لاريجاني... "القوة الناعمة"!

يوليا يوزيكالجمعة 2026/02/27
9-3
لاريجاني، وريث العائلة الشيعية النبيلة، سيلعب لعبته بذكاء (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

قرأتُ مؤخراً كيف أنه بعد قمع الاحتجاجات في كانون الثاني/ يناير، وقرار ترامب تخفيف حدة الصراع المفتوح مع إيران، كتب ويتكوف لوزير الخارجية الإيراني يطلب تأكيداً على عدم إعدام المتظاهرين المعتقلين، وأن عمليات الإعدام ستتوقف بناءً على طلب ترامب. فقد كان المطلوب أن يُظهر ترامب للجمهور إنجازاً ما في هذه القصة.

اتصل عراقجي بالرئيس بيزشكيان وسأله عما يجب أن يقوله لويتكوف. فأجابه بيزشكيان بأنه لا يعلم، وأن على عراقجي الاتصال بلاريجاني بشأن كافة الإستفسارات.

 

كان هذا أواسط كانون الثاني/يناير. وفي 22 شباط/فبراير نشرت "نيويورك تايمز" مقالة مطولة حول تكليف خامنئي رئيس مجلس الأمن القومي علي لاريجاني بإعداد إيران للحرب والبقاء.

يؤكد المقال، نقلاً عن ستة مسؤولين رفيعي المستوى في الحرس الثوري ووزارة الخارجية، لم يُكشف عن أسمائهم، أن خامنئي قد سلّم زمام الحكم الفعلي إلى رئيس البرلمان السابق، وأحد شخصيات النظام البارزة الذي كان حتى الأمس من غير المرضي عنهم. ويُعدّ هذا اختياراً مفاجئاً، بالنظر إلى أن آل لاريجاني كانوا قد تلاشوا تقريباً قبل خمس سنوات كقوة سياسية مؤثرة.

بعض وسائل الإعلام أساء فهم السياق، وبدأ بنشر تقارير تفيد بأن لاريجاني هو الزعيم الجديد لإيران، وخليفة خامنئي. وهذا ليس صحيحاً تماماً، أو بالأحرى، ليس صحيحاً على الإطلاق. وتستحق هذه القصة التوقف عندها.

 

وهكذا، علي لاريجاني (3 حزيران/يونيو 1958) هو ابن آية الله ميرزا ​​هاشم أملي، أحد أبرز علماء الشيعة. وقد حمل لقب أملي نسبةً إلى بلدة أمل في محافظة مازندران. في عام 1931، خرج أملي وعائلته إلى مدينة النجف الأشرف  بالعراق، هربًا من اضطهاد الشاه. وهناك وُلد علي لاريجاني، كما وُلد إخوته الآخرون.

عادت العائلة إلى إيران في ستينيات القرن الماضي. ووفقاً لمصادر إيرانية، فإن مسقط رأس علي لاريجاني، العراق، لا يؤهله لتولي منصب الرئاسة. كما أن عدم حصوله على رتبة دينية يستبعده من الترشح لمنصب المرشد الأعلى.

ومع أن مسقط رأسه ومسيرته العلمانية يحولان دون طموح لاريجاني إلى التاج، أو العمامة الرئيسية، إلا أن ما جرى يظهر أنه حصل على صلاحيات واسعة للغاية لقيادة البلاد فعلياً خلال الحرب وفترة ما بعد الحرب (إذا نجا النظام).

 

أما لماذا وقع عليه اختيار خامنئي، فلذلك عدة أسباب.

أولاً، الأصل الشيعي النبيل للأسرة والعائلة. فمن حيث المكانة في التسلسل الهرمي الديني الشيعي، تعود جذور عائلة لاريجاني إلى حراس ضريحَي الإمامين علي والحسين في النجف. ولذا، يُعدّ مرقد الإمام علي إرثًا عائليًا لهم، بما يحمله من ثروة وسلطة ونفوذ بين الشيعة. أما من حيث النسب النبيل، فيُعتبر الإمامان علي والحسين (النجف وكربلاء) أكثر قدسية من الإمام الرضا (مشهد). ويُقال أن صدام حسين نفسه كان يحذر من الاقتراب منهما، وأن الإمام الخميني أقام لديهم أثناء فراره من إيران الشاه. ومن الواضح أن خامنئي ينظر إلى صلاتهم بالعراق، والمزارات الشيعية الرئيسية، والمرجع الديني الأعلى السيستاني، وصلاتهم بالأذرع الإيرانية في العراق ولبنان، على أنها مركز مناسب لتحقيق التوازن بين النخب داخل إيران وخارجها.

 

ثانياً، يبدو لاريجاني وديعاً وفطناً، لكنه في الحقيقة شخصية قوية. بدأ مسيرته السياسية كعضو في مجلس الشورى (البرلمان) في عهد القائد العام للحرس الثوري الإيراني، وذلك خلال فترة رئاسة خامنئي. وعندما تولى منصب الرئاسة رفسنجاني، الذي أصبح فيما بعد الأب السياسي لما يُعرف اليوم بـ"الإصلاحيين المعتدلين"، تم تعُييّن لاريجاني وزيراً للثقافة، ثم ترأس لمدة عشر سنوات كاملة (1994-2004) هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، وهي الأداة الدعائية الرئيسية في البلاد. ثم ترأس بعد ذلك مجلس الأمن القومي في عهد أحمدي نجاد لمدة عامين (2005-2007)، أي انها الآن المرة الثانية التي يتولى فيها هذا المنصب الرفيع في جهاز أمن الدولة.

 

ثالثاً، بين عامي 2008 و 2020، شغل لاريجاني منصب رئيس البرلمان، وهي أطول فترة ولاية في تاريخ الجمهورية الإسلامية. ترأس البرلمان في عهد الآتي من الحرس الثوري والباسيج أحمدي نجاد، لكنه بعد انتخاب الإصلاحي روحاني وجد لغة مشتركة معه أيضاً. خلال فترة ولايته، كان من أبرز المسؤولين عن العلاقات مع الصين. وعندما احتجزت الولايات المتحدة سفينة أخرى تحمل نفطًا إيرانيًا مشبوهًا متجهًا إلى الصين، كان لاريجاني هو من تولى الأمر هاتفيًا مع الصين. وتُعدّ الصين وبريطانيا ودول المنطقة من اختصاصه. يعيش ابن أخيه في اسكتلندا، وهو جزء من العائلة. وخلال فترة تراجع مكانته في عهد إبراهيم رئيسي، أفادت التقارير أنه غادر إلى اسكتلندا لمتابعة دراسات أكاديمية (لاريجاني درس الرياضيات، وإلى جانب تعليمه التقني والرياضي، دافع عن أطروحة دكتوراه في فلسفة كانط). ومع ذلك، لم يكن يومًا مقرباً من الأميركيين داخل الدوائر السياسية الإيرانية. وكان يعتقد أن التنازلات للولايات المتحدة بالتخلي عن إنتاج الأسلحة النووية مقابل تخفيف العقوبات أشبه بـ"استبدال اللؤلؤ بالحلوى".

وبهذه المقاربة للعلاقات مع الولايات المتحدة ومسألة امتلاك الأسلحة النووية، كان من الواضح أنه يتمتع بما يميزه عن المرشحين الآخرين لتولي المنصب القيادي.

 

رابعاً، بتقدمه إلى واجهة المشهد، يسمح لاريجاني لمتشددي الجمهورية بالاختباء في الملجأ أثناء الحرب، والتواصل مع العالم عبر رئيس مجلس الأمن القومي. انزوى في الظل كل من أبناء خامنئي وعلي أصغر حجازي، مستشار خامنئي الذي يشرف فعليًا على جهاز أمنه الشخصي، والأجهزة الخاصة والاستخبارات، مما أتاح للاريجاني الطَموح الظهور تحت الأضواء. لهذه القصة عدة جوانب حساسة: فبمجرد الاختفاء وترك المفاتيح لشخص موثوق، أنت تخاطر بأن يغلق الباب عليك من الخارج ويكشف مكانك للعدو. من جهة أخرى، لاريجاني نفسه مُعرّض للخطر، إذ يصبح الهدف الأول لإسرائيل والولايات المتحدة خلال الحرب. وفي حال اغتياله، اختار خامنئي ثلاثة خلفاء، ومن المرجح أن يكون الخليفة الأول هو أياً من آيات الله، الذي يبلغ من العمر قرابة القرن، وهو واجهة لا يتخذ إلا القليل من الخطوات بشكلل مستقل.

 

أنا متأكدة من أن المتخصص بالرياضيات والفلسفة، وريث العائلة الشيعية النبيلة، سيلعب لعبته بذكاء. وقد يفاجئ الجميع.

أذكر أنه، بعد إسقاط الحرس الثوري طائرة بوينغ الأوكرانية في كانون الثاني/ يناير 2020، كيف قام روحاني، ربما الوحيد في إيران اليوم الذي يجادل المرشد علنًا، بإجبار خامنئي على الاعتراف بأن الحرس الثوري الإيراني هو من أسقط طائرة البوينغ، وعلى إقالة قائد القوات الجوية للحرس الثوري الإيراني، أمير حاجي زاده.

قرر خامنئي الرد على روحاني خلال صلاة الجمعة في المسجد الرئيسي في طهران، حيث تجتمع كل النخب العسكرية والسياسية الإيرانية.

انتظر روحاني بقلق ما سيقوله المرشد. اعتبر خامنئي أنها كانت غلطة مأساوية غير مقصودة، نتيجةً لخطر هجوم أميركي. وأضاف بأنه من المؤسف أن يموت أبرياء، لكن الحرس الثوري هو الأهم في البلاد، ولن يُحاسب أحداً مهما طُلب منه ذلك.

بعد ذلك، بدأت الصلاة. وقف روحاني ولاريجاني في الصف الأمامي مع خامنئي. كان روحاني غاضباً جداً، لدرجة أنه عندما ركع خامنئي رافعاً كفيه للأعلى بالصلاة، نهض روحاني فجأة وخرج على الفور، وسط وميض عشرات كاميرات أجهزة الإعلام. فليشهد الجميع أنه الوحيد القادر على تحدي المرشد، بل الطموح ليكون مرشداً. 

لاريجاني، متفهماً موقف روحاني، طرح سؤالاً عليه، وأومأ برأسه متعاطفاً معه، لكنه بقي واقفاً بجانب خامنئي.

 

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، عندما سحقت إسرائيل حزب الله في لبنان، لاريجاني، وبعد أن كان قد استبعده خامنئي بشكل مهين من الانتخابات الرئاسية لعامي 2020 و2024، عاد فجأةً إلى الساحة السياسية بعد وفاة رئيسي (لم يُخفِ فرحته بوفاته، وكذلك أحمدي نجاد، الذي حضر مراسم الجنازة الرسمية مرتدياً قميصاً أبيض).

بدأت وسائل التواصل الاجتماعي التابعة للاريجاني بنشر صورة له جالسًا مبتسمًا على يمين مجتبى، نجل خامنئي. لفتُ أنا الانتباه إلى هذا الأمر، وكتبتُ في قناتي على تيليغرام، إنها "القوة الإيرانية"، وبالنظر إلى الرمزية الفارسية، لا يمكن أن تكون هذه الصور مصادفة، وتساءلتُ عما إذا كان لاريجاني، كبداية، سيصبح رئيسًا لمجلس الأمن القومي، كما تلمح حساباته على وسائل التواصل الاجتماعي. 

وهذا ما حصل. وفي محاولة للحفاظ على إرثه، الجمهورية الإسلامية عشية الحرب، يبحث خامنئي عن شخصية قادرة على تحقيق التوازن بين العائلات والنظام.

وعلى العكس من رجلَي الدين حسن روحاني وحسن الخميني (حفيد الإمام الخميني)، لا يستطيع لاريجاني أن يطمح إلى السلطة العليا. وهو لم ينظم حركات تمرد  أو يُعارض خامنئي علنًا، كما فعل روحاني أو أحمدي نجاد. ولذلك، لديه فرصة عظيمة.

انتظر لاريجاني بهدوء وصبر، ولم يتحرك من مكانه، عاقداً الأمل على لحظة حظه. وقد أثبت هذا التكتيك نجاحه.

رفسنجاني قضى. المتمرد أحمدي نجاد تمت تهدئته. روحاني نهض ورحل. أما لاريجاني فبقي. 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث