البحث عن الأثر الروسي في الحدث الإيراني

بسام مقدادالسبت 2026/02/28
Image-1772268513
روسيا لن تشتبك مع الولايات المتحدة وإسرائيل من أجل إيران (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

من المغالاة القول بالبحث عن العامل الروسي في معظم الأحداث التي تجري في المنطقة بالسنتين الأخيرتين. وبالكاد يكتسب شيئاً من المصداقية القول بالأثر الروسي، وليس العامل الروسي. فخشبة المسرح في المنطقة يحتكرها في السنتين الأخيرتين اللاعبون الأميركي والإسرائيلي والإيراني، وتقف روسيا والصين في خلفية المشاهد التي تتوالى، وتلعب فيها دول المنطقة الأدوار الثانوية وفق السيناريو المرسوم لكل منها. 

منذ زمن لم أتناول روسيا كشأن قائم بذاته، بل تناولتها في سياق الحديث عن شأن في المنطقة أطلت من خلاله روسيا. مع العلم أني مكلف من "المدن" بتغطية الشأن الروسي ونصوص الإعلام الناطق بالروسية المتعلقة بالمنطقة. ولو التزمت حرفياً بهذا التكليف، لكنت الآن شبه عاطل عن العمل لقلة الأحداث في المنطقة خلال السنتين الأخيرتين التي لروسيا دور بارز فيها.

 

بعد سقوط الأسد، أصبح من الصعب الحديث عن عامل روسي يرسم وجهة أي حدث في المنطقة. وحتى في الحدث الإيراني، حيث تربطها مع نظام الملالي معاهدة شراكية إستراتيجية، تبقى صورة روسيا غائبة عن المشهد الرئيسي. وحتى حين يتنطح الكرملين للعب دور الوسيط في الصراع بين أميركا وإسرئيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لا يبقى النبأ أكثر من حيزه في نشرة الأخبار، ولا يحتل على صفحات الإعلام الإلكتروني والمكتوب سوى زاوية ثانوية. 

حتى اللهيب المشتعل في شريكتها الإستراتيجية إيران وحولها، لم  يسعف روسيا في العودة إلى الحضور في المنطقة الذي كان لها في عهد الأسد. ولم يكن ذلك الحضور رصيداً يحسب لها، بل عبئاً يثقل كل محاولاتها للعودة حالياً، حتى عبر لهيب إيران.

غريب أن حضور روسيا القيصرية في المنطقة، وعلى الرغم من طابعه الإستعماري، إلا أنه خلف وراءه مدارس ومستشفيات لا يزال بعضها قائماً حتى الآن. وحين عادت روسيا إلى المنطقة بوجهها البلشفي، قطعت مع إرث القيصرية التعليمي في بلاد الشام، وقلصت الإرث الإستشفائي، وقضت على الإرث الثقافي الأدبي المتمثل بالجمعية القيصرية الفلسطينية التي كان يتولاها شقيق القيصر، أو أحد نبلاء الأسرة القيصرية. 

 

وحين أسقط البلاشفة حكم آل رومانوف، شهدت منطقتنا هجرة روسية من أسر البيض ومثقفيهم وفنانينهم، الذين بقي بعضم على قيد الحياة في بيروت حتى زمن غير بعيد. وصادفت شخصياً إحدى عجائز هؤلاء البيض أواخر ثمانينات القرن الماضي، وكانت قد أصبحت أرملة أحد أرستقراطيي بيروت وأثريائها من التجار. ولم تتمكن لغتها الروسية التي تعلمتها في المدارس القيصرية من تقبل لغتي الروسية التي تعلمتها في جامعات البلاشفة، بل سخرت منها.

وحين سقطت البلشفية في روسيا، وانهار الاتحاد السوفياتي، شهدت مرابع لبنان الليلية فيضاً من "فنانات" روسيا البلاشفة وغانياتها. ولم نشهد غزو المافيات التي خلفها البلاشفة، ليس لقلة عصاباتها وتدني حيلتها، بل لشح موارد السوق اللبنانية واكتظاظها بالمافيات المحلية المقتدرة والكفوءة.  

وبعد فوضى التسعينات واكتظاظ شوارع روسيا بالقتلة ورجال العصابات والمافيات، قرر جهاز KGB استلام السلطة وأخذ الأمور بيده لوقف الانهيار المتمادي وانتشال روسيا من الحضيض الذي بلغته. لكنه استخدم الوسائل التي يجيدها لاقتناص السلطة، فقرر تكثيف شعور الروس بعدم الاستقرار والأمن، ولجأ إلى تفجير المباني السكنية في أكثر من مدينة، وضحى بحياة مئات الروس. ونصّب على رأس السلطة أحد صغار ضباطه -فلاديمير بوتين- الذي كان قد أعده في أعرق مدن روسيا ثقافة وتطوراً -سانت بطرس بورغ- ثم نقله إلى مؤسسات السلطة بموسكو، قبل أن ينصبه العام 2000 رئيساً للاتحاد الروسي. 

 

عادت البلشفية من جديد إلى السلطة، وانهمكت في تدعيم ركائز الحكم، وتفادت استعداء الغرب باعتماد أشكال مختلقة من الديمواقرطية مثل "الديموقرطية الموجهة" ثم "الديموقراطية السيادية"، ولم تمس مؤقتاً حرية الكلمة والصحافة التي عرفتها روسيا في التسعينات، وبنت علاقات شبه طبيعية مع الغرب والعالم. ثم ما لبثت أن قررت التصدي لحرية الصحافة، فأطلقت في العام 2005 صحيفة الكرملين "Vzglyad" ــ  vz ــ بوجه الصحافة المستقلة، ثم أعلن بوتين في مؤتمر ميونيخ العام 2007 ابتعاد روسيا مجدداً عن الغرب. وفي العام 2008 أعلن الحرب على جمهورية جورجيا (إحدى جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة)، إيذاناً بانطلاقة مرحلة العودة إلى إحياء الاتحاد السوفياتي بصيغة جديدة. 

بعد عودة بوتين للرئاسة العام 2012 إثر قمع أوسع انتفاضة شعبية للروس ضد عودة البلشفية إلى روسيا، بدأ حملة قمع واسعة للحريات، وعزز الأجهزة الأمنية والمخابرات. واستكمالاً للحرب على جمهورية جورجيا في إطار السعي لاستعادة بناء الاتحاد السوفياتي من جديد، بدأ الحرب على أوكرانيا المستمرة حتى الآن. 

 

خلال هذه المدة كلها كانت البلشفية العائدة إلى روسيا تحت راية جهاز KGB منشغلة في تثبيت دعائم سلطتها ومحاولة استعادة بناء الإتحاد السوفياتي، وأهملت إعادة بناء روسيا وتنميتها ولم تلتفت إلى حياة الروس وتحسينها. وأطلقت البلشفية المتجددة العنان للرأسمالية الأوليغارشية، وأعاد الأوليغارشيون الذي استولوا على مقدرات الدولة السوفياتية المنهارة إعمار المدن الروسية الكبيرة. فعلت الأبراج الحديثة في موسكو، وغرقت الأسواق بالبضائع الحديثة المستوردة من الغرب، وغزت شوارع المدن الروسية السيارات الغربية الفارهة ووسائل الحياة المترفة، وبقيت الأطراف خارج المشهد.

ثروات روسيا الهائلة من النفط والمواد الأولية والمعادن الثمينة، تنفق على الحرب في أوكرانيا والغرب من ورائها، وعلى الحياة المترفة للطبقة السياسية والأوليغارشيين.

نظراً لما جاء ولكون روسيا تخوض حربها على أوكرانيا والغرب من ورائها منذ أربع سنوات، يغدو بلا معنى السؤال: لماذا لا تملك روسيا ما تساعد به حلفاءها وشركاءها الاستراتيجيين مثل إيران، على الأقل بصورة علنية؟

 

روسيا لن تشتبك مع الولايات المتحدة وإسرائيل من أجل إيران، واتفاقية الشراكة الاسترتيجية التي وقعتها مع إيران منذ حوالى السنة لا تتضمن بند دفاع مشترك. لكن ليس صحيحاً أنها لا تمد يد المساعدة بالأسلحة لشريكتها إيران في حربها مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فقد نقل في 25 الجاري موقع Brieflyعن صحيفة الفايننشال تايمز كشفها عن صفقة وسائل دفاع جوي سرية عقدت بين روسيا وإيران بقيمة 500 مليون يورو. 

وفي التفاصيل أن إيران عقدت في كانون الأول الماضي صفقة سرية مع روسيا، تتلقى بموجبها خلال ثلاث سنوات 500 منصة إطلاق محمولة من طراز "verba" و2500 صاروخ من طراز 9M336.

تشير الصحيفة البريطانية إلى أن سلاح "verba" ُيُعد أحد أكثر أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات تطوراً في روسيا، وهو نظام موجه بالأشعة تحت الحمراء، قادر على الاشتباك مع صواريخ كروز والطائرات منخفضة التحليق والطائرات المسيّرة. ويُشغّل هذا النظام بواسطة فرق متنقلة صغيرة، مما يسمح للقوات البرية بإنشاء مواقع دفاعية متفرقة بسرعة من دون الاعتماد على منشآت الرادار الثابتة، التي تكون أكثر عرضة للهجوم.

الخبير الروسي المتخصص بالشؤون الإيرانية نيكيتا سماغين نشر في 26 الجاري على موقعه في الفايسبوك نصاً تحدث فيه عن إمدادات الأسلحة الروسية إلى إيران. 

قال سماغين أنه، بينما تقرر الولايات المتحدة ما إن كانت ستخوض حرباً ضد إيران أم لا، تقوم روسيا بزيادة إمدادات الأسلحة إلى الجمهورية الإسلامية. وقد تسلمت طهران بالفعل أولى طائرات التدريب القتالي والمركبات المدرعة والأسلحة الصغيرة والمروحيات الهجومية.

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث