التشاؤم المفعم بالأمل: الطريق الصعب نحو التعافي في سوريا

سلام الكواكبيالاثنين 2026/02/23
Image-1771838824
التحدي السوري هو إعادة بناء الأمل (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كيف يمكن التمسك بالأمل بعد حربٍ مدمّرة، حين تبدو الخسائر أكبر من أن تُحصى، والمستقبل امتدادًا طبيعيًا للخراب؟ في الحالة السورية، لا يُطرح هذا السؤال بوصفه تمرينًا فكريًا، بل كتجربة معيشة يومية. أكثر من عقدٍ من الصراع ترك مدنًا مدمَّرة، واقتصادًا منهكًا، ونسيجًا اجتماعيًا مثقلاً بالفقد والشكوك. في مثل هذا السياق، يصبح التفاؤل السريع نوعًا من الإنكار، بل وربما استفزازًا أخلاقيًا لمن عاشوا الألم مباشرة. ومع ذلك، فإن سقوط التفاؤل لا يعني بالضرورة سقوط الأمل.

 

التفاؤل يفترض أن المعطيات تسمح بتوقّع نتيجة إيجابية. أما حين تشير الوقائع إلى تعقيد المشهد واستمرار الانقسام الطائفي وتباطؤ التعافي، فإن التفاؤل يفقد أرضيته. هنا يظهر الفرق الحاسم بين التفاؤل والأمل. التفاؤل رهانٌ على الاحتمالات، أما الأمل فيمكن أن يكون التزامًا بالفعل حتى في ظل احتمالات ضعيفة. المتفائل يقول بأن الأمور ستتحسن، كيف ومن أين نبدأ ومتى؟ ليس له ان يجيب. أما صاحب الأمل فيقول: "علينا أن نعمل كي تتحسن، سواء ضمِنّا النتيجة أم لا".

في السعي للخروج من حرب مدمّرة، يصبح هذا التمييز ضروريًا. التشاؤم الواقعي، أي الاعتراف بصعوبة المسار، ليس نقيضًا للفعل، بل قد يكون شرطًا له. الاعتراف بحجم الدمار الاقتصادي، وبتفكك البنية المؤسسية، وبالهجرة الواسعة للكفاءات، وباستمرار المؤسسات الفاسدة والمُفسدة، وبغياب العدالة الانتقالية، وبالانفلات الأمني، وبالتعيينات استناداً للولاءات وليس للكفاءات، وبغياب الحياة السياسية، وسيادة نظرية "من يُحرِّر يقُرّر"، لا يعني الاستسلام، بل يعني الانطلاق من رؤية واضحة. الخطر الحقيقي ليس التشاؤم، بل الحتمية؛ الاعتقاد بأن ما حدث قد حسم المستقبل إلى الأبد. فما دام المستقبل مفتوحًا، ولو بنسبة ضئيلة، فثمة مجال للفعل.

 

إضافة إلى الخراب المادي والنزوح والاضطراب السياسي، يواجه المجتمع السوري تحديًا آخر في إعادة بناء الأمل، يكمن في حرية الحركة والفعل لتيارات متشددة، التي تفرض حصارًا فكريًا على جزء كبير من المجتمع تحت عناوين دينية مختلفة. هذا التشدد لا يقتصر على الحدود الفكرية، بل يمتد ليحدد من يحق له المشاركة في الحياة العامة، ومن يُستبعد، وما هو مسموح وما هو ممنوع. في مثل هذا المناخ، يصبح بناء الأمل أصعب، لأن الأفق محدود، والحرية الفردية والجماعية مقيدة، والقدرة على التفكير المستقل خاضعة لضغوط عقائدية شديدة. التخلص من هذه السيطرة، أو على الأقل ترويضها بحيث لا تعيق الابتكار الاجتماعي والتقدم، هو شرط أساسي لأي محاولة لإعادة بناء مستقبل قابل للحياة. فالأمل لا يمكن أن يُبنى على أرض مغلقة، ولا يمكن أن يتحقق الفعل البناء إلا في فضاء يسمح بالاختلاف، ويعترف بحق كل فرد في الإسهام في المجتمع، بعيدًا عن الإقصاء العقائدي.

إن الأمل لا يمكن أن يُبنى فوق إنكار الحزن. سوريا اليوم بحاجة إلى الحِداد الواعي على ما فُقد، مما يفتح المجال للعمل البنّاء بدل الانزلاق في اليأس. الاعتراف بما فُقد من أرواح وبيوت وثقة بين الناس. تجاوز الحرب لا يكون بالقفز فوق الألم، بل بالمرور عبره. الحزن، حين يُعترف به، يتحول إلى وعي بالقيمة. ووعي القيمة هو ما يدفع إلى الحماية والترميم. أما إنكار الخسارة فيحوّلها إلى غضبٍ مكبوت أو رغبةٍ في الانتقام، وهما طريقان يمددان زمن الصراع بدل إنهائه.

 

ما الذي يمكن، إذًا، أن يبعث على تفاؤلٍ حذر داخل هذا المشهد القاتم؟ ثمة أولًا الطاقة المجتمعية التي ظهرت خلال سنوات الحرب نفسها: مبادرات تعليم بديلة، شبكات إغاثة أهلية، جهود محلية لإعادة ترميم المدارس والمشافي. هذه الأشكال من التضامن، وإن كانت محدودة، تشير إلى أن المجتمع لم يفقد قدرته على التنظيم الذاتي. وثمة ثانيًا الجيل الجديد الذي نشأ في ظروف قاسية لكنه اكتسب خبرات مبكرة في المسؤولية والتكيّف، وانفتح على العالم عبر التكنولوجيا والهجرة. هذا الجيل قد يكون أكثر حساسية لقيمة الاستقرار، وأكثر استعدادًا لتجديد أنماط التفكير التقليدية. وثمة ثالثًا الانتشار السوري في الخارج. الشتات، رغم ألمه، كوّن شبكات معرفية واقتصادية وثقافية عابرة للحدود يمكن أن تلعب دورًا في إعادة الإعمار ونقل الخبرات والاستثمار مستقبلاً.

لكن الأمل الداخلي لا يعمل في فراغ. العامل الإقليمي والدولي يلعب دورًا مزدوجًا: يمكن أن يعزّز التفاؤل، ويمكن أن يكبحه. على المستوى الإقليمي، استقرار الجوار ووجود إرادة لتخفيف التوترات قد يفتحان المجال أمام تعاون اقتصادي وأمني يسهم في تخفيف العزلة وتحريك عجلة التعافي. التقارب السياسي أو تخفيف حدّة الصراعات بالوكالة قد يخلق بيئة أقل هشاشة. في المقابل، استمرار التنافس الإقليمي على الأرض السورية، أو تحويلها إلى ساحة صراع نفوذ، يعرقل أي مسار مستدام لإعادة البناء.

 

أما على المستوى الدولي، فالدعم الإنساني وبرامج إعادة الإعمار المشروطة بالإصلاح يمكن أن يشكّل عنصرًا إيجابيًا إذا ارتبط برؤية طويلة المدى تُعطي الأولوية لتمكين المجتمع المحلي وبناء المؤسسات. كذلك فإن تخفيف بعض القيود الاقتصادية، ضمن أطر قانونية واضحة، قد يفتح هامشًا لتحسين الظروف المعيشية. غير أن غياب توافق دولي، أو استخدام الملف السوري كورقة ضغط دائمة في صراعات أوسع، يخلق حالة من الجمود السياسي والاقتصادي تُضعف الثقة بالمستقبل.

إذن، التفاؤل السوري ليس شأنًا داخليًا خالصًا، بل يتقاطع مع خرائط المصالح الإقليمية والدولية. ومع ذلك، يبقى الرهان الأساسي على الداخل: على قدرة السوريين أنفسهم على تحويل التشاؤم إلى مسؤولية، لا إلى عدميّة. فحتى في ظل تعقيدات السياسة الكبرى، يمكن للمجتمع أن يوسّع دوائر الفعل الممكن: مبادرات محلية، إصلاحات تدريجية، حوارات مجتمعية حول العدالة والمصالحة، واستثمار في التعليم بوصفه حجر الأساس لأي نهضة طويلة الأمد.

 

الأمل هنا لا يعني توقّع نهضة سريعة أو نهاية قريبة لكل الأزمات. إنه أقرب إلى موقف أخلاقي: أن نتصرف كما لو أن المستقبل يستحق الجهد، حتى لو لم يكن مضمونًا. قد لا يرى الجيل الحالي اكتمال إعادة البناء، لكن كل خطوة صغيرة هي إعلان ضمني بأن الخراب ليس قدرًا نهائيًا.

بهذا المعنى، يصبح "التشاؤم المفعم بالأمل" موقفًا عمليًا لكي نرى العتمة بوضوح، وندرك ثقل التحديات الداخلية وتعقيدات المشهد الإقليمي والدولي، ومع ذلك نختار الفعل بدل الشلل. الأمل ليس وعدًا بالنجاح، بل التزامًا بالمحاولة. وفي بلد خرج من حرب طويلة، قد يكون هذا الالتزام، مهما بدا بسيطًا، هو الخطوة الأولى نحو مستقبلٍ أقل ظلمة.

 

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث