يعلن نتنياهو عن تحالف جديد يضم دولاً عربية، ولا يعلن عن أسمائها، إما لما قد يسببه هذا الإعلان من إحراج لهذه الدول، أو لأن عضويتها في هذا التحالف هي تحصيل حاصل. لأول مرة تُستدعى نيودلهي البعيدة إلى المشاركة في ضمان أمن المنطقة، ومعها اليونان وقبرص الدولة الصغيرة والمقسمة. توقيت الإعلان عن التحالف وتشكيله علامة ضعف، أو على الأقل علامة على سيولة توازنات القوة في المنطقة وتأرجح كفتها بضربات عنيفة وفوضوية.
قبل شهور قليلة فقط، بدا وكأن ربيع القوة الإسرائيلي وقد بزغ، سحقت تل أبيب خصومها. إبادة مظفرة واستعراضية في غزة. أما حزب الله الذي شكل صداعاً أمنياً للجبهة الشمالية لعقود، فقد تم تحطميه في لمح البصر في عمليات تشبه العروض السحرية. بالتوازي، تتوسع القوات الإسرائيلية في احتلال الأراضي السورية وتمسك بمفاصل لعبة الأقليات في الداخل. نجح نتنياهو في جلب الطائرات الأميركية لقصف إيران في حرب الإثني عشر يوماً، بينما تكاتفت العواصم العربية لحماية الأجواء الإسرائيلية من حفلة الألعاب النارية الإيرانية. بطول المنطقة وعرضها، تصول القوة الإسرائيلية بلا رادع، تقصف المواني اليمنية والدوحة و تتحرش بالقاهرة وتهددها بشكل متواصل، وفي الوقت نفسه تتمتع تل أبيب بالدعم الكامل من حلفائها الإبراهيميين من أبو ظبي إلى الرباط.
لكن فوائض القوة الإسرائيلية لا تعمل بالضرورة في صالحها. الفراغ الذي تركه انزواء التهديد الإيراني في الزاوية الضيقة للصراع من أجل البقاء، أخل بتوازن القوى الإقليمي. الرياض التي كانت على رأس القائمة المرشحة للدخول في ظل السلام الإبراهيمي باتت تشعر بالتهديد من انفلات العقال الإسرائيلي. الأمر نفسه ينسحب على القاهرة ومعها عمّان، العاصمتين الأسبق في التطبيع مع تل أبيب. وبعدما كان ينظر إلى إسرائيل لوقت طويل بوصفها جزء من الحل أو على الأقل طرف يفرضه الأمر الواقع في أي ترتيبات إقليمية مقبلة، صارت هي التهديد الأول وعنصر عدم الاستقرار الرئيسي في المنطقة. كان هذا كله قبل تصريحات السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي عن حق إسرائيل في الاستيلاء على كامل أراضي الشرق الأوسط، وقبلما يؤكد يائير لابيد عن موقف المعارضة الإسرائيلية فيما يخص حدود "من النيل إلى الفرات"، بالقول مبتسماً: "كل ما يلزم لضمان أمن إسرائيل".
سكرة القوة الإسرائيلية قادت إلى موجات من ردود الأفعال، وردود الأفعال على ردود الأفعال. ولعل الخشونة السعودية في مواجهة الإمارات في اليمن جاءت من أجل ترتيب الأوراق الإقليمية على هذه الخلفية. قبلها استدعت الرياض إسلام آباد النووية إلى المنطقة في اتفاقية دفاعية. التقارب المصري التركي، وحضور أنقرة في سوريا وليبيا والسودان والقرن الأفريقي، وبرضى من القاهرة والرياض.. كل هذا قاد إلى تكهنات بشأن "تحالف سني" أو شبكة فضفاضة من الترتيبات الموجهة بالأساس ضد تل أبيب.
في لحظة إدراك متأخرة أو رد فعل يشوبه التعجل ضد العزلة الإسرائيلية المفاجئة، يستدعي نتنياهو حلفه الخاص، إسرائيل الكبرى تحتاج إلى حلفها الكبير، الهند في مقابل باكستان، واليونان وقبرص ضد تركيا.
ظهرت بوادر الطموحات الهندية في المنطقة مع توسيع نيودلهي لقطر دورياتها البحرية، على خلفية عرقلة الحوثيين لحركة الملاحة الدولية. اليونان وقبرص كانا طرفين في تحالف للغاز في شرق المتوسط، موجه ضد تركيا بالأساس. الجديد هو الانسحاب غير المعلن للقاهرة من هذا التجمع بعد تقاربها مع أنقرة. الحلف الممتد من الغانج إلى نهر أخيلوس تذكير بمشروع "الممر الاقتصادي" الذي أعلن عنه بايدن في العام 2023 لربط الهند بأوروبا عبر الشرق الأوسط. لم يعد أحد يذكر هذا المشروع اليوم، ولعل النسيان السريع سيكون مصير التحالف الإسرائيلي الكبير أيضاً. ما قد يتبقى منه هو إدراك تل أبيب أنها لا تستطيع وحدها الهيمنة على المنطقة، بل وحتى حلفائها فيها غير كافيين.




