كان معرض دمشق الدولي للكتاب الذي اختُتم قبل أيام مناسبةً لينضمّ العديد من الكُتّاب السوريين إلى لائحة الأبطال، فتكررت عبارات من قبيل: أخيراً كتبي في دمشق. أو: بعد ربع قرن تُعرَض كتبي في دمشق... إلخ. دور النشر، لأسباب تسويقية، ساهمت أيضاً في هذا "الترند"، لأن الاستثمار فيما كان "ممنوعاً" مربح دعائياً، بصرف النظر عن صدقيته. فمثلاً روّجت دار عربية لكاتب سوري على هذا النحو، رغم معرفة متابعي معرض الكتاب بأن كتبه كانت حاضرة في دورات المعرض قبل الثورة.
من نافل القول إن حضور كتب المؤلفين السوريين في المعرض هو حقّ لهم، وسلبهم هذا الحق يجعلهم ضحايا تعسّف فكري-مخابراتي. ومن نافل القول إن جسم الأسد (الأب والإبن) لَبِّيس، فمن قتل وتسبب بمقتل مئات ألوف السوريين يسهل تحميله ما يشتهي أي شخص من أوزار، سواء فعل ذلك كذباً أو صدقاً. واصطناع البطولة في السياق السوري ارتبط بالمكاسب المتاحة أو المرتجاة، منذ بدأ يصبح للمعارضة هيئاتها المموَّلة، حيث كان التمويل جاذباً مالياً وجاذباً أولئك الطامحين إلى مكانة معنوية يصعب عليهم تحقيقها بوسائل أخرى.
بعد إسقاط الأسد تزايد الميل إلى اصطناع البطولات، بهدف قطف ثمارها السلطوية مع المنتصرين. ومن أجل المبالغة في اصطناع البطولة تفاقم الكذب هنا وهناك، لا الكذب المتعلق ببطولات وهمية فحسب، بل الكذب المتعلق بتلفيق الأسدية أيضاً. منها مثلاً، لمناسبة المعرض، ما قيل عن عودة الكتب الدينية بعد أن كانت ممنوعة. ومن المؤسف أن الأرشيف السوري قد دُمِّر، وإلا كنا قد أحلنا إليه لقراءة مقالات في صحف الأسد تشير إلى الإقبال على الكتب الدينية والتراثية في دورات سابقة، ما يعني وجودها والترحيب بها. بدوره، تدمير الأرشيف السوري هنا وهناك قد لا يكون اعتباطياً، إذا قرناه باصطناع الماضي القريب على أهواء المنتصرين، بالمعنى الضيّق جداً لهذه الفئة.
فعاليات معرض الكتاب انعقدت تحت شعار: تاريخ نكتبه، تاريخ نقرؤه. وما ليس طريفاً، بل هو فظٌّ بواقعيته، أن يتجسّد الشطر الأول بالعبارة المتداولة والمعروفة جيداً: التاريخ يكتبه المنتصرون. أي أن هذا الشطر حسبما نشاهد لا يتعدّى تفصيل الماضي على قياس أشخاص في الحاضر، مع إشارات إنشائية إلى تضحيات السوريين الذي كانوا (بحسب كلام أحد المسؤولين) وقوداً للنصر.
الأمر في هذا الإطار الضيّق يدل على انتهازية المتلهّفين لكتابة التاريخ، ويزيد من تهافتهم إحساسهم بأنهم أمام فرصة لا تُعوَّض، أو لا تملك حظاً من الديمومة. وقد يبدو هذا ديدن السلطة منذ انقلاب البعث، إذ راح البعثيون آنذاك يروّجون روايتهم عن سوريا تحت الاحتلال، ثم عهد الاستقلال القصير الذي لم يسلم من هجائهم الشديد. الفرصة كانت أمام حافظ الأسد أفضل من رفاقه، بحكم سطوته بعد انقلابه عليهم، مع ذلك انتظر لسنوات قبل الإتيان بمن يكتب له سيرته الظافرة، وكان أغلب الشهود القادرين على تكذيبها قد رحلوا أو ينتظرون قدرهم المحتوم في السجون.
جزء من التاريخ الذي يُكتب (بمعنى يُدوَّن) اليوم هو على المقاس الأيديولوجي لهيئة تحرير الشام، وأشقائها في السلطة من الإسلاميين. حيث للإسلاميين روايتهم الانتقائية أيضاً للتاريخ القديم والقريب، ولهم روايتهم الانتقائية لمجريات الثورة التي انطلقت عام 2011، وهي بمجملها لا تتفق مع تعريفها البسيط بوصفها ثورة حرية وكرامة. فالهيئة الحاكمة وشركاؤها ليسوا من مناصري الحرية، إلا بمفهوم التحرر من حكم الأسد، وليس اعتباطاً على الإطلاق أنهم اعتمدوا بسرعة تعبير "التحرير" بدلاً من "النصر". فالتحرير يحيل إلى منظومة فكرية مختلفة عن الحرية، ويحيل إلى محتل أجنبي، لا إلى صراع داخلي حتى إذا اتخذ طابع الحرب الأهلية.
واقعياً، كانت ثقافة التحرير دائماً على حساب قضايا الحريات في البلدان التي انتعشت فيها الأولى، وقد عانى العديد من بلدان المنطقة من الأنظمة التي اعتنقت فكرة التحرير للتغطية على قمعها الحريات. في دويلتها السابقة، في إدلب، كانت اللافتات التي ترفعها هيئة التحرير صريحة جداً لجهة رفض الحريات، ولجهة رفض الديموقراطية باعتبارها شركاً، ولم يُسجّل لقادة الهيئة بعد تسلّمهم السلطة موقفاً واضحاً ومغايراً من الديموقراطية، وثمة غموض متعمّد في هذه النقطة لا يصعب إدراك مراميه.
سردية التحرير أتت متكاملة مع المعركة التي أدّت إليه، وثمة استعجال شديد لدى السلطة لكتابة التاريخ على هذا النحو الموافق لمسيرتها، بما في ذلك اعتماد رواية سوبرمانية للمعركة الأخيرة. والمشكلة ليس في تعظيم معركة أو أشخاص فحسب، إنها في مجمل السياق الفكري لكتابة التاريخ على هذا النحو، ومن قبَل صانعيه كما يقولون، لا من قبل مؤرّخين محايدين نسبياً.
المشكلة الأكبر أن تدوين التاريخ حالياً فعلٌ فئوي، وإن تلطّى وراء الأكثرية المذهبية. إنه، بهذا المعنى، ليس فعلاً وطنياً على الإطلاق، بل على العكس من ذلك يُنظر إليه كفعل هيمنة، ولا فرق إن كانت هيمنة سلطة أيديولوجية أو هيمنة فئة مذهبية. والمسألة هي في أن تدوين التاريخ، القريب قبل البعيد، لا يحدث بموجب مشروع أشمل يتضمن جانبين متساندين، هما العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية. فالعدالة الانتقالية، في واحد من جوانبها، هي تدوين للتاريخ إذ تشير إلى المذنبين، بصرف النظر عن إنزال العقاب بهم أو عدمه، وفي هذا السياق تُبنى الرواية الوطنية المتكاملة، طبعاً بشرط ألا تكون عدالة انتقائية وفئوية معاً.
والمشكلة التي لا تبدو مكلفة هي صناعة الأسدية من وجهة نظر "الأبطال"، فتحميل الأسدية كل ما يخطر على البال من شرور يغطّي على الشرور الحقيقية، وهي كثيرة بالتأكيد. لكن مهما كثرت يبقى من المهم توثيقها بواقعية، بلا مبالغات قد يكون مكانها في الأدب والفن، لأن الضرر لا يتوقف عند استفادة حفنة انتهازيين من تفصيلها على قياس بطولاتهم المزعومة، الضرر هو ألا تُرى شرورها خارج هذا الاستثمار البذيء، وبهدف التخلص منها وعدم تكرارها.
جزء من التعافي المنشود لسوريا أن يكون هناك توافق على فهم الماضي القريب، وتوافق مشابه على دفن التاريخ بدءاً من جروحه الأقدم. هكذا، على سبيل المثال، يمكن لابن تيمية أن يحضر معرض دمشق للكتاب، بوصفه من الماضي، لا بوصفه بطلاً معاصراً منتصراً بفتاويه على الأسد. ولعل مثال ابن تيمية (كما حضر في المعرض) يوضّح فداحة الشطر الثاني من شعار: تاريخ نكتبه، تاريخ نقرؤه.
على نطاق أضيق لا بأس بالتذكير بفيلم روسي شهير حمل عنوان: أنشودة الجندي. الفيلم ينتمي إلى الأفلام الروسية عن الحرب العالمية الثانية، وفيه يجد الجندي أليوشا نفسه وحيداً في الخندق، في مواجهة هجوم نازي، فيطلق قذيفتين من مدفع تركه جندي آخر ليدمّر دبابتين مهاجمتين. في مشهد لاحق زمنياً يكرّم ضابط الجندي أليوشا وهو يسأله بإعجاب عن كيفية تدميره الدبابتين؟ يجيب الجندي ببساطة: لقد كنتُ خائفاً. هو مثال للقول على غراره إن التاريخ هو كما يكتبه الخائفون، لا كما يدوّنه أبطال المهرجانات.




