إن أي أفق سياسي عادل يمرّ أولًا عبر الاعتراف بالطابع التاريخي المركّب لهذه الأيديولوجيا، وبالآثار التي ترتبت عليها بالنسبة للفلسطينيين. وحده الانتقال من منطق الامتياز والإقصاء إلى منطق المساواة والعدل يمكن أن يفتح بابًا لمستقبل مختلف، تُعاد فيه صياغة العلاقة بالأرض والهوية على أساس الحقوق الشرعية لا الأساطير المؤسسة.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث