لا يشبه ترامب بالنسبة لإسرائيل أياً من الرؤساء الأميركيين الجمهوريين الذين وصلوا إلى البيت الأبيض. ولا يستطيع أياً من الجمهوريين أوالديموقراطيين، أن يزايد عليه في حرصه على أمن إسرائيل وحمايتها حتى من نفسها، كما يقدم هو خطته لإنهاء الحرب في غزة. وكعادته، يدعي ترامب لنفسه تحقيق ما لم يتحقق، وما يتخيله خلال اندفاعاته في الحديث عن نفسه. فقد نقلت عنه وكالة الأنباء الإسرائيلية الناطقة بالروسية أيضاً cursor، في 27 الشهر المنصرم، قوله في مقابلة إذاعية إنه تمكن من إنقاذ إسرائيل من الدمار بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية. فلو كان وصل بايدن أو هاريس، لما تم القضاء على النووي الإيراني، الذي كان سيستخدم ضد إسرائيل لو بقي بحوزة الإيرانيين.
لكن الفارق يبدو كبيراً بين ترامب الأول وترامب الثاني في مقاربته للعلاقة مع إسرائيل. في رئاسته الأولى، منح ترامب تل أبيب ما لم يكن يحلم به أعتى متطرفي اليمين الإسرائيلي: من الاعتراف بالقدس عاصمتها، إلى الاعتراف بضمها للجولان، إلى اتفاقيات إبراهام. في ولايته الثانية، كانت زيارته الخارجية الأولى للشرق الأوسط، لكنه لم يعرج خلالها على إسرائيل. فإذا كانت إسرائيل بيت القصيد لسياستة في الشرق الأوسط إبان الرئاسة الأولى وأفاض في كرم العطاء لها، وميزها عن جميع حلفائه في الشرق الوسط الذين ما بخلوا في عطاءاتهم له، يبدو في رئاسته الثانية، وكأنه يقول للإسرائيليين: لقد أخذتم ما يكفي، فاصطفوا الآن إلى جانب الآخرين، ولا تزعجوا أميركا في تحقيق مصالحها في المنطقة، والتي ليس بالضرورة أن تتطابق مع مصالحكم التي نعرف كيف نحميها لكم، وأكثر منكم أحياناً. لقد فعلتم ما فعلتموه في غزة، ولم تستردوا رهائنكم أو تعرفوا كيف تخرجون من المازق. آن الأوان أن تصطفوا إلى جانب سواكم من حلفائنا في المنطقة، والذين نادراً ما كانوا يعرقلون مصالحنا ويجابهوننا برفض ما نطلب منهم، على العكس منكم، حيث أدمنتم قول اللاء للإدارات الديموقراطية من قبلنا.
اللقاءات المتلاحقة للعسكريين والأمنيين الإسرائيليين مع زملائهم الأميركيين، وكذلك زيارات نتنياهو المتكررة إلى واشنطن، تشير إلى أن التنسيق بين الجانبين يطال أدق التفاصيل بشأن المجابهة مع إيران. لكن ما قاله نتنياهو في 23 الجاري في الكنيست، يشير إلى أن مآل هذا التنسيق وكيف سيستخدم في الحرب مع إيران، يبقى سراً يحجبه الأميركيون عن إسرائيل، كما عن سواها من الحلفاء في المنطقة. فقد اشتكى نتنياهو أمام الكنيست من "أننا نمر بأيام صعبة، ولا أحد يعرف ما الذي يحمله الغد".
تذكير الوكالة الإسرائيلية أعلاه بكلام ترامب يأتي في سياق ظهور العديد من النصوص والمدونات التي تتحدث عن تزايد ارتباط إسرائيل بالولايات المتحدة في عهد رئاسة ترامب الثانية، وارتهان قراراتها للضوء الأخضر الأميركي. وهذا ما يدفع نتنياهو للإعلان بأن إسرائيل ستسعى للتخفيض تدريجياً من اعتمادها على الضمانات الأميركية لأمنها. ويقول نتنياهو بأن المعاهدة الدفاعية الجديدة مع الولايات المتحدة، والتي ستحل مكان المعاهدة الحالية التي تنتهي في العام 2028، ينبغي أن تخفض تدريجياًً من قيمة المساعدة المالية السنوية الأميركية البالغة 3,8 مليار دولار.
موقع MIGnews الإسرائيلي الناطق بالروسية، وبمناسبة الإهانة التي وجهها ترامب للرئيس الإسرائيلي، نشر في 14 الجاري نصاً رأى في عنوانه أن "ترامب يعيد تشكيل إسرائيل". وقال في عنوان ثانوي إن شباط/ فبراير 2026 سيدخل تاريخ الديبلوماسية بوصفه اللحظة التي اصطدم فيها مفهوم سيادة الدولة بمقولة "الحكم بالشراكة " "corporate governance"على صعيد الكوكب.
استهل الموقع نصه بالإشارة إلى أن ترامب تخلى نهائياً عن دوره كحليف تقليدي لإسرائيل، وانتقل إلى شكل من أشكال السيطرة الخارجية المباشرة. وتصريحات ترامب في الأيام الأخيرة على وسائل التواصل الاجتماعي ليست كلاماً نزقاً، بل هي محاولة منهجية لتحويل صراع الشرق الأوسط إلى قضية تجارية شخصية، حيث يُنظر إلى المؤسسات السياسية لدولة ذات سيادة على أنها مجرد إجراءات بيروقراطية معقدة. واعتبر أن تهجم ترامب على الرئيس الإسرائيلي، ودعوة الإسرائيليين إلى "فضح" رئيسهم إسحاق هرتزوغ لرفضه العفو الفوري عن بنيامين نتنياهو، يشكل ذروة هذه العملية.
رأى الموقع أن تهجم ترامب على هرتزوغ، هو تجاوز لخط أحمر لم يسبق لأي زعيم أميركي أن تجاوزه. وقال إن ترامب يرى أن استقلال القضاء الإسرائيلي يمنع "الرئيس التنفيذي" (نتنياهو) من تنفيذ تعليمات "رئيس مجلس الإدارة" (ترامب). هذا التدخل في أسس البنية الديمقراطية لإسرائيل، يبدو للوهلة الأولى، كتصرفات "ثور في متجر خزف". لكن في الحقيقة، يُدمر ترامب عمداً بنية العلاقات السابقة، معتبراً إياها غير ذات جدوى. لكن التهجم على هرتزوغ ليس سوى قمة جبل الجليد التي تخفي تحتها عمليات أكثر عمقاُ مرتبطة بمستقبل قطاع غزة.
المدون الإسرائيلي ورئيس التحرير السابق للقناة التاسعة الإسرائيلية الناطقة بالروسية والموجهة لما يسمى "الشارع الروسي" في إسرائيل، دمتري دوبوف، نشر في 6 تموز/ يوليو المنصرم نص مدونة عنونه بالتساؤل "من يتولى إدارة إسرائيل بالفعل: نتنياهو أو ترامب؟".
استهل دوبوف نصه بمخاطبة الإسرائيلين بالقول "فلنكن صريحين". وتابع تساؤلاته الصريحة بالقول: إن اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة هو مفتاح أمنها في الشرق الأوسط، وربما هو شرط وجودها هنا. سواء كان هذا جيدًا أم سيئًا، لكنها حقيقة. غير أن السؤال يبقى: متى أصبح الإسرائيليون معتمدين إلى هذا الحد على الولايات المتحدة، بحيث لا يستطيعون اتخاذ خطوة واحدة من دون موافقتها؟ أو بعبارة أخرى، من دون موافقة الرئيس؟ الحقيقة أن إسرائيل تعتبر نفسها قوية في الشرق الأوسط، وهذا صحيح. لكنها لم يسبق لها أن كانت معتمدة إلى هذا الحد على القرارات المتخذة في المكتب البيضاوي، "بل أقول أكثر، لم نكن يوماً مرتبطين إلى هذا الحد بمزاج سيد البيت الأبيض الحالي".
موقع الطبعة الإسرائيلية من الصحيفة الروسية Newsru نشر في 11 الجاري مقابلة مع الخبير العسكري الإسرائيلي ديفيد غندلمان، ووضع للنص عنواناً "إسرائيل تنتظر "الضوء الأخضر" من ترامب".
أجرى الموقع مقابلته مع غندلمان بمناسبة زيارة نتنياهو الأخيرة إلى البيت الأبيض، وطرح مندوب الموقع على الخبير في البداية عدة أسئلة عن إيران، الهدف الرئيسي للزيارة، وعن الاختلاف في وجهتي النظر الأميركية والإسرائيلية بهذا الشأن.
بعد أن حصر الخبير الإختلاف الأميركي الإسرائيلي بموضوع برنامج الصواريخ الإيراني، سأل مندوب الموقع عن واقعية ما تؤكده إسرائيل من قدرتها على التعامل مع هذه المشكلة بمفردها، متجاوزة "الخط الأحمر".
رد الخبير على السؤال بالتأكيد على أن إسرائيل لا تستطيع بمفردها معالجة مشكلة الصواريخ الإيرانية بنسبة 100%، كما ليس من المؤكد ايضاً أن الولايات المتحدة تستطيع ذلك. ورأى أن التسريبات عن تأكيد مسؤولين إسرائيليين بأن تل أبيب تستطيع أن تقوم بذلك من دون أخذ الرأي الأميركي بالاعتبار، "أمر من المستبعد أن تقدم عليه القيادة السياسية الإسرائيلية". فالضوء الأخضر الأميركي يجب أن يكون علنياً، أو على الأقل، خلف الكواليس.




