أوروبا المتحف.. أميركا الهواء

بلال خبيزالجمعة 2026/02/27
Image-1772136432
تدرك أوروبا أنها"جسد بلا عضلات" (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تقدم أوروبا للعالم منذ عقود صورة الماضي الجميل. هي الوجهة التي يذهب إليها "سادة" العالم الجدد ليروا كيف كان يعيش الملوك، وليشتروا "حقائب فاخرة" وعطوراً وساعات. هي تقدم للعالم سلعة الحسد. أوروبا لا تصنع "المادة" التي تغير العالم اليوم (مثل الرقائق الإلكترونية أو الذكاء الاصطناعي)، إنما تصنع غلاف الرفاهية.

إضافة إلى تغذية الحسد الذي تربيه أوروبا، فإن أوروبا ما زالت تقدم للعالم سلعة أخرى هي سلعة حسن السلوك، التي تملك اسماً قانونياً وسياسياً: التنظيم REGULATIONفهي التي تضع القوانين التي تضطر شركات التكنولوجيا الأميركية والصينية لاتباعها (مثل قوانين حماية البيانات والبيئة). وهي "الشرطي العجوز" الذي لا يملك القوة لمنع الجريمة، لكنه يملك "دفتر مخالفات" يربك به الجميع. لذا يبدو دورها مركّزاً في كونها تقدم للعالم البيروقراطية كقيمة فاعلة، وتطالب بثمن باهظ لتمويل هذه البيروقراطية.

 

الملاذ الآمن

كذلك تقدم أوروبا للعالم "صورة" عن العدالة والضمان الاجتماعي وحقوق الإنسان. إنها تشبه المدينة الفاضلة المتقاعدة. هذا الوهم هو ما يدفع الناس من الشرق الأوسط وإفريقيا للمخاطرة بحياتهم للوصول إليها. هي لا تقدم لهم "قوة"، بل تقدم لهم "سكينة" يفتقدونها في بلادهم، حتى لو كانت هذه السكينة قائمة على اقتصاد يتآكل.

ما تقدمه أوروبا في المجمل هو الاستهلاك الثقافي والقواعد القانونية، لأنها تعيش على "ريع التاريخ". وإذا اختفت أوروبا غداً، سيفقد العالم "متحفه الأنيق" و"قاضيه المتذمر"، لكن "ورشة" العالم ستستمر في العمل. هذا الفقر في "الفعل المادي" هو ما يفسر ارتعاد فرائصها أمام ترامب وبوتين؛ لأنها تدرك أنها "جسد بلا عضلات"، يملك سلعاً فاخرة ودستوراً قديماً. والحقيقة الصادمة هي أن العالم (أو لنقل القوى الفاعلة فيه) لم يعد يرى ضرورة وجودية لمداراة أوروبا أو إبقائها مزدهرة، وما نراه الآن هو تعامل العالم معها كوريث غني لكنه عاجز.

ثمة ثلاثة أسباب تجعل العالم "يتظاهر" بأنه يداري أوروبا، لكنها أسباب براغماتية بحتة لا علاقة لها بالحب أو القيم.

 

الخوف من "الجثة الكبيرة"

العالم لا يداري أوروبا حباً في ازدهارها، بل خوفاً من انفجار جثتها. فهي تمثل كتلة استهلاكية ضخمة ومخزناً للثروات والديون المتداخلة. وإذا انهارت أوروبا اقتصادياً، ستسحب معها النظام المالي العالمي إلى قاعٍ سحيق. ويبدو أن العالم يداريها كما تداري عائلة كبيرة عماً ثرياً ومريضاً؛ ليس لأنهم يريدون بقاءه سيداً، بل لأنهم يخشون أن تموت أسراره وديونه معه قبل أن يستولوا على ما تبقى من ميراثه.

 

الوظيفة كمنطقة عازلة 

بالنسبة لأميركا، كانت أوروبا "قلعة أمامية" ضد روسيا. وبالنسبة للصين، هي "السوق البديل" والممر نحو الغرب. مداراة أوروبا كانت تهدف لإبقائها ساحة هادئة للصراعات الكبرى. لكن بمجرد أن قرر ترامب أن العالم يدار بالقوة المحض، فقدت هذه المنطقة العازلة وظيفتها. عندما قال ترامب إن "غرينلاند لنا"، كان يعلن رسمياً أن "وقت المداراة قد انتهى"، وأن أوروبا لم تعد شريكاً، بل صارت جغرافيا مستباحة.

 

السمعة كقوة استقرار أخيرة

العالم يداري أوروبا لسبب ثالث أيضاً، ذلك أنها تمثل "الغلاف الأخلاقي" للنظام الغربي. أميركا تحتاج لأوروبا لتقول إن "الغرب" بخير، وإن "الديمقراطية" لا تزال جذابة. من دون أوروبا، ستبدو أميركا كـَ "قاطع طريق" وحيد، وهذا يصعّب عملية النهب. لهذا فإن بقاء أوروبا المزدهرة يمنح "النهب الأميركي" صبغة التحالف الدولي.

لماذا يُفترض بالعالم أن يبقي أوروبا مزدهرة؟ لا يوجد سبب حقيقي. أوروبا اليوم تعيش في "وقت مستقطع". هي مثل ذلك البوهيمي الذي فقد قدرته على العمل ويعيش على بيع لوحات جده القديمة.

والأرجح أن شعبوية ترامب وضعت أوروبا أمام استحقاق خطير: إذا كانت أوروبا غير قادرة على حماية حدودها ولا تملك طاقة رخيصة، ولا تنتج تكنولوجيا المستقبل، فلماذا نعطيها حصة من الكعكة؟

مع ذلك يجدر بنا تفكيك هذا الافتراض مرة أخرى. هذا المتحف والجمال المعلب هو رافعة لافتراض عالمي بأن أوروبا تمثل عقل العالم وقانونه. لكن هذا الافتراض يغفل واقعاً تاريخياً يتعلق بأن أوروبا الاستعمارية، كانت تنهب الأطراف وتضطهد أهلها لتقيم نوعاً من تكافؤ الفرص في المركز. بدت لوقت طويل، ربما قرون، كما لو أنها قصر الإقطاعي الذي ينعم فيه أولاده ببعض الامتيازات، فيما الولد البكر هو الوريث الوحيد. وكل ما يحيط بهذا القصر فوضوي وتدور فيه كل أنواع الصراعات العنيفة. أوروبا نجحت في إيهام العالم أن قصر الإقطاعي يمكن أن يكون الكرة الأرضية كلها، ويمكن للجميع التنعم بتكافؤ الفرص. لكنها أبداً لم تحقق هذا الوهم، بل إن السيطرة الأوروبية على عقل العالم أنتجت حروباً أهلية في الأطراف في كثير من الحالات، إن لم يكن في معظمها.

 

تكافؤ الفرص كبضاعة استعمارية

لم تصدّر أوروبا للعالم الحرية، بل صدّرت "بروتوكول السلوك". أقامت الرفاهية في المركز، ثم باعت للأطراف وهم القواعد. كانت تقول للمضطهدين في الخارج: أنظروا كيف نعيش، يمكنكم أن تكونوا مثلنا إذا اتبعتم قواعدنا. لكن هذه القواعد كانت مصممة لضمان بقاء المركز وريثاً وحيداً، بينما يغرق الآخرون في حروب أهلية حول كيفية اتباع تلك القواعد.

 

قصر الإقطاعي المحاط بالبؤس

نجحت أوروبا في تحويل نمط حياتها إلى معيار عالمي للجمال والتحضر، لدرجة أن الضحايا صاروا يحلمون بالعيش في القصر بدلاً من هدمه أو بناء بديل عنه. وقد تكون المفارقة الأشد عنفاً متمثلة في واقع أن أسباباً جوهرية لدوام الحروب الأهلية في الأطراف كانت نتيجة لزرع النماذج الأوروبية (الدولة القومية، الحدود المصطنعة، القوانين المركزية) في بيئات لا تشبهها. أوروبا لم تمنح العالم السلام، بل منحته أدوات الصراع مغلفة بشعارات عن فضائل الديمقراطية. 

 

انهيار الوهم 

ما يحدث الآن هو أن الولد البكر (أميركا) قرر التوقف عن تمثيل دور الابن المهذب في قصر الإقطاعي. لقد قرر أن القصر نفسه لم يعد مهماً، وأن النهب لا يحتاج لمبررات قانونية أو تكافؤ فرص مزيف. وفي الأثناء قرر أن يبني قلعته الخاصة على كامل جزيرته. فيما يترك لشركائه وخصومه فرصة ذهبية لبناء قلاعهم. 

عندما تصرخ أوروبا اليوم منادية باحترام القواعد الدولية، فهي في الحقيقة إنما تبكي على سلطتها الذهنية التي تلاشت. فيما العالم لم يعد يصدق أن القصر يمكن أن يتسع للجميع.

أوروبا اليوم، بصفتها الإقطاعي المتقاعد، لم تعد تملك جيوشاً تحتل بها العالم، فاستبدلتها بـ"جيوش من القوانين". وهذه خُوّة مبتكرة. فعندما تعجز أوروبا عن بناء منافس لغوغل أو أبل، تفرض قوانين الخصوصية ومكافحة الاحتكار ليس لحماية المواطن، بل لجباية ضريبة عجز من الشركات التي تملك المادة والابتكار.

وحين تتبع سياسة حادة في تقييم المهاجرين بناء على مدى اندماجهم في ثقافتها، فإنها تمارس فعلاً إقصائياً يرفض الاعتراف بأن هؤلاء القادمين هم اللحم الحي الذي قد ينقذ عجزها الديموغرافي. فيما تشكل الحماية الجمركية والسياسات الحمائية سور الحماية لقصر يرفض الاعتراف بأن العالم في الخارج (آسيا وأميركا) بات ينتج الحاجات بكفاءة أعلى.

 

الحقيقة التي نخشى مواجهتها

لكن هذا التحرر من الوهم الأوروبي لن ينتج بالضرورة استقراراً. لأننا في واقع الأمر نخرج من سجن القواعد الثفاقية لندخل في غابة القوة العارية. التحرر من أوروبا يعني أننا سنتوقف عن سماع المحاضرات الأخلاقية بينما يتم نهبنا، لكننا سنواجه النهب وجهاً لوجه، بلا مساحيق تجميل.

وفي العودة إلى واقعنا الشرق أوسطي، ربما يجدر بنا أن نفكر بالمفارقة المذهلة التي نعيشها اليوم، خصوصاً في ظل حماسة نخبنا للدفاع عن أوروبا بوصفها صانعة المعنى، ولأن من يهددها هو بالضبط الإمبراطورية التي بنت جبروتها على الحاجة لا على المعنى. 

في الصراع مع أوروبا لم يكن أمامنا إلا البندقية. لأن الهيمنة الأوروبية كانت مباشرة. كانت تستثمر الأرض وثرواتها وتستعبد الناس. أميركا على العكس، هيمنتها كانت دائما تقوم على إثبات ضرورتها. أميركا تثبت لنا أنها لا تقاوم حين تتخلى عنا. حين تترك العراق وشأنه فإنه يغرق في حروب أهلية وعقائدية ودينية. وحين تهمل لبنان يتحول إلى بلد لا لزوم له. هي تعلن للجميع: عليك أن تخضع لهيمنتي لتعيش، لأنني أملك الهواء الذي يمكّنك من التنفس. 

مع ذلك ربما يجدر بنا أن نتذكر دائماً أن أوروبا أقرب لنا زمنياً. فهي حين كانت تقاسمنا هواءنا وتحتكر هواءها وتمنعه عنا، استطعنا مقاومتها بالبندقية، واستخدام أفكارها في مواجهتها. وكلا الوسيلتين كانتا فاعلتين، لأن الهيمنة الأوروبية كانت غير قادرة أن تكوت مجدية لأوروبا من دون هيمنة أو احتلال مباشر. أما أميركا فما أن تشهر البندقية بوجهها حتى تخسر كل أمل لك بالبقاء، ليس لأنها أقوى فقط، بل لأنها ما أن تتجاهلك حتى تعيدك إلى الغابة. مأساة الأطراف اليوم ليست في وجود أميركا، إنما في أننا لم نتعلم كيف نتنفس خارج رئتها. 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث