ما بعد "إيران خامنئي": "صفر صين" في الشرق الأوسط؟

إياد الجعفري الأحد 2026/03/01
Image-1772357145
تغيير عميق ونهائي في تموضع إيران الاستراتيجي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

قبل أيام، مررت وكالة "رويترز"، تسريباً عن ضغوط أميركية على سوريا، كي تمتنع عن الاعتماد على التكنولوجيا الصينية في قطاع الاتصالات. وكانت الذريعة أنها تتعارض مع المصالح الأميركية وتهدد الأمن القومي الأميركي.

 

وكانت إحدى التفسيرات، لهذا التبرير الأميركي الغريب، أن مشروع "سيلك لينك"، الذي حصلت شركة "إس تي سي" السعودية على عقد تنفيذه، سيجعل من سوريا ممراً رئيسياً من ممرات البيانات الرقمية بين الشرق والغرب، وهو ما قد يغري شركات تقنية أميركية كبرى لجعل سوريا مقراً من مقرات عملياتها في الشرق الأوسط، وهو ما سيجعل دخول أية تقنيات صينية على خط هذا المشروع، أو قريباً منه، خطِراً من الناحية الأمنية. إذ سيوفّر للصين القدرة على الولوج للبيانات المنقولة عبر الأراضي السورية، وربما التجسس على بيانات شركات أميركية. 

ورغم وجاهة هذا التفسير، كانت هناك مفارقة تضعفه. فشركة "هواوي" الصينية، غريمة شركات تكنولوجيا الاتصالات الأميركية منذ سنوات، هي شريك رئيس في تطوير البنية التحتية للاتصالات والذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، في السعودية. والأخيرة، هي صاحب عقد تنفيذ "سيلك لينك" في سوريا. والممر الرئيسي المفترض للبيانات الرقمية من الهند إلى أوروبا، وفق مشروع "الممر الاقتصادي" الطموح، المعلن عنه قبل أكثر من سنتين.

 

ما سبق يحيلنا إلى فهم أبعد من تفسير الضغط الأميركي على سوريا بالخشية الأمنية من تكنولوجيا الاتصالات الصينية. فالقضية تتعلق بترجمة المكاسب السياسية إلى عوائد اقتصادية واستراتيجية. فواشنطن التي دعمت تجربة حكم الرئيس أحمد الشرع، تريد تثمين هذا الدعم. إحدى الأثمان، أن لا تكون سوريا سوقاً متاحة للتكنولوجيا الصينية، خصوصاً مع الأفق المرتقب لها، في أن تكون ممراً إقليمياً رئيسياً للتجارة والطاقة والبيانات الرقمية. وأميركا تريد عزل الصين عن هذا الممر، والمكاسب المتأتية عنه. 

الملفت، أن الإدارة الأميركية لم تظهر حساسية تُذكر حيال التقارب السوري الروسي. فالشرع زار موسكو مرتين، في غضون أربعة أشهر. وهناك اتفاقات مزمعة للتسليح وطباعة العملة، واستمراراً مرتقباً للقواعد العسكرية الروسية في الساحل السوري. ورغم التحرك الذي جرى مطلع الشهر الفائت، في الكونغرس الأميركي، لإرسال رسالة لإدارة الرئيس دونالد ترامب، كي يضغط على الشرع في ملف التقارب مع موسكو، لم تبد الإدارة الأميركية تجاوباً يُذكر. وهو ما يؤشر إلى طبيعة أولويات الإدارة الأميركية بهذا الخصوص. فهي تعاطت بانفتاح ملحوظ مع روسيا في أكثر من ملف، فيما تتحرك بجدّية معاكسة لتطويق نفوذ الصين الحيوي، وعلاقاتها الاستراتيجية. من ذلك، احتواء روسيا وإبعادها عن الصين، خلافاً للسياسة التي كانت تتبعها إدارة الرئيس السابق، جو بايدن. 

 

وفي حالتَي فنزويلا وإيران، اللتين شنّت الولايات المتحدة عمليات عسكرية ضدهما في ولاية ترامب الثانية، نجد قاسماً مشتركاً ملفتاً: صادرات نفطية تُباع بأسعار رخيصة، جراء العقوبات الأميركية، أكبر مشترٍ لها هي الصين. وعلاوةً عن رغبة ترامب في التحكم بالثروة النفطية الكبيرة في البلدين، فنزويلا وإيران، فإن أحد الأهداف الاستراتيجية العميقة للأعمال العسكرية المباشرة ضدهما، هي التحكّم في مصادر رئيسية لتوريد النفط للصين، ورفع تكاليفه على المنافس الاقتصادي الشرس للولايات المتحدة. فالصين كانت تشتري نحو 80% من النفط الإيراني، بأسعار تقل نحو 8 إلى 10 دولارات في كل برميل، مقارنة بالسعر العالمي. وقبل بضعة أسابيع، سرّبت "رويترز" معلومات عن سماح إدارة ترامب للصين بشراء النفط الفنزويلي، لكن بأسعار جديدة، مختلفة عن الأسعار "غير العادلة والرخيصة" التي كانت ⁠فنزويلا تبيع بها الخام قبل أن تطيح الولايات المتحدة برئيسها نيكولاس مادورو.

 

في حالة الحرب ضد إيران الدائرة الآن، يخطئ من يحصر الدافع الأميركي للمشاركة بمصالح إسرائيل. فلواشنطن مصالحها الخاصة الأبعد من ذلك. إعادة أحد أبرز اللاعبين الإقليميين في الشرق الأوسط إلى المظلة الأميركية، على حساب مصالح الصين، التي كانت أبرز حلفاء "إيران خامنئي". ويظهر الهدف الأولي في الحرب، ممثلاً في تصفية قيادات الصف الأول من النظام الإيراني الحاكم، وفي مقدمتهم، مرشد الجمهورية، علي خامنئي، بوصفه مؤشراً على رغبة في إحداث تغيير عميق ونهائي في تموضع إيران الاستراتيجي بالمنطقة. من لاعب محسوب على روسيا والصين، إلى لاعبٍ محسوب على الولايات المتحدة. لن يقطع ذلك فقط، مصدر نفط رخيص عن الصين، بل سيقطع عليها أيضاً، الطريق الرئيس المتاح لها، لتحقيق "طريق حريرها" المزمع إلى شرق المتوسط، وصولاً إلى أوروبا. 

تحاول إدارة ترامب عكس مسار التعددية القطبية المتصاعد، والذي بدأ قبل نحو عقدين من تاريخ العالم، بصورة خاصة منذ غزو روسيا لجورجيا عام 2008، وعجز الولايات المتحدة، الحليف الكبير لها، عن فعل الكثير. وإن كان هذا المسار قد تجلت بواكيره، بعمل عسكري روسي، فإن الجانب العميق فيه تمظّهر بصعود اقتصادي صيني، بدأ يصبح مصدر قلق مزمن لواشنطن، منذ نهاية العقد الأول من القرن الحالي. 

 

بالعودة إلى سوريا، والضغط الأميركي عليها بخصوص تكنولوجيا الاتصالات الصينية، يمكن القول، إن تلك إحدى تمظهرات عودة أميركا إلى سياسة الهيمنة المباشرة، والخشنة في كثير من الأحيان. وإن كانت سوريا، بضعفها الحالي، واحدة من أولى تلك التمظهرات، فإن علينا أن نترقب تمظهرات أشد وأكبر، مع دولٍ أهم من سوريا في المنطقة، إن ذهبت الحرب الدائرة ضد إيران إلى خواتيمها المأمولة أميركياً. علينا أن نتوقع مثلاً، فيتو أميركي على انخراط دول كالسعودية في علاقات اقتصادية وتقنية متقدمة مع الصين. باختصار، ما بعد "إيران خامنئي"، سنشهد سياسة أميركية نشطة لتصفير مصالح الصين في الشرق الأوسط.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث